سيميائيات الفيلم (يوري لوتمان) … طارق العاملي

سيميائيات الفيلم (يوري  لوتمان (1) – (2)

طارق العاملي: باحث في النقد السينمائي (المغرب)

    إن الثقافة الإنسانية تخاطبنا بواسطة مجموعة من اللغات المختلفة، التي تنقل لنا معلومات معينة، صوتية أو مرئية أو ألسنية طبيعية. والسينما هي إحدى هذه اللغات، بل من أهمها وأكثرها فعالية: إنها ذات تأثير معقد.

    يهدف الباحث من خلال محاولة التمثيل لمجموعة من عناصر التركيب السينمائي إلى تخطيط مجموعة من المفاهيم النظرية، محاولا النظر إلى الموضوع من وجهة نظر سيميائيات الثقافة (3)  تمكن من ” تقديم” السينما  بوصفها لغة خاصة ذات قواعد فنية قابلة للتوصيف. من أهم المفاهيم التي تؤطر المنحى العام للكتاب نمثل بــ : التركيب، التعقيد ، الدلالة، المعلومات، الذهن، الثقافة،النص الفني ، الموضوع الفني . ويمكن النظر إلى هذه المفاهيم كونها مقولات نظرية تنظم السينما بوصفها نصا text  بصريا خاضعا لمستويات تكوينية فنية يشكل الإنجاز التكاملي لمختلف عناصرها سيرورة الإبداع الفني، والذي يمكن من تصنيف الفيلم  السينمائي ضمن جدول النصوص ذات الموضوع.

    المقصد الجلي لهاته المقالة تزويد المتلقي بآليات تعينه في إدراك الأبعاد الفنية ـــ الثقافية للسينما و بالتالي التمكن من  تأويل هذه الأبعاد المعقدة من خلال امتلاك الآليات التحليلية التي تمكن من القيام بفك تشفيرات السنن السينمائي الفني. الهدف: تشييد عبارات تؤسس الذهن الفني للذات. لنحاول، مع لوتمان، تبين بعض ملامح اللغة السينمائية المسؤولة عن إنتاج الفيلم، وذلك بهدف استكشاف جو البنيات القواعدية ــــ الفنية التي تقف وراء تشييد الأبعاد السيميوثقافية للسينما.

السينما: التعقيد البصري، الوهم بالواقع: الإمتلاك السيميوثقافي للعالم.

    تشكل عناصر السينما علامات سيميائية حاملة لمعلومات، يخلق تنوعها وتكثيفها الشديد من الفيلم السينمائي بنية ذات تنظيم معقد تجعل من هذه المعلومات، تبعا لفيينر  wiener ، بنى ذهنية وانفعالية مسؤولة عن تأثيرات بالغة التعقيد يخضع لها المشاهد، ” تتدرج بدءا من الإنطباع البسيط الذي تتركه في خلايا ذاكرته وصولا إلى صقل شخصيته وتثقيفها” (ص:59)، وهذا ما يمكن أن نسميه الإمتلاك السيميوثقافي السينمائي للواقع، وما يلي يفتل في حبل تعضيد هذه الفرضية. هامش: العلوم المعرفية.

هذه المعلومات المتلقاة عن الفيلم السينمائي ترتبط بالعالم الواقعي، ولفهم هذا الواقع يتحتم على المشاهد أن يتوصل إلى تمييز الأشياء التي تنتمي إلى هذا الواقع و محاولة الإهتداء إلى كيفية تمثيلها والدلالة عليها من خلال التآلفات الفيلمية. إن المعلومات السينمائية، المرئية  ــــ الصوتية ، وفق هذا الإعتبار الواقعي للوسيط الفيلمي، تتجاوز النظر إليها بوصفها مجرد معلومات: إنها ” علامات لهذا العصر” (ص: 60) . هامش : العلامات حقيقة.

