لعبة التيه العالمي بين عولمة الأقوياء وهوية الضعفاء … !!! .. خولة خمري

خولة خمري: تحليل ونقد الخطابات، جامعة محمد الشريف مساعدية بالجزائر

لقد كثر الحديث في العقود الأخيرة عن العولمة Globalization والثقافية منها بشكل خاص فتعددت الآراء واختلفت بين رجال الفكر والسياسة والفلسفة…بين مادح وذام لها، فكل باحث أو دارس حاول دراسة جانب من جوانبها، فباتت تعقد حولها الندوات والمؤتمرات لما لها من أهمية كبرى في تشكيل الوعي العالمي، والأثر الكبير الذي تحدثه على الهويات، خاصة في مجتمعات دول العالم الثالث منها باعتبارها الحلقة الأضعف وسط هذا الصراع المحتدم بين أقطاب العالم.
ففي خضم التحولات العالمية التي يشهدها العالم خاصة منذ سقوط جدار برلين Berliner Mauer سنة 1989، وظهور ما يعرف بالنظام العالمي الجديد إثر بروز فكرة القطب الواحد للتربع على عرش سيادة العالم بعد انهار الاتحاد السوفياتي، صار السؤال الملح الذي تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية على نفسها هو: من سيكون العدو الجديد للمعسكر الرأسمالي ؟.
فكان الإسلام هو البديل الجديد للاتحاد السوفياتي كعدو شرس، وبات الخوف من الإسلام هاجس الغرب الذي يؤرقه ويقض مضجعه، لتتحول أنظار العالم الغربي قاطبا تجاه هذا العدو الجديد، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: هل النظام الفكري الغربي قائم على هاجس ضرورة العيش على مبدأ وجود عدو حتى يقتات العيش على هذا الحراك العدائي…!!!.
وما زاد الطينة بله أنه بعد أعوم قليلة من سقوط الاتحاد السوفياتي نهض العالم صبيحة السبت الأسود على ما عرف بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أحداث القرن التي تعتبر منعرجا حاسما في تاريخ العالم أجمع نظرا للفزع العالمي الكبير الذي أحدثته، ناهيك عن الدور الكبير للبروباغندا Propaganda الإعلامية، التي هي الأخرى كان لها فعلها في تأجيج صراع لعبة التيه العالمي، وتوجيه الخطاب الإعلامي في اتجاه واحد معاد للهوية الإسلامية، لتجد الولايات المتحدة الأمريكية الحجة الدامغة على ضرورة محاربة هذا العدو، فأقنعت الرأي العام بأمريكا والشعوب الغربية كاملة بل وحتى العربية ممن انجروا وراد هذا التيار، بأن هذا هو العدو الحقيقي للعالم ممثلا في الإسلام مستخدمين ورقة هذا الجوكر القاتل لنشر الفوبيا في العالم تجاه الإسلام.
وهو ما حدا بالقائمين على الشؤون الاستراتيجية هناك على بعث سبل تفعيل أنواع لعب الاستعمار الجديد، من أجل طمس معالم الهوية الإسلامية الحقيقية والنقية، وفي مقابل ذلك إبراز هوية ذات طابع إسلامي حسبهم، ولكن في نسخة مشوهة، فقد وقف العالم على هوية طالبان كلينتن، وقاعدة بوش الابن، وداعش أوباما المسوق له حاليا، والعالم اليوم يترقب هوية جديدة مع دونالد ترامب خاصة مع رفعه لشعار “أمريكا قبل كل شيء”، فضلا على تصريحه المباشر بضرورة القضاء على ما سماه بالإسلام الأصولي الراديكالي من على وجه الأرض، وهو ما سيجعل الجهود أكثر تكثيفا حثيثا نحو العمل من خلال هذه الصورة الموجهة على غسل العقول في العالم، وإيهامهم بأن هذه هي هوية الإسلام الحقيقي ولابد من القضاء عليه…!!!
وقد كانت إحدى سبل هذه اللعبة القذرة العولمة Globalization خاصة منها في نسختها الفكرية على اعتبار أن العولمة كمركب مفهوم قياسيStandard ، حيث يقتحم كافة الميادين متسربا بمختلف أفكاره سواء الاقتصادية منها من خلال الشركات المتعددة الجنسيات Multinational Corporation، أو الاجتماعية، أو السياسية من أجل السيطرة على مختلف نوافذ النفوذ العالمي، وهو ما أشار إليه المفكر المصري حسن حنفي منظر تيار اليسار الإسلامي وعلم الاستغراب Alienation قائلا في كتابه مقدمة في علم الاستغراب بأن العولة هي :”أحد أشكال الهيمنة الغربية الجديدة التي تعبر عن المركزية الغربية الأوروبية ذات القطب الواحد، ونهاية التاريخ وصراع الحضارات، والإدارة العليا، وثورة الاتصالات، والعالم قرية واحدة كونية، وكلها مفاهيم غير بريئة تكشف عن سيطرة المركز على الأطراف في تاريخ العالم الحديث”(1).
