السياسة والإعلام

أي دور لتطور التكنولوجية الوسائطية في شخصنة السلطة السياسية؟

إذا كانت ظاهرة شخصنة السلطة السياسية، تعد إحدى الخصائص المميزة لعلاقة السلطة، خلال القرن العشرين، فإن هذا الأخير، يبقى كذلك قرن “التكنولوجية الوسائطية” بامتياز. وبالفعل فقد أصبحت الوسائل الحديثة للتواصل والإعلام، خاصة “الراديو” و”التلفزة” تمارس وظائف وتأثيرات غير مسبوقة بين الحاكمين والمحكومين، إنها تمكن الزعيم، وبكل سهولة، من التوجه شخصيا إلى كل فرد على حدة، وإقناعه  بـ “عدالة سياسته”، أكثر مما كان عليه الأمر، عندما كان رجل السياسة يتوجه بخطاباته، عبر منابر الجمعيات التمثيلية، أو حتى عبر الصحف، لأن الدخول في تواصل مع فكر رئيس الدولة، كان يتطلب “مجهود القراءة” والتأويل.

فالتكنولوجية الوسائطية، أصبحت تسمح، ولأول مرة، للجميع، بالاحتكاك مع الرئيس، بدون عناء يذكر، خصوصا وأن المواطن لم يعد له الوقت الكافي للتفكير في مضمون، وقيمة الحجج التي تتضمنها خطابات السياسي[1].

لقد أصبحت إذن السمات الشخصية لرجال السياسة المعاصرين، ووجوهم، وهيئاتهم، وأساليبهم البلاغية والخطابية، تتفوق في الضمير الجماعي للمحكومين، على الأفكار والبرامج ، مما جعل R.G. Schwartzenberg يصف هذا التحول الذي أحدثته وسائل الإعلام واستعمالاتها السياسية، قائلا: «كانت السياسية في السابق عبارة عن أفكار، بينما أصبحت اليوم أشخاص، أو بالأحرى، شخصيات (personnage)، لأن كل قائد يؤدي دورا، كما هو الحال في الفرجة (Spectacle) »[2]؛ لقد أصبحت الدولة الحديثة مقاولة فرجوية، يحاول من خلالها، رئيس الدولة، أن يظهر، في حالة استعراضية، كنجم (Star) يشخصن السلطة[3] ويجسد كل القرارات السياسية الكبرى.

فأهمية التطور الهائل لوسائل الاتصال، وخطورتها المرتبطة بالاستعمالات المكثفة لهذه الوسائل من طرف رجل السياسة، تمثلت بالخصوص في تحول السلطة من طابعها التجريدي  أو غير الشخصي الذي ظل يدافع عنه فقهاء ومفكري النظرية الليبرالية في المجالين السياسي والدستوري، نحو شيء مجسد (incarnation) أو مشخصن (personnalisé)، من خلال دورها كمورد للشعبية السياسية (فقرة أولى)، ثم من خلال فعاليتها كقنوات لتسويق القرار العام (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: وسائل الإعلام كقناة للشعبية السياسية[4]

إذا كان النشاط السياسي، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يقوم بدون شرعية تؤدي وظيفة التبرير (Justification)؛ فإن هذه الشرعية الضرورية للسلطة السياسية، لا يمكنها أن تتأسس دون فعل تواصلي، فالسلطة والتواصل يتمركزان، حسب تعبير Ph. Parini في قلب حقل التمثلات الرمزية (le champs des représentations symboliques)، وتنبعان من نظام المعتقد (l’ordre de la croyance)[5] لذلك فوسائل الإعلام تبقى في صميم انشغالات رجل السياسة الحديث، فممارسة الحكم والشهرة التي يتطلبها، لا يمكن أن تتم إلا عبر الوسائطية (médiologie)[6].

لذلك فالظهور الجيد على شاشة التلفزة، لا يمكن أن يقدر بثمن كرأسمال للشرعية، كما كان الأمر إلى وقت قريب، فيما يخص البث الإذاعي، مادام النشاط السياسي، قد أصبح فعلا احترافيا، يحتاج باستمرار، إلى بناء الثقة لدى الرأي العام[7]. فإذا كانت علاقة السلطة السياسية المعاصرة، قد ارتبطت بتطور الرأي العام، من خلال تزايد أهمية النقاشات (conversations)  العامة، فإن معرفة الجماهير برجل الدولة شخصيا، بفضل تطور التكنولوجية الوسائطية، جعل هذا الأخير في غنى عن هذه النقاشات لتحقيق نفوذه السياسي[8].