يتوجه الفن ، وخاصة السينما، إلى حس الواقع عند المتفرج، والذي يصبح شاهدا ومشاركا في الحدث المعروض على الشاشة مباشرة، وذلك بصورة انفعالية تحيل إلى تمثل المشاهد للفيلم على أساس أنه حدث واقعي(خلق الوهم بالواقع) رغم إدراكه المسبق بلاواقعية الحدث الفيلمي. وهذا لا يعني القول بتبني الإجراء  الآلي في عملية الموازاة بين الواقع والإعتماد الفني السينمائي لبنيات هذا الواقع، والتي ينتج عنها تولد الشعور بالتشابه مع الحياة، فــــ”مجمل تاريخ السينما كفن هو في الحقيقة سلسلة متصلة من الإكتشافات، اكتشافات تسعى إلى حذف الآلية من كافة الجوانب التي تنتمي إلى حقل الأهداف الفنية ” (ص: 26) .

    ما يريد الباحث أن يخلص إليه هو مسألة التأويل البصري للعالم الذي  يقوم به المتفرج، ويمكننا أن نعتبر أن  هذا التأويل يتم من خلال إقامة مجموعة من إجراءات المقارنة الذهنية  بين الواقع وبين ما يشاهده على شاشة السينما. وهذا كله إنما يتحدد بواسطة نوع التجربة الفنية والثقافية للمجموعة البشرية التي ينتمي إليها  الفرد ، والتي  تؤطر  بذلك  عملية التلقي الاجتماعي للفن بصفة عامة.

    هذه العلاقة الترابطية بين السينما والواقع  تمكننا من اعتبار ” الفيلم جزءا لا يتجزأ من الصراع الإيديولوجي القائم  في عصره، ينتمي لهذا الصراع مثلما ينتمي إلى ثقافة ذلك العصر وفنه. وهو من هنا يرتبط بجوانب حياتية عدة، جوانب قائمة خارج حدود النص الفيلمي بحد ذاته، وهذا  بدوره يولد سلسلة متكاملة من الدلالات تعتبر أحيانا، بالنسبة للمؤرخ  وللانسان على حد سواء، أكثر أهمية من المسائل الجمالية الصرفة. لكن لكي يندرج بين هذه العلامات اللانصية ( أو الخارجة عن النص) ويؤدي وظيفته الاجتماعية ينبغي على الفيلم أن يكون تعبيرا صريحا للفن السينمائي، أي أن يخاطب المشاهد بلغة السينما وينقل إليه معلومة ما بوسائل تخص السينما وتمييزها ” (ص: 61 ) .

اللغة، الإصطلاحية ـــ الأيقونية .

    ينظر لوتمان إلى اللغة بكونها نظام سيميائي متسق، يستخدم للإتصال (وظيفته نقل المعلومات). ومن تعريف اللغة كنظام اتصال تنبع خاصية وظيفتها الاجتماعية: اللغة تؤمن تبادل وحفظ وتراكم المعلومات للمجموعة البشرية التي تستخدمها. لكنها أيضا تتميز بمجموعة من العلامات او الإشارات signes ، وهذا ما يجعل منها نظاما سيميائيا (ص: 6) . أي أننا  نصبح  هنا إزاء وظيفة اتصالية  تمتلك نظاما خاصا من العلامات يؤطر عملية تبادل المعلومات داخل المجموعة البشرية . هذه العلامات  تكون مفهوما  معادلا ، أو مكافئا ماديا ، للأشياء والظواهر  التي  تعبر عنها : القدرة  الأساسية  للعلامة تكمن في  قيامها بالوظيفة الإستبدالية لعناصر الواقع . من جهة أخرى ، يؤدي المعطى الإجتماعي دورا أساسيا في تحديد  نظام قيمة المعنى لبعض  الأصناف من العلامات؛ حيث  يمكن تجاوز سماتها المادية المباشرة.  هذا مدخل تمهيدي صاغه الباحث لكي يتحدث عن اللغة السينمائية.