إذن من خلال خطاب الدكتور حسن حنفي الموجز يمكننا القول بأن العولمة هي عملية أمركة العالم من خلال العمل على نشر الثقافة الأمريكية الإمبريالية، والسعي الحثيث لذلك بتجنيد كافة الوسائل للتغلب على الثقافات الأخرى، وهو ما ذهب إليه كذلك محمد مدني بقوله :”قضية العولمة أو الكونية، أو كيفما يحلو للبعض أن يلقبها، من أخطر القضايا المعاصرة وشديدة التعقيد، التي تواجهنا وتفرض علينا من قبل الحضارة الغربية … وبالتحديد من قبل الرأسمالية الأمريكية باعتبارها القوة المهيمنة”(2).
وأذهب أبعد مما قاله الدكتور حسن حنفي بالتأكيد على أن المهمة أكبر من مجرد محاولة نشر الهوية الأمريكية، بل من أجل بعث الهوية الصهيونية العميقة بنسخة أمريكية تغطيها شعارات وهمية زائفة، فروح الصهيونية انتقلت من لندن إلى نيويورك القلب النابض لأمريكا والعالم أجمع، وذلك إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، ليبعث المشروع الصهيوني في أمريكا من جديد من خلال الدور الكبير لما أطلق عليهم “المسيحيون الجدد” كتحالف عالمي يجمع بين الصهيونية والمسيحية المتطرفة، وقوة عالمية لها دورها الرائد في تحريك موازين الخارطة الهوياتية للعالم .
إذن هذه هي حقيقة العولمة التي لا مفر منها، فهي كظاهرة ملموسة وخفية في الآن ذاته باتت تهدد كيان العالم على جميع الأصعدة، فباسم الانفتاح والحوار الحضاري…وغيرها من الفزاعات الرنانة التي يتشدقون بها علينا ليل نهار في مختلف وسائل الإعلام تفتح العولمة أبواب أسواق الشرق على مصراعيها للسلع الغربية دون أدنى ضوابط حقيقية، ومن ورائها الاقتصاد الغربي بأكمله الذي سيسحق دون شك كل اقتصاديات الشرق مجتمعة، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى حد محاولة سحقنا ثقافيا وهو حاصل فعلا من خلال الأفكار المبطنة التي تحملها تلك السلع، ومن ثمة يكون السحق الوجودي لا مفر منه نتيجة قلة إن لم يكن انعدام دور تلك المجتمعات الضعيفة على إبداء الرأي فيما هو حاصل في العالم من أحداث، فضلا عن توجيه أو اتخاذ قرارات فاعلة بخصوص تلك الشؤون.
وكنتيجة لانعدام كل هذا يصبح ركح اللعبة العالمية خاليا تماما إلا من الأطراف الفاعلة دوليا، ما يفسح المجال لهم بوضع أحجار الشطرنج في المكان المناسب من الرقع الهوياتية للمجتمعات، وليس أدل على ذلك مما حصل ويحصل وسيحصل في العالم أجمع، فمنذ سنوات قليلة ألقيت شرارة فكرة استعمارية هناك بدارفور تدعوا إلى ضرورة الانفصال لم تأخذ على محمل الجد بالسودان، ليصحوا السودانيون والعالم أجمع سنة2011 على قرار تقسيم السودان إلى دولتين ودائما برعاية أمريكية عفوا صهيونية…!!! ، ولكن ما يحز في النفس أن ذلك القرار أسهم فيه أطراف تحسب على النخب المثقفة بالسودان…!!!
والسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: ألم تتفطن هذه النخبة لعودة أطياف برناد لويس الصهيوني بمشروعه الاستعماري التقسيمي المعروف للسودان وغيره من مناطق جغرافية بالوطن العربي، ومن قبله أطياف لورانس العرب !!!، وهذه المرة كانت بمباركة المدعو برنارد ليفي الذي شاهدنا تواجده بشكل مكثف خاصة أثناء موجة ما أطلق عليه بثورات الربيع العربي…!!!، وهو ما يطرح أسئلة أكثر عمقا عن حقيقة هذه النخب التي تدعي الوعي بتطورات الحضارة؟، ونغوص أكثر لنتساءل عن طبيعة التحولات الطارئة على العقل العربي ومدى قدرته على استيعاب تطورات منظومة اللعبة العالمية بين الأطراف القوية والأطراف الضعيفة؟، أيشهد العقل العربي لوثة فكرية عولماتية لا حول ولا قوة له أمامها إلا الخنوع والانبطاح، والتخلي عما كل ما يمت بصلة للهوية العربية بمختلف أطيافها ليعبث بها هؤلاء…!!!.