ففي السياق السوسيو-سياسي الغربي الحديث، أصبحت المجتمعات المعاصرة، العالية الوسائطية (médiatisée)، والمشبعة إعلاميا (Sur informées)، تعبر أكثر من أي وقت مضى، عن الحاجة إلى ربط مصيرها بشخصية سياسية، تستمد سموها وتعاليها من التضخيم (Amplification)، الذي أصبحت تمارسه الوسائل السمعية البصرية (audio-visuels)[9] على مستويات الخطاب والسلوك السياسي. ففي الوقت الذي كان فيه دور الوساطة السياسية (الأحزاب)، والتمثيل السياسي (البرلمان) ضروريا، خلال القرنين XVIII وXIX بفعل محدودية التكنولوجية الوسائطية، وبعد السلطة المركزية عن محيطها الاجتماعي والترابي، فإن التطور الذي حصل في هذا المجال، خلال القرن XX، قد مكن رجل السياسية المعاصر من المتابعة الدقيقة والمستمرة للوقائع المحلية؛ وفي المقابل أصبح بمقدور المواطنين التعرف، بطريقة حميمة، على رجل السياسة؛ فطرفي علاقة السلطة أصبحا في غنى عن تلك الحاجة الماسة للوساطة والتمثيل السياسيين أمام الرأي العام؛ لقد أصبح بمقدور رجل السياسة التعرف بدقة على تطلعات السكان، وميولات الرأي العام[10] بشكل شخصي.

لكن الاستعمال السياسي للتكنولوجية الوسائطية، لم يكن بالتأكيد، دائما فعلا أو نشاطا تواصليا محايدا. ففي كل مكان تحولت تكنولوجيا الوسائطية إلى أداة للتعبئة (mobilisation)، أكثر  منها قناة للمشاركة (participation) من خلال ما أسماه k. Deutech «الرفع من كثافة التواصل بين الحاكمين والمحكومين»[11]، بهدف الحفاظ على ذلك الاتصال المباشر (contact direct) وتفعيل وسائل الإعلام، كآليات للتأطير (encadrement)، والإقناع (persuasion)، تسعى سياسيا إلى جعل رجل السياسة، يحتل كل الفضاء السوسيو سياسي والذهني، من خلال جعل صورة الرئيس تصبح جزءا من اليومي المعيش.

فخطاب رئيس الدولة كمرسل (émetteur)، أصبح مشبعا بشخصيته، واسمه ووظيفته، فقوة الخطاب السياسي، لم تعد تكتفي فقط بمركزة السلطة القرارية في رئيس الدولة، بل إنها تدفع بشخصنة السلطة إلى أقصى الحدود (pouvoir hyper-personnalisé)[12]. فأهمية التكنولوجية في مجال الشعبية السياسية، ومسرحة (théâtralisation) النشاط السياسي، هي نقل الاهتمام من مضمون الخطاب/الرسالة لفائدة المصدر/المرسل، من خلال ثنائية: الصورة (l’image) والكلمات (les mots)، فالصورة رغم أهميتها، تبقى بدون معنى في غياب الخطاب، كما أن هذا الأخير يبقى عرضة للنسيان الجماعي ما لم يكن مرئيا (visualisé).

إن الخطاب السياسي لرئيس الدولة المعاصر، لا يكتفي هنا بإبلاغ المتلقين بأن الرئيس وحده من يحكم الدولة، بل أن الرئيس هو الدولة نفسها، وذلك بإلغاء المسافة “المصطنعة” بين طرفي علاقة السلطة السياسية[13]، وجعل التعبئة وراء شخص الرئيس وسياساته وقراراته “طقسا يوميا”[14]. فلكي يضمن رجل السياسة الشعبية اللازمة لشرعنة احتكاره للقرارات الهامة، لم يعد بإمكانه الاكتفاء بتعبئة الموارد الاقتصادية للسلطة، بل كذلك – وهذا هو الأهم – الموارد الرمزية والتخيلية  (l’imaginaire)، لذلك فوسائل الإعلام، أصبحت تلعب هنا دورا محوريا في إيجاد تمفصلات وتمثلات كثيفة للنشاط السياسي من خلال حشد المجموع الرمزي والتخيلي الجماعي[15].

