أزمة العلوم الإنسانية والتحديات الراهنة … د. قاسم عبد عوض المحبشي

د. قاسم عبد عوض المحبشي:

أستاذ الفلسفة المشارك كلية الآداب – جامعة عدن

واجهت العلوم الإنسانية والاجتماعية ومازالت، تحديات وأسئلة لم تشهد مثيلاً لها في تاريخها الطويل، وهذا ما يشف عنه القلق المتزايد الذي أخذ ينتاب علماء الإنسانيات والاجتماع في المجتمعات الغربية، بعد أن أحسوا بعجزهم إزاء ما يشهدونه من تحولات وظواهر جديدة لا عهد لهم بها، وليس بمقدور نماذجهم المعرفية التقليدية الإحاطة بها وفهم دلالاتها. كتب الفرنسي جوفاني بوسينو: “إذا كان من الواجب تمييز علم الاجتماع في الأربعين سنة الأخيرة بكلمة واحدة فإن )كلمة) انقلاب هي التي تفرض نفسها بالتأكيد، فمنذ أواخر سبعينيات القرن العشرين بدأت الوظيفية ومعتقدات وتأكيدات أخرى تتمزق، وبدت كل التحليلات والتنبؤات المتعلقة بالواقع التاريخي الاجتماعي التي غذت تفكيرنا ووجهت بحوثنا حينذاك حشوية وخادعة، وأدى عجزنا عن تفهم وتفسير انبثاق الجديد والمختلف والمغاير والآخر… وبات وجودنا ونشاطنا من الآن فصاعد باطلاً وغير مفيد .. وبدون جدوى؛ إذ تحطمت فكرة الجماعة التي كانت تمنحنا هويتنا المهنية، ودورنا ومقاييسنا العلمية وآمالنا ومشاريعنا … وأدركنا أن مجرى التحولات الجديدة والتغيرات السريعة قد جردتنا من كل أدواتنا وأطرنا المرجعية التقليدية. ويخلص بوسينو إلى التساؤل) :هل هو إفلاس العلوم الاجتماعية وموت علم الاجتماع وبطلان كل نماذج معرفتنا للشأن الاجتماعي؟) مجيباً: إني لا أعرف الإجابة وكل ما أعرفه أن العقل الغربي هزته أزمة عميقة، يصعب تحديد طبيعتها وعمقها ومداها ونتائجها”.
وفي السياق ذاته جاءت صرخة بول فيين؛ إذ كتب تحت عنوان فرعي،) توعك السوسيولوجيا) قائلاً ” ليس سراً على أحد أن السوسيولوجيا تعيش اليوم متوعكة، وأن أفضل رجالها بل ومعظمهم لا يأخذون على محمل الجد إلا العمل الامبريقي التجريبي… وبإيجاز فالسوسيولوجيا ليست ككلمة إلا جناساً (اتفاق الحروف واختلاف المعنى (وأن كتابة تاريخ السوسيولوجيا من كونت ودوركايم إلى فيبر وبارسونز ولازار سفلد، ليست بمثابة كتابة تاريخ فرع متخصص من العلوم ، بل تاريخ كلمة، فلا وجود بين أحد هؤلاء المؤلفين والآخر أي استمرار في الأسس والمنطلقات والموضوعات والمقاصد أو المناهج ، فليست السوسيولوجيا بالتعريف فرعاً علمياً متخصصاً، فرعاً متطوراً ، ولا وجود لاستمراريتها إلا بواسطة اسمها الذي يقيم صلة لفظية بحتة بين أنشطة عقلية لا صلة بينها” .
في الواقع لقد طالت الأزمة أنساق العلوم الإنسانية الغربية كلها، وانتشرت كالنار في الهشيم في مختلف الدوائر الفكرية والأكاديمية الأورأمريكية، فعلى صعيد الدراسات التاريخية كتب المؤرخ الإنجليزي جفري باراكلاف من جامعة أكسفورد تحت تأثير الإحساس العميق بالأزمة: “إننا مهاجمون بإحساس من عدم الثقة، بسبب شعورنا بأننا نقف على عتبة عصر جديد لا تزودنا فيه تجاربنا السابقة بدليل أمين لسلوك دروبه، وإن أحد نتائج هذا الموقف الجديد هو أن التاريخ ذاته يفقد – إن لم يكن قد فقد – سلطته التقليدية ولم يعد بمقدوره تزويدنا بخبرات سابقة في مواجهة المشكلات الجديدة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ آدم حتى اليوم”.
وقد بلغ هذا الموقف المتشكك بلا جدوى التاريخ والمعرفة التاريخية عند المؤرخ الأمريكي دافيد رونالد، من جامعة هارفارد، حد الاستفزاز والتحدي في كتابه ،تاريخنا بلا أهمية، أعلن فيه “أن التاريخ يظهر مقدار ضعفنا في مواجهة الحاضر وأننا لا نتعلم من أخطاء الماضي، وما أقل تأثيرنا في ما ينزل بنا من أحداث، وما أشد عجزنا في قبضة قوى أساسية هي التي تشكل الوجود الإنساني”.