لم يحدث في التاريخ أن أقدم العالم على رموز وسلع ثقافية كما هو عليه الحال اليوم بأوطاننا العربية، فالإقدام على هذه الثقافة الاستهلاكية من مأكولات غربية كالهمبرغر مثلا الذي يجسد الثقافة الغربية بامتياز وأصبح له حضور قوي في بيوتنا وطرقاتنا، أو ثقافة التهافت على الألبسة الغربية ذات المدلولات الغريبة، والمخالفة حتى للفطرة البشرية…!!!، جميع لعب هذا التيه العالمي موجودة تقريبا في كل العالم، مما يثير لدينا تساؤلات عن مدى موقف الثقافة المحلية ومنها العربية خاصة على السبل الكفيلة لمواجهة الغزو الثقافي الغربي، والسؤال الأكثر إلحاحا هو لماذا الثقافة العربية هي أكبر ثقافة تضررت من هذه العولمة سلبا عكس مثلا ثقافة أحفاد العم كنفوشيوس الذين هم في قلب حضارة العولمة، ورغم ذلك كلهم اعتزازا بتقاليدهم وعادات أجدادهم، سواء في الأكل أو الملبس أو التفكير…!!!، فهل سنشهد تحولا حضاريا نحن العرب ليظهر كنفشيوسنا يكون بمثابة نبي عربي جديد يعيد اعتزازنا بتاريخنا وهويتنا، ويفك شفرات المركزية الغربية Euro centralisme…!!!.
إن مكمن الخطر الذي تمثله العولمة تحولها إلى نوع من الإرهاب الجديد، والتي تفضح حقيقة التسلط الغربي على الشرق، والسعي إلى إعادة هيكلته وتصييره بما يتناسب وأجندتهم، وهنا تبرز إشكالية عدم احترام الخصوصية الثقافية للمجتمعات، حيث تتسبب العولمة في طمس هذه القيم وهو ما يؤجج الخلاف كثيرا، ويبعث صراع لعبة العولمة أكثر لتحتدم الأطراف داخل مضمار السباق الحضاري، وهو ما جعل التشتت والتيه الذاتي للبوصلة الإسلامية معادلا موضوعيا Objectif Correlatif لكل ما يمت للهوية العربية بصلة.
إن العولمة باعتبارها طريقة من طرائق الاتصال، حاملة لشحنات أيديولوجية وفكرية حضارية للآخر، أرادت أن تضع من خلالها موطئ قدم لدى الذات، فاتبعت لأجل تحقيق ذلك جملة من الوسائل لعل من أبرزها : الهيمنة الثقافية الغربية، من خلال هيمنة اللغات الأوروبية وانتشارها خاصة الانجليزية والفرنسية، اللتان تتميزان بثقافة متنوعة، حيث وجدتا لهما رواجا عبر مختلف أنحاء العالم، كذلك انتشار دور النشر الغربية، وانتشار السينما التي تلعب دورا هاما في نقل المطبوع إلى قطاع عريض من المتلقين ومنه توجيه الفكر وجهة تصوغ معاني لعبة التيه العالمي، وتجسد فكرة توماس فريدمان عن تسطيح العالم The World Is Flat…!!!
وتحديدا الأمريكية التي تتوافق مع مسيرة العولمة والسيطرة الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والهيمنة عبر شبكات المعلومات، و مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وقنوات البث الفضائي، والإنترنت، وغزو الأسواق بالمواد الاستهلاكية ذات الطابع الثقافي الشعبي، وأثر الجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية الموجهة، وانفتاحها أمام الطلاب المتحمسين من خلال بعض الشعارات الزائفة، هذا كله أدى إلى الضمور التدريجي للسيادة الوطنية وتراجع الخطاب القومي الوحدوي، وما يصحبه من اضمحلال للتراث وتذويب للهوية بل تحول الأمر إلى الاعتزاز بالهوية الغربية كونها هوية الطرف القوي بلعبة التيه العالمي، والضعيف كما قال ابن خلدون في مقدمته مولع دائما بتقليد غالبه.