كما أن قوة وفعالية التكنولوجية الوسائطية في لعب دورا محوريا في  مجال الشعبية والتعبئة السياسية، ترجع إلى تزامنها مع انتشار نمط الاقتراع العام، والاعتراف للمرأة بحق التصويت، مما هيأ الأرضية المناسبة لإجراء عمليات تسويق واسعة النطاق، لرجال السياسة، من خلال توجه هؤلاء، مباشرة لرجل الشارع وللفرد داخل المجموعة، وداخل وسطه العائلي.. مما أدى إلى ما أسمته M. Charlot إحداث تركيب وتداخل بين نفسية المجموع والتأثير الشخصي للقادة السياسيين، من أجل هدف مشترك هو الإقناع والاقتناع[16]، من خلال الاستفادة من التراكم المعرفي في مجال الإشهار السلعي لسنوات الثلاثينيات خاصة في الولايات المتحدة، من جهة والإنجازات العلمية والتجريبية المرتبطة بعلم النفس[17] وعلم النفس الاجتماعي؛ فوسائل الاتصال الحديثة، خاصة الراديو والتلفزة، ستسهل هنا على المستوى السياسي، نوع من الأسطورة الديماغوجية خدمة لـ “نجوم السياسة”[18]، ولكن كذلك لفائدة السياسات والبرامج والقرارات، من خلال بناء علاقة عمودية ومباشرة بين الحاكمين والمحكومين تقوم على أساس الإغراء[19]

الفقرة الثانية: وسائل الإعلام كقناة لتسويق القرار العام

يلح Roberto Michels، في تحديده لرجل السياسة الحديث، على قوة الإرادة والقدرة على الإقناع، وإعطاء الانطباع بسعة المعارف[20]، لذلك فقد برهنت وسائل الاتصال في المجال السياسي عن قدرة هائلة على صناعة ناخب أو حتى رئيس، بكل ما تحمله كلمة صناعة من معنى[21].

فمع الثورة الوسائطية، أصبحت السياسة عبارة عن مراسيم كبرى متلفزة أو مذاعة، مما جعل شخصنة السلطة تعم كل مظاهر النشاط السياسي داخليا وخارجيا[22]، بهدف استمالة أكبر عدد ممكن من الجمهور السياسي[23].

ففي الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها المنطلق الفعلي لهذه الثورة الوسائطية في مجال شخصنة السلطة وتسويق السيـاسات العــامة، استطــاع F. Roosevelt، بفعل الاستخدام السياسي المكثف لوسائل الإعلام، من خلق تيار شعبي معاد لقوى “المحور” في الحرب العالمية II، بهدف إقحام الولايات المتحدة في الحرب، ضدا على إرادة الكونغرس. فالرئيس هنا يصبح بمثابة الموجهة الأسمى، الذي يتخذ المبادرات الهامة والمصيرية، اعتمادا على التماهي مع الرغبة الشعبية[24]، من أجل التحايل والتملص، عند الضرورة من إكراهات وتعقيدات “الديمقراطية المؤسساتية”. وكوسيلة فعالة لمواجهة الانتقادات اللاذعة التي كانت تواجه بها سياسة New Deal في الصحافة المكتوبة؛ من خلال العديد من البرامج الإذاعية التي كانت توجه للجمهور، وتدافع عن السياسات العامة المتبعة، وهو نفس التوجه الذي هيمن على المستوى التلفزي، ذلك أن العديد من البرامج الوثائقية، أنتجت وبثت، خاصة في المدارس والأماكن العامة لمساندة نشاط “وكالات النيوديل”[25].

لقد ظل الرئيس في الولايات المتحدة، يبحث عن الاستثمار الفعال لوسائل الإعلام المتاحة من أجل تبرير سياساته والدفاع عن قراراته، فقد  فهم F. Roosvelt جيدا أهمية المقابلات الصحفية والتلفزية كلحظات سياسية حميمة، تساعد على تهيئ الرأي العام لتفهم القرارات الكبرى؛ كما أنه ظل دائم الرغبة في التوجه المباشر إلى الشعب للحد من مفعول كل معارضة يبديها الكونغرس في مجال السياسات العامة. كذلك حرص Truman بشدة على الظهور التلفزي من خلال البث المباشر، لأنه بذلك يضع صورته وصوته في خدمة سياساته وقراراته[26].

أما في فرنسا فقد فهم الجنرال De Gaulle، وبسرعة أهمية الرهان التلفزي لذلك اتجهت سياسته الإعلامية، إلى مراقبة صارمة لكل استعمال سياسي للوسائط الإعلامية، بغية استغلالها كأداة للتعبير السياسي في يد الدولة، وإبعادها في المقابل عن المعارضة. لذلك، ومنذ 1958، راهنت السياسة الديكولوجية على عدم ترك أي شيء للصدفة في المجال الإعلامي[27].