    العلامات صنفان : إصطلاحية ( إتفاقية، ومثالها النموذجي الكلمة)؛ وهي ما كان الرابط فيها بين التعبير والمضمون غير معلل ضمنيا، وصورية ( أيقونية iconique )، ومثالها الأسمى الرسم والصورة الفوتوغرافية )، وتفترض  تعبيرا وحيدا ( طبيعيا) ممكنا  لدلالة معينة. علامتان ثقافيتان ينتظمان تاريخ الإنسان والذي أصبح يفترض وجودهما بصفتهما نظامين سيميائيين ضروريين.

    تتسم العلامة الصورية ( الأيقونية) بكونها أكثر وضوحا وأكثر قابلية للإدراك مقارنة مع العلامات الإصطلاحية  التي تكون عادة مشفرة codées  ؛ والتي تتطلب معرفة نظام شفرتها code  للتوصل إلى فهمها.  ويتدرج الباحث في  المقارنة ليتوصل إلى الخاصية الاصطلاحية التي  تتضمنها العلامات الأيقونية ، بحيث لا تتم قرائتها إلا داخل مناخ ثقافي موحد، وأنها تتحول إلى علامات غير قابلة للإدراك إذا تم تجاوز حدودها الزمانية والمكانية.

إضافة الى التعايش المتوازي بينهما ، تدخل العلامتان في علاقة تفاعل مستمر ومتبادل، متداخل ومتنافر. في داخل هذه العلاقة التبادلية ؛ أي التحول من نظام  إلى آخر ، تتدخل  محاولات السيطرة الثقافية للإنسان على العالم بواسطة العلامات، أ ي بواسطة الأنظمة السيميائية، وهو ما  يتبدى في حقل الفن بشكل خاص هامش : السيطرة السيميائية . بذلك نصل إلى السينما :  تأسس قاعدتها الفنية  بناءا على  هذا التعارض الجدلي بين النموذجين الأساسيين من العلامات اللذين يميزان عملية الإتصال في المجتمع الإنساني ( ص:18 ).

    إن الحديث عن العلامات السينمائية  يقتضي تناول مستوى التركيب النحوي  للسينما، أي للعلامات  الفيلمية، والذي هو نظام تركيبي، توليفي ، ينظر إليه في سياق التشكيل  الإستبدالي ـــ الترابطي  للنص الفيلمي  والذي ينظم عملية تآلف العلامات المنعزلة في جمل فيلمية منظمة. لنر ذلك في الفقرة التالية.

أسلوب السرد السينمائي: تشييد الموضوع الفني.

    لكي يفهم القارئ  مسألة  الوهم بالواقع وما يتعلق بها من قضايا مرتبطة  بالتعقيد الفني السينمائي، يتحول الباحث إلى تفكيك هذه العلاقة بين الواقع والسينما. ” إن عالم السينما هو عالمنا المرئي ذاته لكن مضافا إليه عنصر التجزئة ( اللاإستمرارية). عالم مقطع إلى أجزاء متفرقة، يكتسب فيها كل منها بعض الإستقلالية ( مما يتيح عددا كبيرا من التآلفات والتركيبات لا نجدها في عالم الواقع): هكذا يصبح العالم الذي نطلق عليه إسم العالم الفني المرئي ” (ص:38 ) . تقود هذه التجزئة الفنية إلى عالمين:  عالم الحياة المرئي، وهو غير مجزأ ومستمر، وعالم الشاشة المرئي، وهو مجزأ ولامستمر؛ وهو العالم الفني المرئي الذي يبتدأ فهمه انطلاقا من  تناول مسألة اللقطة السينمائية، حيث يغدو هذا العالم الواقعي ـــ السينمائي  مجموعة من اللقطات المقتطعة من الواقع في تنظيم فني يراعي خصوصية  تحول الموضوع ، المقتطع، من بنية (الواقع) إلى بنية (الفيلم ) .