ويمكننا تتبع هذا الإحساس القلق بحالة الأزمة عند عدد واسع من علماء الإنسانيات من مختلف الأنساق المعرفية، فهذا عالِم الاجتماع التربوي مالكهولم تويلز يقر بذلك حيث يقول: “إننا نعيش في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتغير فيه المعارف بسرعة مضطردة، بحيث غالبا ما تصبح فيه الكتب قديمة قبل خروجها من المطبعة، وبات من الضروري إعادة النظر في استراتيجيات التربية والتعليم وأهدافها بما يتواكب مع تلك المعطيات الجديدة”.
تكشف تلك النصوص طبيعة الأزمة وقوة أثرها الصادم عند علماء الإنسانيات الغربيين وكيفية تعاملهم وفهمهم لها؛ إذ رغم إقرارهم بوجودها فإنهم يختلفون في تأويلها، فهذا أولفين توفلر يقر بوجود الأزمة إلا أنه يرى فيها بشارة ميلاد جديد لحضارة جديدة، إذ كتب: “إن التغيرات السريعة التي نلاحظها في عالم اليوم ليست بهذه الدرجة من الفوضوية والعرضية، التي يهيؤننا لتصديقها، بل إن وراء الأحداث المعروضة بعناوين كبيرة، جملة من البنى ليست ملحوظة وحسب، بل هناك قوى يمكن تحديدها وهي التي تتحكم في تلك البنى وتهبها صورتها،… اليوم تواجه البشرية قفزة هائلة إلى الأمام، تواجه أعمق فورانا اجتماعيا، وأشمل عملية إعادة بناء في التاريخ، ونحن اليوم مندمجون في بناء حضارة جديدة متميزة بدءاً من البداية، وإن كنا غير واعين تماماً لهذه الحقيقة وهذا ما نعنيه بـحضارة الموجة الثالثة.
بغض النظر عن تأويلات الأزمة، يهمنا التأكيد أن ثمة اتفاقًا بين معظم الفلاسفة والعلماء على أن المجتمع الإنساني الراهن يعيش لحظة تحول سريعة ومضطربة تصيب الإنسان بالذهول وتتحدى قدراته على الفهم والحكم والتمييز “إذ سرعان ما تأتكل الكلمات في محاولة التعبير عن هذا العالم المنبثق حيث الحركة هي القانون والرجوع إلى الماضي لا يسعف كثيراً في فهم هذا الزمان، فهناك كثير من المستجدات التي توهن العزم على الاستعانة بالمماثلة وأن المشكلات التي تراكمت في أواخر القرن العشرين جعلت العالم يبدو للإنسان وكأنه تيه .
وسط هذه الأزمة العاصفة وقف علماء الإنسانيات أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التشاؤم والقنوط واليأس والعجز, وإما التفاؤل والتفكير والمبادرة باتخاذ موقف نقدي جذري من كل شيء؛ نقد الذات ونقد التصورات ونقد التاريخ والتراث والمجتمع والحياة ونقد نظرياتهم ومناهجهم وأدواتهم وتصحيحها في ضوء المتغيرات وما تحمله من معطيات وممكنات سوسيولوجية وإبستيمولوجية جديدة. وهذا ما تم فعلاً؛ إذ مثلّت سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لحظة تحول حرجة للعلوم الإنسانية والاجتماعية في مواجهة السؤال الجوهري: “كيف يمكن جعل مرحلتنا المفصلية بين مجتمع الأمس الآخذ بالزوال وبين المجتمع الآخذ في الانبثاق قابلة للتعقل والإدراك؟”.
وإذا ما حاولنا رصد ابرز ملامح أزمة العلوم الإنسانية ومخاضات تحولاتها في الإبستيمولوجيا المعاصرة فيمكنا اجمالها بالنقاط الآتية:
أولا: شهدت الإبستيمولوجيا الإنسانية أكبر ثورة نقدية في تاريخها؛ إذ لأول مرة في تاريخها ينبسط الإنسان ومشكلاته الاجتماعية موضوعاً كلياً ومحورياً للفلسفة والعلوم الإنسانية؛ إذ شكل الإنسان سؤالاً رئيساً لمعظم المدارس والاتجاهات الفلسفية المعاصرة (الفينومولوجية والوجودية والشخصانية والحيوية والماركسية الجديدة والتحليل النفسي والهرمنطيقيا، والأنثربولوجيا والتفكيكية، والسمولوجيا وفلسفة اللغة وفلسفة الجسد ..إلخ.