فبفضل هذه الشعبية الإعلامية التي أصبح يحظى بها De Gaulle، استطاع هذا الأخير، ليس فقط، أن يصبح الشخصية السياسية الأولى، بامتياز في فرنسا طيلة عدة عقود، بل استطاع، بفضل التلفزة على وجه الخصوص، أن يتوجه بشكل مباشر وواسع إلى الفرنسيين، خارج الأحزاب السياسية والجمعية الوطنية[28]، فخطابات الرئيس أصبحت متوقعة، مسموعة، ومفهومة على نطاق واسع جدا.. والحجج التي كانت تتضمنها أصبحت تناقش والقرارات التي تعلن عبرها صارت تشكل النواة المركزية للتفكير السياسي للناس العاديين. لقد برز هنا شكل غريب من النقاش العمومي، يهيمن عليه صوت واحد هو ترديد العبارات المفضلة لدى De Gaulle: “البناء” و”التشييد”.[29]

لقد أدت كثافة الظهور العمومي للقادة السياسيين خاصة عبر البث التلفزي، إلى تضخم سلطاتهم الشخصية، وتبرير اتساع وتزايد القرارات، التي تكون المضامين العيانية لهذه السلطة، وحشد القبول العام حولها، فالجنرال De Gaulle، مثلا، وبفضل الظهور التلفزي الكثيف[30]، لم يعد فقط، في نظر الفرنسيين حائزا على سلطة عمومية، بل أصبح شخصية مشهورة[31]، مما خوله بسهولة كبيرة تحييد كل القوى السياسية؛ فبالرغم من الصعوبات السياسية التي عرفتها فرنسا داخليا وخارجيا، خلال المرحلة الأولى من حكم De Gaulle، والتي امتدت إلى حدود سنة 1965؛ فإن “زعيم فرنسا الحرة” استطاع تقلد كل القرارات الهامة والصعبة؛ لأن كل الشعب يعرفه ويثقف في شخصه[32]، وفي نجاعة ونجاح قراراته، ولا أحد يستطيع منازعة مكانته بشكل جدي، لقد أصبح من الصعب على المرء أن يتموقع ضد، أو مع سلطة الجنرال من خلال التزام واضح وصريح[33].

وبالمقابل فقد أدت الشعبية الشخصية والهيمنة القرارية لـ De Gaulle، إلى تراجع شبه تام لمكانة وشعبية باقي المؤسسات السياسية؛ فقد اقتنع أغلب الفرنسيين، بأخطاء الحكومات السابقة التي أدت إلى توريط الجمهورية في حروب استعمارية لا طائل من ورائها، خاصة في “الفيتنام” و”الجزائر”. ففي مقابل فشل الأحزاب السياسية بمختلف خطاباتها الإيديولوجية، بدا للرأي العام الفرنسي، بل حتى الدولي أن “الجنرال” هو وحده القادر على خلق معجزة لحل كل الأزمات. فالأحزاب أصبحت سيئة السمعة، والبرلمان صار بدون قيمة سياسية أو قرارية تذكر، مما خلق شعورا جماعيا بضرورة تجميع مختلف “القوى الحية”[34] وراء “رمز الأمة الفرنسية”[35]. فمهما تكن مكانة البناء المؤسساتي للنظام السياسي، فإن الشعبية التي أحرزها رئيس الدولة بفضل الاستثمار المكثف لوسائل الإعلام في المجال السياسي، وتسويق القرارات السياسية، قد جعل السلطة السياسية نفسها لا تستمد من الوظيفة ولكن من الشعبية الفردية[36]، فبفضل وسائل الإعلام أصبح بمقدور القادة السياسيين أن يمنحوا وجها للسلطة السياسية، وتقديمها في شكل مرئي[37]. ويجسدوا القرارات السياسية[38] في مختلف قطاعات السياسات العامة للدولة الحديثة.

ب- الإعلام الدولتي كقناة للتنمية السياسية: لقد أدت هشاشة وازدواجية  الثقافة السياسية التي سادت المجتمعات حديثة الاستقلال، من خلال افتقارها إلى لغة حداثية، إلى جعلها عرضة لنوع من الإعلام الدعائي، الذي تميز في كل هذه التجارب السياسية، بهيمنة واحتكار الدولة لوسائل الاتصال. فالإذاعة والتلفزة، شكلت مجالا احتكاريا للدولة بامتياز، وكونت إحدى أهم مرتكزات البث التبسيطي للإيديولوجية الدولتية، كمرجعية أسمى للتنمية والتنشئة السياسية, وهو ما سهل كثير توسيع وتبرير سلطات الزعيم، وتغلغلها داخل البنيات الاجتماعية والذهنية؛ خاصة، وأن هذه العقيدة الإيديولوجية، تصادفت من جهة مع تفشي ظاهرة الأمية، وارتكازها على خطاب تنموي تعبوي من جهة ثانية[39]