    يدرج الكاتب بعض السمات النصية ـــ الخطابية للقطة، نوردها كالآتي :

  • إمكانية فصل اللقطة عن سياقها وتركيبها مع لقطات أخرى وفق قوانين الربط والتجاور الدلالية.
  • إمكانية استعمالها في سياق إستعاري، مجازي، أو كنائي.
  • اللاإستمرارية والتقطيع والوزن مفاهيم إجرائية يمكنها استيعاب الزمان والمكان السينمائيين.
  • إمكانية اندراج الزمان والمكان في علاقات استبدالية من خلال قبول المكان للصوغ الزماني ( سلسلة زمانية) بتجزئته إلى مجموعة لقطات يرتب تتابعها، وبالتالي يمكن الحديث هنا عن أهم أبعاد اللقطة : الميسم الزمني.
  • تفرد السينما ( الفن المرئي) بالقدرة على تكوين شخصية إنسانية على شكل جملة منظمة  زمانيا.
  • من العناصر الأساسية التي تسند لمفهوم اللقطة : ” تحديد المكان الفني “.
  • يقتضي ترتيب اللقطات في السينما تثبيت القراءة بشكل قسري ووحيد المعنى، وبذلك تنشأ قواعد التركيب النحوي، كما أن هذا الترتيب لا يخضع لقوانين الآلية السيكوفيزيولوجية بل لأصول وأهداف الفكرة الفنية ولقوانين لغة الجنس الفني المعين.
  • كتب ايزنشتاين: وتبدو اللقطة بمثابة خلية للمونتاج (ص: 39) . وأورد ما مفاده أن اللقطات سلسلة انفجارات ودينامية داخلية (ص: 39).
  • يؤدي تقطيع اللقطات إلى: شبكة كاملة من التأويلات الموازية للمرئي، إدراك أننا بصدد قصة فنية، تقطيع تدفق الانطباعات المرئية إلى عناصر دالة .
  • استقلالية اللقطة كعنصر حامل لدلالة خاصة يفهم في اطار البنية الفنية الشاملة للفيلم، وهو ما يخلق الإحساس الفني المركب بالكل السينمائي.
  • ” وهكذا تبني اللغة السينمائية مفهوم اللقطة وتحاربه في نفس الوقت خالقة بذلك فيضا من الإمكانات الجديدة للتعبير الفني “( ص: 46).

    و يفترض الحديث عن مفهوم اللقطة السينمائية تناول مفهوم آخر  ذا أهمية خاصة في  بناء الفيلم وتركيب دلالاته وترتيبه، وهو ناتج بالضرورة عن توليف اللقطات : المونتاج. ويعرف تقليديا بكونه تجميعا لمجموعة محددة من اللقطات الفيلمية. والحديث  عن لغة مونتاجية حاملة للدلالات وللمعلومات يقتضي  توصيف المونتاج بكونه قانونا لتجاور عناصر غير متجانسة، وانسجاما مع هذا الاعتبار يقرر لوتمان انتماء  المونتاج إلى النمط السينمائي الاصطلاحي، مقابل النمط الذي يعتمد على الواقع، لكن ـــ يشير  لوتمان ـــــ  تأثير العمل السينمائي على المشاهد لا يشترط  استبعاد أحد هذين المكونين المتضادين، بل يشترط تضادهما الدياليكتيكي.

    وكي لا يقيد لوتمان مسالة النصية الفنية بشرط التوليف بين العناصر غير المتجانسة، فقد تحدث عن ” نسبية ” مفهوم المونتاج، فالبساطة والحرفية أيضا خيار فني حامل لمعلومات .