ثانيا: شهدت المعرفة الإنسانية والاجتماعية فيضاً غنياً من الرؤى والأفكار النقدية في سلسلة مضطردة من البحوث والدراسات النظرية النقدية ،فضلاً عن اتساعها الأفقي في ارتياد مجالات وحقول وموضوعات جديدة لم تألفها في ماضيها الكلاسكي من ذلك : الدراسات الثقافية والنقد الثقافي التي تنضوي على طيف واسع وشديد التنوع من المواضيع والمشكلات( دراسات المرأة والهيمنة وما بعد الكونيالية وسوسولوجيا الصحة والمرض، وسوسيولوجيا الإعلام والتواصل والاتصال وأخلاقيات العلم والتكنولوجيا، والانثربولوجيا الثقافية والتعددية والهوية، و قضايا حقوق الإنسان وغير ذلك .
ثالثا: الحضور المتزايد لخطاب العلوم الإنسانية والاجتماعية على الصعيد العالمي واتساع نطاق انتشارها وتمكينها وتوطينها أكاديميا وثقافيا وإعلاميا في مختلف المجتمعات والبلدان وتخصيبها بـ(الخطابات البديلة) التي أخذت تنتشر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، عبر فتح المزيد من المؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة الرسمية والمدنية. فضلاً عن قيام الهيئة العامة للأمم المتحدة (اليونسكو) بإصدار العديد من القرارات والتوصيات والتقارير التي شددت على ضرورة نشر العلوم الإنسانية والاجتماعية وتنميتها في جميع الدول الأعضاء لأهميتها الحيوية في التصدي للمشكلات النوعية المتزايدة. “لا يزال للعلوم الاجتماعية الغربية أكبر تأثير على المستوى العالمي. لكن نطاق هذا المجال يتسع بسرعة في آسيا وأمريكا اللاتينية، لاسيما في الصين والبرازيل. وفي إطار أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ينتج العلماء الاجتماعيون في جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا 75% من المنشورات الأكاديمية. ويحتل مجال العلوم الاجتماعية ككل مرتبة متدنية في سلم الأولويات في جنوب آسيا، باستثناء عدد من مراكز الامتياز في الهند”.
رابعاً: إعادة تعريف وتصنيف العلوم الإنسانية تعريفاً نقدياً جديداً في ضوء المداخل السوسيولوجية المعاصرة بما فتحته من آفاق منهجية واستبصارات نقدية بالغة الأهمية في دراسة وفهم العلم عامة والعلوم الإنسانية تحديداً، إذ شهد التاريخ الداخلي (الابستمولوجي) في العلوم الإنسانية والاجتماعية أعمق ثورة نقدية في تاريخها، وهذا ما أفضى إلى إعادة تنظيمها، بنيوياً ووظيفياً افقياً وعمودياً، إذ لم بات العلم الإنساني يتفرع إلى عدد لايحصى من الانساق التخصصية،ولم يعد من الممكن اليوم الحديث عن علم النفس بوصفه فرعاً علمياً واحداً، بل تفرع إلى مئات التخصصات النفسية الدقيقة، وهذا هو الحال في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة وعلم الثقافة وعلم الفلسفة…الخ. كتب ايان سبورك قائلاً:” من أجل فهم التعددية السوسيولوجية المعاصرة يتم التمييز بين أربعة نماذج لعلماء الاجتماع : المتذّهن أو المنظر, والأكاديمي الرسمي، وعالمِ الاجتماع الاستعراضي الإعلامي وأخيراً الخبير” مع التشديد المتزايد على ضرورة ردم الهوة بينها وبين العلوم الطبيعية.

رأي واحد حول “أزمة العلوم الإنسانية والتحديات الراهنة … د. قاسم عبد عوض المحبشي”

  1. لا شك أن التحديات الراهنة كبيرة وخطرة ، وستشكل مستقبلا عقبة أساس في إحداث تطور في المجال الإنساني، وستتفاقم الأزمة إن لم يعترف بها المنشيء العربي كما إعترف الغرب ، فإعتراف الغرب وحده يعد نجاحا أو أملا في إيجاد الحلول ……
    نرى وجوب أن يكون الوضوح ، والإعتراف بمخاطر القادم منهجا نسير على هديه ؛ لنعرف أين نحو من هذه التغيرات المتسارعة في الحقول الإنسانية المختلفة …..فهل منا من إعترف بعجزه عن ذلك كما فعل الآخر؟
    أحسنت الإختيار د. قاسم وأتمنى أن يضاف لهذه الحلول حلا خامسا يتلخص بمعرفة موقعنا من هذه الأحداث ، ومن ثم الإنطلاق نحو الحل.
    … مع الود والإحترام ….

اترك رد