د. بثينة الجلاصي: فعالية المرأة بين البحث العلمي والمسئولية الإدارية

بثينة قراوي: باحثة في الحضارة – جامعة القيروان

الدكتورة بثينة الجلاصي أستاذة الحضارة بجامعة الزيتونة وباحثة متخصّصة في الدّراسات القرآنيّة ومباحث علم أصول الفقه، ومديرة المعهد الأعلى للشريعة بتونس.

س : عُيّنت الأستاذة بثينة الجلاصي مديرة للمعهد الأعلى للشريعة بتونس يوم  18 جويلية 2016 وهي أوّل امرأة عربية تشغل هذا المنصب.كيف تلقيْت الخبر؟ وكيف تفاعلت الأوساط الإعلامية معه؟

د.بثينة الجلاصي: شكرا لك على إجراء هذا الحوار .. في الحقيقة أنا امرأة باحثة لا أجد المعنى إلا داخل أسوار كتبي وفي سعادة طلبتي وتفاعلهم بالدرس والإشراف ، وقد مثل لي هذا المنصب نقلة في مسار اهتماماتي لانه مسؤولية جسيمة لا تقلّ عن مسؤولية التدريس وهو أيضا ضرورة لأن الأكاديمي يجب أن يكون عضويا وفاعلا مثلما نصّ على ذلك غرامشي وأعتبر أن تنصيب امرأة على رأس مؤسسة دينية خطوة هامة  اتخذتها وزارة الشؤون الدينية لتوجه رسالة ذات مغزى هي رسالةتشريف للمرأة واعتراف بمشاركتها في جميع مجالات الحياة وهذا ما قامت به المرأة المسلمة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف ما يروّج له أعداء المرأة من هنا وهناك من تحديد مهامها وتقسيم أدوارها سواء داخل سياج البيت أو خارج سياج المجتمع.

وللأسف الشديد فإن الأوساط الإعلامية في تونس موالية لأجندات ايديولوجية وجهات سياسية ودينية وموظفة لخدمة فئات معينة وطبعا ثمة قلة من وسائل الإعلام النزيهة التي تحترم قواعد العمل الإعلامي وأخلاقياته ولذلك فإن أغلب وسائل الإعلام استاءت من تنصيب امرأة محجبة وزيتونية على رأس معهد الشريعة والغريب أن هذه الوسائل تتشدق بقيم التعايش وقبول الاختلاف والديموقراطية ولكن الواقع أبان أن كلّ هذه القيم هي حبر على ورق وأن الثورة لم تقع بعد مادامت العقول لم تتحول في طريقة التفكير السليم  وفي التعود على بعد النظر وحسن الظن فالمشكلة تتخلص في النهاية في غياب القيم.

س: برأيك لِم وقع الاختيار عليك لتشغلي هذا المنصب؟

د.بثينة الجلاصي: أكيد أنّ هذا الاختيار لم يكن من فراغ أو عشوائي سيما أنني لا أنتمي إلى أي حزب سياسي ولا أمارس أي نشاط من هذا القبيل كل ما أومن به هو العمل ثمّ العمل وأحمد الله أن لي رصيدا إنسانيا في نفوس الأصفياء وفي نفوس أغلب طلبتي ثم إني لا أتورّع  من قول الحقّ وأقبل الاختلاف وسماع كل الآراء بصدر رحب والحمد لله ما جعل أغلب زملائي يصفونني بالمرأة القيادية وأرجح أن اختياري لهذا المنصب كان أيضا بسبب اهتماماتي البحثية فكتبي الخمسة ومقالاتي تنطلق كلها من إشكالية أساسية هي كيف السبيل إلى تجديد الخطاب الديني؟ وهو ما أفرز قضايا المعنى في علاقته باللفظ وقضايا التأويل في علاقته بالنقل وقضايا البيان في علاقته بالبرهان وقضايا المجتهد وشروطه والنص ومستوياته، فقد قلبت  حدود العلاقة بين الشريعة والتشريع في مختلف العصور والأمصار، وهذا ما نحتاجه اليوم في مؤسساتنا الدينية. إن كل المسائل والقضايا التي نتخبط فيها مأتاها من الخطاب ومن أزمة الفهم.

س: ماهي وظائف المعهد الأعلى للشريعة؟ وماهي خططك المستقبليّة للنهوض به؟

د.بثينة الجلاصي: تتمثل الوظيفة الأساسية للمعهد في التكوين المستمر للإطارات الدينية من وعاظ وأئمة ومؤدبين  ويشمل هذا التكوين أيضا تنظيم ندوات وطنية ودولية وأيام دراسية وورشات عمل وإلقاء محاضرات كما يشمل عقد شراكات مع مؤسسات دينية في مختلف بلدان العالم  والاستفادة من تجاربها التكوينية.

لي مشاريع مستقبلية عديدة للنهوض بهذه المؤسسة وأرجو من الله أن يوفقني فيها  ومن بينها توسيع دائرة المنتفعين بالتكوين ومن بينهم أئمة الخمس ووعاظ السجون والمرشدين إلى جانب تركيز الاهتمام في التكوين على بعض العلوم العقلية الحديثة ومنها الإعلامية وعلم النفس والتنمية البشرية و فن التواصل وغيرها، كما أنوي تنظيم أيام دراسية كل شهرين وينعقد ذلك في ولايات مختلفة لتجنب المركزية وإيلاء الاهتمام إلى بقية الولايات … هذا بعض من مشاريعي والبعض الآخر سيجيب عنه واقع الممارسة إن شاء الله.

