الجهود الاصلاحية والتجديد الفكري في أدب محمد إقبال ومقاومة الفلسفات الإلحادية .. د. محمد عريف

د. محمد عبدالرحمن عريف: باحث وعضو بسمنار شعبة التاريخ الحديث والمعاصر–كلية الآداب-جامعة عين شمس

موجز عن دراسة يتم عرضها في مؤتمر: (شاعر الإسلام محمد إقبال) في رحاب إيوان إقبال بمدينة لاهور، في الباكستان. بالتعاون بين المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في باكستان، والجامعة الأشرفية, وحكومة البنجاب المحلية.

أعرض لفكرة التجديد والإصلاح التي أرادها محمد إقبال ودافع عنها وعبّر عنها بـتجديد التفكير الديني في الإسلام، لمقاومة الفلسفات الإلحادية والتي تمثل تفكيرًا ومنهجًا يقوم على النقد وإعادة البناء وينتهي إلى دور الإسلام في توجيه حياة الإنسان، ولمواجهة الفكر الغربي المادي الإلحادي ولإزالة الضعف العام عن المسلم المعاصر، وتنشد هذه الفكرة تأويل الوجود على أساس روحيه، وتحرير روح الفرد، ووضع مبادئ إنسانية توجه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحيته. أي تغيير في مفهوم الإنسان لعالم الطبيعة وتحديد مبادئ عالمية لضمان التغيّر والتجدّد في المجتمع الإنساني، كل هذا يجري في الكون، ومن خلال سيطرة الإنسان على العلاقات بين وحداته: الإنسان، الوجود، والله. وإدراكه لظاهرتين أساسيتين هما ظاهرة تغيّر العالم وظاهرة حركة الإنسان، هذه الحركة التي جعلت الحياة متجددة باستمرار، هذا التجدد يبدأ في داخل نفس الإنسان في تفكيره ووجدانه ومشاعره ثم يتحول إلى خارج النفس، فيكون عبارة عن تسخير في عالم الطبيعة بواسطة العلوم الطبيعية والصناعات، ويكون اجتهادًا في الواقع الاجتماعي وفي الأحكام، هذه الحركة وهذا التجدد في داخل النفس أو في الطبيعة أو في المجتمع هي من أصل واحد تعود إلى الحركة الإلهية، وتسعى إلى بلوغ الروحانية الإلهية التي هي مصدرها ومقصدها.
الإسلام في نظر إقبال يمثل بحق وسيلة قوية تربط بين المسلمين أفراد وجماعات، ويمثل المنبع الأول والمصدر الأصل لاستعادة المسلمين لقوتهم من جديد، والوصول إلى القوة التي صاروا بها أسيادًا وأصحاب حضارة ومنعة، ولم يخضعوا حينها لغير الله وحده، لذا على المسلمين أن يعتمدوا عليه في إيقاظ المسلم والثورة ضد الاستعمار، وفي تجمع قوى الشعوب الإسلامية على العمل من أجل تطهير كافة البلاد الإسلامية منه وأن يقرّبوا في كيفية عرضهم للإسلام وأن يقرّبوا بين تعاليمه وبين غايات الحياة القائمة، وأن يكشفوا القيّم الذاتية للإسلام كمصدر قوة في الحياة، فهو رسالة الإنسان في الحياة في العالم الواقعي.
لما كانت المحاولة الإصلاحية عند إقبال ضرورة لابد منها جاءت في الوقت المناسب، فإنها تمثل دراسة تقييمية للفكر الإسلامي القديم والحديث، ولظروف المسلم المعاصر وللحضارة الغربية الحديثة، لا لمبادئ الإسلام وتعاليمه وجوهره وروحه، فالإصلاح هنا يخص الفكر لا الدين ذاته ولم تكن هذه المحاولة تخلو من إعادة البناء بعد عمليات الهدم، فكتاب “تجديد التفكير الديني في الإسلام” ينطوي على إستراتيجية النقد وإعادة البناء التي اختارها إقبال للانتقال بحياة المسلم من جوِّ الركود والانحطاط والضعف، إلى جوّ الحركة والتقدم والازدهار، وكانت هذه الإستراتيجية -وصاحبها جندي في معركة النهضة- صدرت من شخص تسلّح بالإيمان والقرآن، وحمل لواء الإصلاح والتجديد بعد أن اطّلع على تاريخ الفكر الإسلامي، وألّم بالفكر الغربي وتعرّف على الحضارة الغربية ومنتجاتها، ودخل المعترك الحضاري والصراع الثقافي والفكري بين فكر ارتبط بالإيمان والإسلام والرياضة الدينية، وبين فكر غربي ارتبط بالواقع وحضارة غربية ذات أصول مادية مظاهرها ومنتجاتها برّاقة ومغرية. أي بين عالم أوربي متقدم علميًا وتكنولوجيًا يفرض أفكاره وقيّمه على الجميع وعالم متخلف -والعالم الإسلامي جزء منه- يريد أن يتحرر ويشارك في السيطرة على الكون.
مما سبق أن فلسفة إقبال في الإصلاح والتجديد، ومقاومة الفلسفات الالحادية، يغلب عليها الطابع الروحي الفلسفي الميتافيزيقي الصوفي. ولقد جاءت فكرة الإصلاح عنده نتيجة واقع المسلمين المتردي، وتُشكّل محاولة فكرية لتغيير النفس والفكر والواقع في العالم الإسلامي، تميزت بالقوة لارتباطها بالإسلام وبالعلوم المزدهرة وبالفكر الإسلامي، وتشكل رؤية فلسفية إلى الإنسان والحياة والتاريخ والحضارة، وتمثل مشروع خطة وإستراتيجية ذات طابع فكري نظري، للنهضة وللتجديد ولبناء الحضارة، وللدخول إلى التاريخ، وإلى حلبة المعترك الحضاري، واحتلال أمة الإسلام مكانتها اللائقة بها في إطار الحوار والتفاعل الحضاريين .وإذا كان الفكر الإصلاحي عند إقبال تميز بالقوة والمتانة نظرا لصلته المباشرة بواقع وحياة المسلمين في العالم الإسلامي المعاصر، ولتعبيره عن مشاكلهم وهمومهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم، وبلوغه مستوى رفيع من الحقيقة في مناهجه وأساليبه لأنه أخذ بالدين والعلم وبالتاريخ، واستطاع أن يكفل التوازن بين طرفي الكمال، الروح والمادة، الدين والدولة، الدنيا والآخرة. ويمكن اعتبار فكره الوجه الاجتماعي العلمي والعملي الواقعي الخارجي.

اترك رد