فـ “التواصل” السياسي التبسيطي، الذي ساد الدول الجديدة مباشرة بعد الاستقلال؛ تمحور بالخصوص حول إبرار مكانة الزعيم والإشادة به، كفاعل مركزي ووحيد في النظام السياسي القائم بل وفي التاريخ؛ من خلال تصوير مراحل الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، ككفاح أشخاص أو عشائر[40] وليس مجتمعات وتنظيمات. فبالنسبة للمجتمعات التقليدية عالية الأمية وضعيفة القدرات التجريدية؛ كان استيعاب السلطة الشفوية، أيسر وأهم بكثير من فهم البرامج السياسية؛ مما يسمح للزعيم بتضخيم شخصيته وسلطاته السياسية، عبر الظهور المكثف والبث المتكرر لخطاباته وأقواله؛ وفي المقابل إلى إفراغ بعض المظاهر المؤسساتية من مضامينها؛ لذلك تحولت التعددية الحزبية إلى تعدد في الأحزاب؛ والمراقبة إلى إزعاج لقرارات القائد وخططه التنموية؛ والمنافسة إلى حرب سياسية…[41]

فالزعيم ظل هنا، دائم  الحرص على “التواصل” المباشر من خلال وسائل الإعلام، كأشكال شعبوية للتعبير، فتصبح بذلك أقواله ساحرة وتلقائية[42] ما دامت تعبر بالنسبة للجماهير عن رؤية مشتركة للحياة العامة؛ لذلك فحرص الدولة على احتكار وسائل الأعلام هنا، لم يرتبط فقط بتكريس علاقة مباشرة بين الزعيم والجماهير، تعفي النظام السياسي من تعقيدات المأسسة وتكاليف تقاسم السلطة، بل ارتبط في العمق، برهان تحويل العقليات ، انطلاقا من الفلسفة العامة لأقوال / إيديولوجية الرئيس[43]؛ لذلك فتشخصانية السلطة أصبحت تتغذى، بشكل أساسي، من خلال وسائل الاعلام الدولتية؛ عبر خلق المشاعر الخاطئة أو المزيفة  المفروضة أو المصطنعة[44].

فوراء كل القرارات وعلى رأس كل الأجهزة، يوجد «وجه الرئيس»، «رجل العبقرية»، «الشخص المحبوب»، «الذي يخشاه الجميع»، لذلك أصبح رئيس الدولة الجديد، لا يختلف في شيء عن الملوك القدامى، إلا في الاستخدام المكثف لوسائل الإعلام الحديثة، فهو «أب الأمة الساهر على رخائها» و «المربي النزيه والأمين» و «البيداغوجي الصادق» و «المثقف الأسمى»[45].

فالوسائط الإعلامية لم تكتف هنا فقط بحشد وتنشيط القنوات الاجتماعية التقليدية، بل خلقت قنوات إضافية وأحيانا كثيرا بديلة عنها[46]؛ ذلك أن المراسيم السياسية الكبرى المتلفزة، ظلت تسعى إلى الحفاظ على السكون فالقيم المحمولة هنا وإن كانت تتضمن التغيير و”الروح الثورية” فإنها ظلت تحرس على استحضار الجو الاحتفالي العائلي[47] لعلاقة السلطة السياسية.

إن هذا الزخم الكبير من الدلالات والرموز، الذي أنتجته وسائل الإعلام الرسمية، بالنسبة لقادة الدول الحديثة الاستقلال[48]، والدور المحوري الذي لعبته إلى جانب الحزب الوحيد، في بثها داخل الأوساط الجماهيرية لفائدة شخصانية أكثر قوة وأكثر عمقا لعلاقة السلطة السياسية؛ من خلال استثمار مكثف لثقافة سياسية تقليدية ونشر تنمية سياسية دولتية ازدواجية، سيتكرس ميدانيا بفعل طبيعة الرهانات التي ارتبطت بهذه التنمية السياسية التي قادتها الدول حديثة الاستقلال، وشكلت الإطار الأمثل لتغذية شرعية أنظمتها السياسية الشخصانية.

لائحة المراجع:

Roger Gerard Schwartzenberg/ l’Etat spectacle : essai sur et contre le Star système en politique / éd. Flamarion, Paris (1977)

– Bernard Chantebout / Droit constitutionnel et science politique/ 12ème éd.  Armond Colin. Paris (1995).