س: بدأت مهامك كمديرة للمعهد الأعلى للشريعة بدورة تكوينيّة للمؤدبين. بِم تمتاز هذه الدورة عن سابقاتها؟

د.بثينة الجلاصي: الحقيقة أنني حرصت منذ تولي المنصب وفي مدة وجيزة وضاغطة على أن  أنظم دورة تكوينية صيفية للمؤدبين  سيما أنهم سيستأنفون العمل في شهر سبتمبر  وركزنا فيه ثلاث مواد أساسية هي القراءات والأخلاق والعبادات ومادة التنشيط الثقافي البيئي وهذه المادة الأخيرة كانت وجه الإضافة ومبعث إعجاب المؤدبين لأنها تنمي ملكة الطفل.

س: أشرفت أيضا على يوم دراسيّ بعنوان :المرأة مواقف الأديان وعدل الإسلام. ما هي رهانات هذا اليوم الدراسي؟ وما نصيب الملتقيات العلمية من نشاطات المعهد؟

د.بثينة الجلاصي: نظمنا هذا اليوم الدراسي بمناسبة العيد الوطني للمرأة ، وكان الدافع الأساسي لهذا الملتقى هو إعادة النظر في أطروحة ترددت عند الأكادميين والمثقفين في مختلف الأوساط ومفادها أنّ قضية المرأة قد حسمت نهائيا  وأننا لسنا بحاجة في تقليب النظر في هذه المسألة سيما في تونس وما حققته المرأة من مكاسب بفضل مجلة الأحوال الشخصية ، وعلى هذا الأساس انتظمت إشكاليات هذا اليوم انطلاقا من أسئلة هي: إلى أيّ مدى نستطيع أن نجزم بأن قضايا المرأة قد حسمت وقيل فيها القول الفصل؟ ألم يفرز الواقع إشكاليات عمقت الهوة بين الممارسة وبين روح الشرع من جهة وبينهما وبين الخطاب المؤول للقرآن والسنة فكانت المرأة في كل هذا ضحية فهم مخصوص يعبّر عن أزمة في مراعاة قوانين التأويل كما ضبطها القدامى والمحدثون؟

طبعا من الأولويات التي ستراعى في المعهد هي تنظيم أيام دراسية كل شهرين في ولايات مختلفة من الجمهورية وذلك تفاديا للمركزية وإيمانا بتشريك الإطارات الدينية في كامل الجمهورية التونسية كما عزمنا على انجاز  ندوة وطنية في موفى شهر ديسمبر  وندوة دولية في شهر أفريل إلى جانب ورشات عمل في مختلف الاختصاصات.

س: أثارت آراؤك جدلا إعلاميّا . لو حدّثتنا عن هذه الآراء. وكيف رددت على التُهم الموجّهة إليك؟

د.بثينة الجلاصي: الجدل مطلوب شريطة أن يكون بنّاء وغير مؤسس على خلفيات ايديولوجية أو خادم لأجندات سياسية أو نابع من نفسيات مأزومة لا تشعر بانتعاشتها إلا في توهم تشويه الآراء وهدمها والتقول عليها ولكن للأسف الشديد ما زال إعلامنا في تونس يتخبط في هذه الترهات والمزالق مما يشكك في مصداقيته ويجعل المعلومة مجرد إثارة رأي عام وهذه الإثارة مؤقتة لأن الناس ليسوا من الغباء حتى يستسلموا لأكاذيب الإعلام وتضليلاته. ما حصل هو أن المواقع الالكترونية لم تطلع على مقالي الصحفي في جريدة الصباح وكل ما فعلته هو اقتناص مصطلحات وتوظيفها وتركيبها وصناعة خطابات وهمية ما كلف الله بها من سلطان إلى درجة أنهم توهموا زيارتي للسجون وتوهموا زيارة السيد الغنوشي للمعهد وأشياء كثيرة لم تزدني إلا إيمانا بمشروعي في المعهد، ولم تقدح في إلا حماسا للعمل وفي الحقيقة فبقدر ما تعاليت عن هذه السفاسف فقد أشفقت على المدونين في هذه المواقع لأنني أدركت أنهم  يعانون من اضطرابات نفسية جعلتهم يبحثون عن أسباب واهية للتنفيس والترويح عن النفس وإن أدى الأمر إلى اختلاق خطابات ومهاجمة أناس دون اعتبار القيم الأخلاقية ولا المصداقية الإعلامية وعلى كل حال إذا عرف السبب فقد بطل العجب. وكان لي حق الرد بكل أريحية ويكفيني ثقتي في الله وفي نفسي وفي كل الصادقين حولي .

س: في الختام نشكر لك حسن استقبالك. فهل من كلمة أخيرة؟

د.بثينة الجلاصي: أشكرك بدوري على هذه المحاورة وهي تبحث عن الحقيقة من مظانها وليس من وسائط ولعل السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم العربي والإسلامي هو: حتام نبحث عن حلول النهضة والتنمية وكل القيم الأخرى والحال أنّ تحقيق هذه المطالب موكول إلى مصالحة الذوات في علاقتها بهويتها وتراثها وبمنجزات حاضرها لاستشراف مستقبلها؟

رأيان حول “د. بثينة الجلاصي: فعالية المرأة بين البحث العلمي والمسئولية الإدارية”

  1. العفو العفو شكرا لكما على حسن الظن بي وعلى منح هذه الثقة الكبيرة لشخصي أرجو أن يتسع العمر لأحقق البعض مما أصبو إليه علميا واجتماعيا ويبقى شرف الإنسان في النهاية أن يحاول التجديف في الموج المتلاطم

  2. ينتزر من الأستاذة بثينة الجلاصي الكثير في المجال العلمي والإداري. لا ريب ان هذا سيكون على حياب كثير من الأشياء الأخرى العائلية والشحصية ولكن هذا قدر العظماء

اترك رد