    وقد  تطرق الباحث أيضا إلى مسألة التركيب السردي للفيلم، هذه بعض الرؤى الأساسية التي أدرجها بخصوص هذه المستوى :

  • السينما تركيب لعدة عناصر سردية مختلفة؛ صورة ، كلمة، …، لكن تظل الصورة عنصرا  مركزيا.
  • مرحلة المونتاج في البحث عن لغة سينمائية متميزة، ويبرز معها توظيف الصورة المجازية في تشكيل دلالات الفيلم، وهو ما يجعل العلاقة بين مبدأ المونتاج وطرائق السرد الكلمية محور تحليل . و باعتبار المونتاج، يمكن التمييز بين نوعين من السينما :

                         أ ـــ  سينما المونتاج، تأويلية، بنائية. وهي تعبير عن وجهة نظر المخرج.

                         ب ــــ سينما الواقع، تسجيلية، تثبيتية. وتعتمد بشكل أساسي على الممثل في خلق

                                الفيلم .

    هكذا تقودنا مفاهيم اللقطة، المونتاج، التركيب، إلى تناول مستوى ناتج عنها: دلالة الفيلم.  و يخصص  لوتمان  نوعين من  الدلالات التي يمكن للفيلم السينمائي تداولها: 1 ـ دلالات  مألوفة او متوقعة لدى المشاهد،  تفقد بسبب ذلك خاصيتها الأثيرة وهي حمل المعلومات، وتؤديها  عناصر غير بارزة ؛  توصف بكونها عادية ليس من وظيفتها خرق توقع المتلقي. 2 ــ  دلالات غير مألوفة، غير مرتقبة، تخرق مفهوم التوقع، وتؤديها عناصر بارزة ، ينسب إليها  لوتمان حمل الخصائص والسمات الفيلمية الفنية. إلى جانب ذلك يدرج لوتمان إمكانية، بل ضرورة، الاعتبار التكاملي للفيلم بين كلا العنصرين؛ البارز  وغير البارز، بالقول أن وجود العناصر البارة يجعل من العناصر الغير بارزة عناصر فاعلة فنيا، وأن العكس صحيح. وأنه تبعا لميل المخرج؛ بين سينما ” اصطلاحية” و سينما ” واقعية”، يتحدد الاهتمام الخاص الذي يوليه لأحد هذين العنصرين، لكن ـــ يؤكد ـــ حذف أحد  هذين النوعين يقود بالضرورة إلى خنق الفاعلية الجمالية للآخر(ص: 52 / 51 ).

    هكذا مهد لوتمان بالحديث عن  القضايا النظرية الأساسية التي تتعلق باللغة السينمائية ، وذلك للوصول إلى مسالة الموضوع الفني في السينما، باعتبارها المفهوم الأساسي في الكتاب. ويمكننا ، قراءة للوتمان، صياغة التوصيفات التالية بهذا الخصوص :

  • النص الفني تركيب سردي  يؤلف بين عناصر غير متجانسة متعاقبة لتشييد سردية فنية تحمل دلالات ومعلومات .
  • البطل الفني بنية دينامية تواجه نظاما من الممنوعات المتجلية في القصة الفيلمية، بصفتها عوائق تقف في إنجاز البرنامج السردي للبطل ـــــ أي امتلاكه للموضوع؛ حيث يعمد إلى إختراق حدود وقواعد هذا النظام .
  • الفن لا يفرض القوانين إلا بهدف جعل خرقها ذا دلالة .
  • تجاوز الجملة السينمائية هو الذي يشكل السرد، أما تنظيمها الوظيفي فهو ما يشكل الموضوع؛ فيصبح مستوى الموضوع أكثر أدبية من مستويات المونتاج.
  • أساس الموضوع هو الحدث ( الواقعة).
  • ازدياد الإمكانات المتاحة أمام خيار الفنان يتيح زيادة كبيرة في إعلامية النص كما أن حجم المعلومات وقيمتها لا يتطابقان آليا.

تمثيلات: الصراع مع الزمن، الصراع مع المكان، الممثل :

    يشير لوتمان إلى أن   تشكل العلاقة القائمة بين الخاصية المكانية  ــــ الزمانية للموضوع ( أي العالم الواقعي) والطبيعة المكانية ــ الزمانية للنموذج ( أي السينما) يعتبر عاملا أساسيا في تشييد جوهر النموذج السينمائي وقيمته المعرفية ، وللنجاح في إقامة هذه العلاقة الفنية الجوهرة ينحو المبدع السينمائي إلى تجنب عكس المعاملات المكانية ـــ الزمانية للواقع بصورة آلية في السينما .