Yves Mény et Yves Surel /par  Le peuple pour le peuple, le populisme et les démocraties/, par le peuple , pour le peuple : le populisme et les démocraties / éd. Fayard , collec. “L’espace du politique ” paris (2000)

Philippe Parini / Les institutions politiques / éd. Armond Colin, Paris (1984).

Roland Caprol / Médias et démocratie : la dérive / éd. Fondations nationale des sciences politiques, Paris, (1997)

Gabriel Tard / L’opinion et la foule /  éd. PUF, Collec. “Recherches politiques”, Paris (1989),

André Vitalis / Informatique, pouvoir et libertés / ; éd. économica, collec : “politique comparée”, Paris (1981)

Mohammed Sarbouti / Les facteurs , les conditions et les limites de la mobilisation politique au Maroc/ Thèse pour le Doctorat de 3ème cycle en sociologie, Université de Bordeaux II (1985).

Patrick le Hinge / Le discours Giscardien / in «discours et idéologie » (sous dir, J. Chevalleir) éd. PUF et CURAPP, Paris (1980),

Pierre Lenain / la manipulation politique / éd. économica, collec ; “la France de demain”, Paris (1985),

Louis Moreau / Sociologie de l’audité / éd. l’Harmattan, collec. “Logiques sociales”, Paris (1985)

Monica. Charlot / La persuasion politique / éd. Armond Colin , Paris (1970).

Philippe Guillot / Introduction à la sociologie politique / éd. Armond Colin, Collec. “Cursus-sociologie”; Paris, (1998),

Cuy Rossi-Landi / Les hommes politiques/ 1ère éd. PUF, Paris (1973).

Gérard Mermet / Démocrature : comment les médias transforment la démocratié / éd Aubier, Paris (1987)

Daniel Dayan et Elihu katz / La télévision Cérémonielle / éd. PUF, Collec ; “La politique éclatée”, Paris (1996)

L. Hanon et A. Mabileau / Personnalisation du pouvoir / (Dir) éd. PUF. Paris (1964).

Pascal Criset / Les révolutions de la communication XIX – XX siècle / éd. hachette Supérieur ; Collec. “Carré-Histoire”; Paris (1991)

Jean-Pierre Esquenazi / Télévision et démocratie : La politique à la télévision Française (1958-1990)/ éd. PUF ; Collect “Politique éclate” Paris (1999)

Georges. Parodi / Le referrendum devant l’opinion / in Revue “pouvoir”, N° 49 ; éd. PUF, Paris (1989)


[1] – Bernard Chantebout / Droit Constitutionnel et Science Politique /,12ème éd.  Armond Colin. Paris (1995  P. 303.

[2] – Gerard Schwartzenberg/ l’Etat spectacle : essai sur et contre le Star système en politique / éd. Flamarion, Paris (1977)

[3] – Bernard Chantebout / Droit constitutionnel et Science politique/, opcit, P. 8.

[4] – يستعمل مفهوم الشعبية السياسية، بكيفية فضفاضة، وذلك للتعبير عن النشاط (l’action)، أو المواقف (attitudes)، أو التصريحات (Les déclarations)، المرتبطة بشخصية سياسية معينة، دون أن يعني ذلك تشكيكا أو تنقيصا من مرجعيتها الديمقراطية، فشخصيات من قبيل M. Thatchers, J. Chirac، أو T. Blaire تشكل اليوم شخصيات سياسية شعبية، ليس فقط بفعل وجود منافسين سياسيين، ولكن كذلك بفعل الدور الذي أصبحت تلعبه وسائل الإعلام في مجال المساجلات السياسية.

ولكن الإشكال، يثور هنا، حينما نعمم نفس النعت على زعماء ميزوا الحياة السياسية للعالم III، أمثال جمال عبد الناصر، أو Peron، هل نتكلم عن نفس المعنى؟ هل تشكل الشعبوية تهديد للديمقراطية، كما هو الحال مع النظام الألماني النازي خلال حكم A. Hetler، أو خلال الضجة الإعلامية والسياسية التي ميزت وصول Haïder إلى السلطة في النمسا؟ أم أن الشعبوية تشكل عنصرا جوهريا في الديمقراطية الغربية، كما أصبحت تعبر عنه التجربة الأمريكية؟.

إن أهمية هذه الأسئلة، تكمن في ضرورة الحذر في التعامل مع هذا الاستعمال الواسع لمفهوم الشعبوية والشعبية، مما يفقدها كثيرا من دلالاتها العلمية…

(Yves Mény et Yves Surel /par  Le peuple pour le peuple, le populisme et les démocraties/, /, par le peuple , pour le peuple : le populisme et les démocraties / éd. Fayard , collec. “L’espace du politique ” paris (2000)  P. 10-11).

