الفهم السوسيولوجي لظاهرة الرسوب المدرسي : أزمة تلميذ أم تلميذ في أزمة؟ .. د. بـــودبـــزة نـــــاصــــــر

د. بـــودبـــزة نـــــاصــــــر: جامعة قاصدي مرباح ورقلة

مقدمة:
من خلال هذا المقال سنحاول ولوج مؤسسة المدرسة، وهي أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية الحديثة بالمفهوم الدوركايمي، من أجل البحث عن مراكز السلطة في المدرسة، والآليات التي تتحكم بها، وطبيعة عملها في مجالات التفاعل( داخل الفصل الدراسي، داخل المدرسة، في محيط المدرسة، مع جماعة الرفاق، في المحتوى التربوي…) كثيرا ما كانت المدرسة محل انتقادات على مستوى أدائها أو مخرجاتها، وهذا ما ستدعى جهود سياسية لاحتواء الأزمة، ومن أهم المحاور التي تم التركيز عليها الرسوب المدرسي، باعتباره مؤشر على عقم النظام التربوي لمجتمع ما، غير أن ما يلاحظ في جل الدراسات الأكاديمية حول هذه الظاهرة، يجد أن النظرة كانت محصورة في الميدان السيكولوجي، وأصبح الرسوب حالة نفسية للفرد المتأزم نفسيا من حالات قلق الامتحان، والشعور بالإحباط، والسلوك غير السوي في الشخصية وغيرها من الأوصاف الاستبطانية الذاتية، كان من الضروري أن نشير إشارة بسيطة مدققة للطرح السوسيولوجي حول الرسوب المدرسي كونه ظاهرة اجتماعية تفسر اجتماعيا، سواء في الواقع التربوي الجزائري أو العالمي، حتى تتضح الصورة الكلية للمربين سواء كانوا مدراء مؤسسات تربوية، أو أساتذة، أو أولياء التلاميذ.
عملت سوسيولوجيا التربية منذ ولادتها على إعطاء الفهم الاجتماعي الموضوعي للظواهر التربوية، التي كانت في الغالب تتقاذفها المفاهيم السيكولوجية التي زادتها غموضا، لأن الرسوب يختلف من مجتمع إلى أخر، وهذا ما يفسر أن الرسوب المدرسي ظاهرة اجتماعية، تتطلب فهم العوامل الاجتماعية التي تعمل على إعادة إنتاجها في المجتمع الجزائري.
وكان اهتمام السوسيولوجيا الجزائرية منصب على دراسة المدرسة من منظور علوم التربية، وهذا ما شتت الانتباه إلى الموضوعات الاجتماعية داخل المدرسة، وأهمها ظاهرة الرسوب والتي وضعت الأسرة في مأزق لأنها تقف أمام طموحها والمتمثل في حراك أبنائها من خلال المسار الدراسي، كانت النظرة الكلاسيكية تنظر إلى الفعل التعليمي على أنه محدد مسبقا حسب المكانات الاجتماعية وطبيعة الدور في الحياة الاجتماعية، غير أن الواقع الاجتماعي غني بالتجارب في ظاهرة الرسوب وعلاقتها بما هو اجتماعي وماهو خاص بالفرد الفاعل، ويمكن أن نلخص الإشكال في التساؤل التالي:
هل الرسوب المدرسي مشكلة أم آلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي في المجتمع؟ وهل الرسوب خيار للدولة للانتقاء أم هو عدم قدرة الأسرة على التكيف مع النظام الاجتماعي؟ كيف نفسر عدم قدرة الأبناء على مواصلة المسار الدراسي أو التقهقر فيه؟ هل هي أزمة تلميذ أم تلميذ في أزمة؟ إذا كان الرسوب المدرسي يشكل خطر كبير على المجتمع، كيف نقيم النجاح المدرسي في المجتمع؟ هل السياسة التربوية اجتماعية أم سياسة انتقائية؟

الرسوب المدرسي بين النفسي والتربوي:
الرسوب المدرسي في العادة يطال التلاميذ ضعاف النتائج والشخصية كذلك، كما يؤثر الرسوب على مصادر الخوف النفسي وذلك بسبب المحيط العائلي الذي لم يستدمج قيم المدرسة في الأجيال المتعاقبة، غير أن “أنا فرود”Anna Freud تؤكد على آليات الدفاع عن الأنا، والتي تقع في حدود الوعي أو اللاوعي وهي تشكل حدود للسلوكات المكيفة والسلوكات العصابية في مواجهة الرسوب، وبالنسبة للأطفال الذين يعانون الضعف من الصعب التخلص منه أو الابتعاد عنه بالاعتماد على قواهم وحدهم، ولذلك يجب إتباع سبل وسطى مابين المرض المستعصي والتكيف المجسد واللذان يبنيان آليات الدفاع عن الأنا في مواجهة الرسوب أو أي صعوبات أخرى.
إن أي طفل يواجه الرسوب بطريقة أو بأخرى، فهو يجرب أن يواجه بنفسه ضد هذا الرسوب، ورد الفعل الدفاعي الذي يمثل مخطط نفسي يسمح بوضع رهان يجسد في ما أطلقت عليه “أنا فرود” بمكانزمات الدفاع عن الأنا، والذي يعمل على التعويض عن هذا الرسوب، وهذه الآلية تعمل لمواجهة الصعوبات التي تواجه الفرد خلال حياته.
في العموم نظرة علم النفس إلى الرسوب هو حالة نفسية تعالج من خلال بناء مكانزمات ذاتية لتمكن النفس من مواجهة هذا الحالة التي تسبب المعاناة لذات الطفل. إن مفهوم الطفل في وضعية الرسوب المدرسي يعرف في الموسوعة wikipédia على انه ظاهرة التلاميذ الذين غادروا النظام المدرسي دون تأهيل أو شهادة مع صعوبات واسعة في التعلم.

للاطلاع على الدراسة

اترك رد