    نترافق، أيضا، مع لوتمان، لتفهم مسألة أن الفنون البصرية المرتبطة بالعلامات الأيقونة تتصرف وفق خيار زمني وحيد هو الحاضر، مقررا بذلك لفرضية فقر الزمن في الفنون المرئية مقارنة مع الفنون الكلمية. وهكذا يسعى الزمن إلى تجاوز هذا المعطى الذي يفرض ذاته، وذلك بمحاولة تمثل  الأبعاد الزمنية الثلاث عبر الاستعانة بوجهات نظر أسلوبية، أو إجراءات تقنية جديدة تمكن من تحقيق هذا المسعى .

    من جهة أخرى ، وبتواز مع  حديثه عن الزمن السينمائي، يتناول لوتمان أيضا مسألة المكان السينمائي؛ فإذا كان الزمن الفيلمي محددا بواسطة الحاضر، فإن المكان في السينما يكون مشروطا بتقييدات حدود إطار اللقطة وأبعادها. لذا يتوجب، تبعا للوتمان،  النضال العميق ضد  حدود المكان الفني بواسطة النجاح في خلق  توهم إمكانية اختراق حدود الشاشة وتجاوزها  من خلال الآليات والإجراءات الفنية التي تسعف في ذلك: اللقطة الكبيرة،  عمق الحقل،…، كما  يدرج اقتراح موكاروفسكي لإمكانية تعويض الصوت لسطحية الشاشة . هكذا، وخلقا  للمكان الفني، يتوجب الصراع مع  هذا المكان: تفجير حدوده.

    تبعا لذلك فإن السينما تفرض على الفنان نظامها الخاص، نظاما شديد التعقيد من معادلات  الزمان والمكان، والتي  ينبغي الصراع معها  والانتصار عليها بوسائل السينما ذاتها.

    إن الحديث عن لغة سينمائية لا  تتم شموليته دون إيراد القول عن الممثل،  ويمكن صياغة  ما حدد به لوتمان عنصر ” الممثل “بواسطة التكثيف الآتي:

  • الممثل، هو إنسان ـــ بنية مركبة، تتحول خصائصها البنيوية، الذي يعد الواقع أحد أهم سماتها المرجعية، إلى” سيميائية” فنية مميزة للبنية الجديدة : الممثل .
  • يمكن تأطير بنية الممثل وفق ثلاث وجهات نظر تحدد الشكل الذي ينتظم صورة الممثل داخل العمل الفني :

              أ ــــ القواعد المنهجية، أو الرؤيا  للكون، التي توجه استراتيجية المخرج : اللقطات الكبيرة،

                    التأثير المونتاجي …

             ب ــــ السلوك الحياتي اليومي الذي يطبع فعل الممثل ـــ الإنسان.

            ج ــــ أداء الممثل: الحركات الإيمائية…

  • قدرة السينما على تقطيع الصورة البشرية إلى قطع و ترتيبها في سلسلة متتالية زمنية، ينتج عنها تحول الصورة الإنسانية ـــ الممثل إلى نص سردي، أدبي .
  • يبني الممثل شخصية مؤطرة لأدائه السينمائي، تنظم وجهة نظره الأسلوبية في التمثيل الفني.

السينما = تركيب فني .