[5] – Philippe Parini / Les institutions politiques / éd. Armond Colin, Paris (1984) P. 100.

[6] – Roland Caprol / Médias et démocratie : la dérive / éd. Fondations nationale des sciences politiques, Paris, (1997), P. 41-42.

[7] – Ibid, P. 49.

[8] – Gabriel Tard / L’opinion et la foule /  éd. PUF, Collec. “Recherches politiques”, Paris (1989), P. 121-123.

[9] – R.G. Schwartzenberg / l’Etat spéctacle essai sur et contre le star système en politique/ opcit, P. 11.

[10] – André Vitalis / Informatique, pouvoir et libertés / éd. économica, collec : “politique comparée”, Paris (1981)  P. 126.

[11] – Cité par mohammed Sarbouti / Les facteurs, les conditions et les limites de la mobilisation politique au Maroc / Thèse pour le Doctorat de 3ème cycle en sociologie, Université de Bordeaux II (1985), P. 3.

[12] – Patrick le Hinge / Le discours Giscardien / in «discours et idéologie » (sous dir, J. Chevalleir) éd. PUF et CURAPP, Paris (1980), P. 154-155.

[13] – Ibid, P. 156-168.

[14] – Pierre Lenain / la manipulation politique / éd. économica, collec ; “la France de demain”, Paris (1985), P. 7.

[15] – Louis Moreau / Sociologie de l’audité / éd. l’Harmattan, collec. “Logiques sociales”, Paris (1985), P. 15.

[16] – Monica. Charlot / La persuasion politique / éd. Armond Colin , Paris (1970), P. 6.

[17]– فالحديث عن التسويق السياسي للقادة، لم يكن ممكنا إلا مع اكتشاف تقنيات التحليل النفسي (la psychonalyse)، وتطور الدراسات المتعلقة بالتحريض (motivation)، المعتمدة أساسا على نتائج أبحاث S. Freud حول الرمزية الجنسانية (Le symbolisme séxuel)، والتي طورها كثيرا عالم النفس الأمريكي Ernest Dichter، حيث تم إقحام الإشهار السياسي في اللاوعي الجماعي بغية إقناع الرأي العام بالأشخاص أو بالبرامج […] ففي الولايات المتحدة، وبعد التحدي الذي واجهه الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 1928، أصبح الحزب يتوفر على “مصلحة دائمة للإشهار” كان لها دورا جوهريا في وصول F. Roosevelt  إلى السلطة والترويج لخطة New Deal  التي شكلت العمود الفقري لسياساته الداخلية والخارجية.

(Monica. Charlot / La persuasion politique / opcit, P. 8).

[18] – جان ماري دانكان: “علم السياسة”، م.س. ص 131.

[19] – Philippe Guillot / Introduction à la sociologie politique / éd. Armond Colin, Collec. “Cursus-sociologie”; Paris, (1998), P. 84-85.

[20] – Cuy Rossi-Landi / Les hommes politiques/ éd. PUF, Collec, “le politique”, Paris (1973), P. 88.

[21] – Gérard Mermet / Démocrature : comment les médias transforment la démocratié / éd Aubier, Pars (1987), P. 195.

[22] – Daniel Dayon et Elihu katz / La télévision Cérémonielle / éd. PUF, Collec ; “La politique éclatée”, Paris (1996) ; P. 2116.

[23] – Ibid, P. 16.

[24] L. Hanon et A. Mabileau / Personnalisation du pouvoir /  (Dir) éd. PUF. Paris (1964). P. 36.

[25] – Pascal Criset / Les révolutions de la communication XIX – XX siècle / éd. hachette Supérieur ; Collec. “Carré-Histoire”; Paris (1991) ; P. 76.

[26] – André Turc / La personnalisation du pouvoir aux Etats-Unis d’Amérique /in Personnalisation du pouvoir /  (Dir), P. 197.

[27] – Pascal Criset / Les révolutions de communication XIX-XX siècle / opcit, P. 185.

[28] – Yves Mény et Yves Surel / par le peuple pour le peuple le populisme et les démocraties, opcit ; P. 117.

[29] – Jean-Pierre Esquenazi / Télévision et démocratie : La politique à la télévision Française (1958-1990)/ éd. PUF ; Collect “Politique éclate” 1ère éd.  (1999) ; P. 30.