    بعد هذا المسار التحليلي الذي خاض بحر عوالم اللغة السينمائية، ينتهي  الباحث إلى  تقرير مجموعة من الخلاصات  النظرية ـــ الفيلمية ، والتي يتشاكل جلها  لتقديم السينما كقدرة  تركيبية هائلة  تستوعب  نماذج سيميائية متعددة ، معقدة التكوين والوظيفة، تم تنظيمها في نظام وحيد،في إطار بوليفوني مركب  لأنظمة لغوية  تحتوي ترميزات متعددة، تجعل من الفيلم الفني مصدر إنتاج للدلالات والمعلومات، و التي يفترض  استخلاصها من طرف المتلقي رغم  التعقيد الشديد، المنظم، و المؤسلب، الذي يميز مستويات الفيلم المتعددة، “فالإحساس بنص ما وكأنه غير قابل للفهم هي المرحلة الإلزامية نحو فهم جديد له” (ص:136 ).

الإستئناف اللوتماني للخطاب النقدي السينمائي .

    السينما تخاطبنا . إنها تخاطبنا بأصوات بالغة التعقيد ، تبرز معها الحاجة إلى تشييد نظرية عامة للبنى السردية تمكننا من فهم لغة الفيلم السينمائي. إن فهم  هذه اللغة ” السحرية، الميثولوجية” هو خطوة أولى نحو فهم  الوظيفة الفنية والإيديولوجية للسينما، فن القرن العشرين الأكثر جماهيرية.

نص الهوامش ـــــــــــــــ

1 ــــ لوتمان ( يوري)، قضايا علم الجمال السينمائي ـــــ مدخل الي سيميائية الفيلم. ترجمة: نبيل الدبس. ط1، مطبعة عكرمة، دمشق، 1989. (صدر الكتاب في نسخته الأصلية سنة 1973).

2 ــــ يوري لوتمانJuri Lotman  : البحاثة الإستوني، من أبرز المؤسسين لمدرسة تارتو ــــ موسكو السيميائية وأحد الأعلام البارزين لسيميائيات الثقافة. تنقلت حياته العلمية من التحليلات البنيوية الى النصوص الفنية، ومن التصنيفات الثقافية الى الديناميات الانفجارية للتبدل الثقافي. رافق ذلك وفرة في التحليلات المتعلقة بالأدب، الفيلم، ثقافة وتاريخ روسيا ( ق19م)…وقد تمحورت مجمل دراساته حول تعدد الظاهرة الثقافية، تعقيداتها، تعالقاتها، تعارضاتها الاقتضائية… ، بخلاصة: ديناميات التعدد الثقافي.

 من اهم كتبه على سبيل التمثيل لا الحصر:

      ـــ الانفجار والثقافة( 1992) ــــ كون الذهن ( الترجمة الانجليزية : 1990) ـــــ  بنية النص الفني( 1970)

      ــــ سيمياء الكون(1984)  .

3 ــــ سيميائيات الثقافة  عند يوري لوتمان: تتمركز أطروحات  لوتمان السيميو ثقافية حول ظاهرة التعقيد الذي ينتظم الظاهرة الثقافية، وما ينشأ من تفاعل تبادلي بين الانساق السيميائية لبنيات متعددة. هذا التفاعل التام بين انساق العلامات هو ما سماه لوتمان”سيمياء الكونla sémiosphère

ولدراستها طور  لوتمان منهجية مناسبة تسعى إلى إبراز التعدد اللغوي الثقافي بوصفه وجودا مشتملا ضمن انساق منمذجة ثانوية. و قد استلهم لوتمان مفهوم سيمياء الكون تبعا لصياغة سيميوثقافية لمفهوم الكون الحيوي(biosphère)  لفرنادسكي(Vernadsky) .

للاطلاع المركز على مشروع لوتمان السيميوثقافي يمكن تأمل القراءة الهامة التي اجراها حسيب الكوش لكتاب لوتمان ”  la sémiosphère” انطلاقا من الترجمة القيمة التي قام بها  د. نوسي عبد المجيد  للكتاب “سيمياء الكون” ( ط1 : 2011) والتي يمكن تدبرها للاطلاع المستفيض.

2 thoughts on “سيميائيات الفيلم (يوري لوتمان) … طارق العاملي”

اترك ردا