[30] – فالرهان المركزي للتسويق السياسي بالنسبة لرجل السياسة المعاصر، هو أن يكون معروفا على نطاق واسع، ويحقق أكبر قدر ممكن من الإثارة لدى الناس العاديين، تماما كما هو الحال بالنسبة للنجوم (les stars) والمشاهير.

(Roland Caprol / Médias et démocratie : la dérive/ éd. Fondations nationale des sciences politiques, Paris, (1997) P54-55.

[31] – Jean – pierre Esquenazi / télévision et démocratie… / opcit ; P. 46.

[32] – فالمهم بالنسبة لرجل السياسة الحديث، من وراء النشاط التواصلي المكثف الذي يقوم به؛ هو أ، يشعر الناس بأنهم يعرفونه شخصيا، وبشكل مباشر، تماما كما يعرفون أصدقائهم لأن هذا الشعور، يجعل المتلقين (recepteurs)، يحكمون على الخطابات والقرارات بكيفية إجمالية، وبشكل يبرز ردود الفعل تجاه الشخص أكثر من تقدير الوعود والنتائج.

[33] – Jean-Pierre /Esquenazi Télévision et démocratie : La politique à la télévision Française (1958-1990)/ opcit ; P. 29.

[34] – Ibid ; P. 40.

[35] – لذلك لم يتردد الجنرال De gaulle في ربط المشاركة المكثفة في الاستفتاء الشعبي الرامي إلى تعديل طريقة انتخاب رئيس الجمهورية، حيث أكد أن «كل تصويت بنعم هو دليل مباشر على تجديد الثقة بشخصي» وأن «لي اليقين بأنكم ستصوتون بنعم لأن الأمة الفرنسية، أمام نفسها، وأمام العالم، إذا أقدمت على التخلي عن الجنرال De Gaulle، وذلك بمنحه ثقة غامضة، وغير واضحة، فإن مهمته التاريخية ستكون مستحيلة».

(Cité par  Georges. Parodi / Le referrendum devant l’opinion / in Revue “pouvoir”, N° 49 ; éd. PUF, Paris (1989) ; P. 162).

[36] – Maurice Duverger / Institutions politiques et personnalisation du pouvoir/ opcit ; P. 430.

[37] – R.G. Schwartzenberg / l’Etat Spéctacle essai sur et contre le star système en politique/ opcit ; P. 8.

[38] – فبفعل مؤهلاته التواصلية المباشرة مع الرأي العام الداخلي والخارجي استطاع J. Chirac  أن يقلب، وفي مناسبات عدة شرعية المعارضة المتنامية لليمين واليمين المتطرف، اعتمادا على حجج قراراته العامة، بل واستمالة جزء مهم من اليمين نفسه.

(Yves Mény et Yves Surel / Par le peuple pour le peuple populisme et les démocraties /  opcit ; P. 113.

[39] – Jean Lacouture / Quatre hommes  et leurs peuples : sur – pouvoir et sous – développement/ op cit p 49.

[40] – Ibid p 47.

[41] – Ibid p 78.

[42] – ألكسندر درونا / الشعبية وأزمة الديمقراطية/ مجلة الثقافة العالمية ع 98. م. س. ص  38.

[43] – Michel Branciard / le Maghreb au cœur des crises/ éd. L’essentiel. Collec “Chronique sociale” Lyon (1994) p 41-42.

[44] – R.G. Schwartzenberg / l’Etat spectacle essai sur et contre le star système en politique / op cit , p 126.

[45] – Yâdh Ben Achour / la réforme des montalités, Bourguiba et le redressement moral / in «Tunisie eu présent…»; op cit p 156.

[46] – Daniel Dayan  et Elihu  Katz / La télévision cérémonielle / opcit; p 17.

[47] – Ibid; P; 153 et 206.

[48] – ظل الإعلام الرسمي للعديد من الأنظمة الثالثية، يتفنن في اختيار ونحث ألقاب خاصة للقادة حسب طبيعة الخطاب السياسي السائد، ففي مصر كان “أنور السادات” يحبد لقب «الرئيس المؤمن» و «بطل العبور»، وفي تشيلي كان يطلق على الجنيرال “بينوشي” «الرئيس المنقذ» وفي الزائير كان “موبوتو” يعرف بـ «الرئيس الذي هبط من السماء»….

(فاريوس أتورز/عودة الاستعمار: من الغزو الثقافي إلى حرب الخليج/ (ترجمة رياض نجيب الرييس وآخرون) ط I لندن (1991) ص 47-78).

** د.خالد فريد / أستاذ باحث ( جامعة القاضي عياض-مراكش-)

اترك ردا