فجميع هذه الاشكاليات المندرجة ضمن ما يسمى بالقوة الناعمةSoft power المصطلح الذي صاغه البروفيسور بجامعة هارفرد جوزاف نايJoseph Nye ، تعمل من خلال العولمة هذه القوة الناعمة على زعزعة الثقة بتاريخنا، وتشكيكنا بالـتراث والأصالة العربية بمختلف طوائفها الفسيفسائية الجميلة التي صاغت سابقا حضارة عمت أرجاء العالم بعطائها الحضاري للإنسانية جمعاء، وليس أدل على ذلك من الأندلس التي لقبت بالقطعة الساقطة من الجنة على الأرض، هذه الصورة الفسيفسائية للتنوع الثقافي أصبحت الآن مصدر فرقتنا لا جمال وبهاء حضارتنا، وهو حال ما نراه في سوريا مثلا التي تسعرت فيها نار هذا الوباء القاتل لتطفوا إلى السطح معالم مشروع الفوضى الخلاقةCreative Chaos المعروف في أدبيات الماسونية، والتي صرحت به وزيرة الخارجية الأمريكية لصحيفة واشنطن بوست سنة 2005 معلنة ميلاد ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، فهل سنشهد في السنوات القادمة جنون لعبة الماسونية من خلال مشروع الفوضى الخلاقة في سوريا الحبيبة والشرق الأوسط عامة ؟، وما سيزيد من تسعر لظى هذا المشروع الامبريالي رفع دونالد ترامب لشعار “أمريكا قبل كل شيء”، ناهيك عن عودة العدو القديم بقوة في ثوب جديد ألا وهو المد الايراني الفارسي الشيعي الساعي هو الآخر إلى نشر الفوضى داخل منظومة الفكر السني، لتحقيق حلم مرجعهم الديني الخميني الذي أوصى قائلا “ارفعوا لي رايه التشيع على أبواب سوريا”…!!!
وأمام تحديات وجع اللحظة الراهنة التي تنخر جسد الأمة العربية وتهز مفاهيم قيم الوطنية، فقد تعدى الأمر إلى توجيه الاتهام إلى كل من يعتد بالقيم الروحية الإسلامية والمفاهيم الدينية المتصلة بقيم العروبة، فأصبح كل من يدافع عن الخصوصية والأصالة، واللغة والهوية الثقافية، والمقدسات الإسلامية أصوليا متخلفا…!!!، وهو ما نراه حاصل في مختلف برامج الحوارات التلفزيونية حيث يعملون على وسمهم بالرجعية والدوغمائية Dogmatism، بل اتهامهم بصفة الإرهاب كما حصل منذ أيام مع لاعب كرة القدم المصري أحمد أبو تريكة، الذي أصبح في أعين الحكومة المصرية ارهابيا ليتحول أبو تريكه من حبيب القلوب إلى ارهابي القلوب…!!!
وأمام هذا القلق الوجودي والتشرذم الهوياتي، خاض العديد من المفكرين العرب في هذه الاشكاليات المطروحة لعل أبرزهم الفيلسوف المغربي مهدي المنجرة إلى جانب فيلسوف الجزائر مالك بن نبي، وكذلك محمد عابد الجابري …وغيرهم، فهذا الأخير صاحب رباعية نقد العقل العربي يعد أحد كبار فلاسفة ومفكري المغرب المشتغلين على هذه الإشكاليات، أكد على أن البديل هو الدفاع عن الهوية الثقافية، ومقاومة الغزو بالعقلانية وبالديمقراطية، بإعادة الاعتبار للهوية الوطنية، وتنشيط عناصر الهوية في النسيج المجتمعي، لأن ذلك سيسهم في معرفة التطورات الحضارية بإدراك ووعي تام لحركة التاريخ، حتى نتمكن من فك شفرات هذه اللعبة والمتاهة التاريخية، فليس ثمة ما هو أصعب على الأمة أن تتخلى عن ثقافتها وتنغمس في ثقافة الآخرين، والثقافة العربية والإسلامية باعتبارها إحدى أطراف هذه اللعبة العالمية ضحية هذه العولمة الثقافية، وهو ما أكده الباحث السوري والأستاذ بجامعة القاهرة قسم الفلسفة محمد ياسر شرف بقوله: “الصراعات المستقبلية سـوف تشـــغـلها عوامـــل ثـقافية أكــثـر منها اقتصاديـــة وايديـولـوجـية”(3).
ولعل هذا ما أدى إلى بروز العديد من الإشكاليات العويصة التي مازالت تلقي بظلالها إلى يومنا هذا على منظومة الفكر العربي نذكر من بينها قضية اللغة باعتبارها إحدى أهم مقومات الهوية، فاللغة قبل أن تكون مجرد تراكيب لفظية توصل معنى معين هي ثقافة تعبر عن براديغم Paradigma هوياتي يخص تلك الأمة، ويميزها به ومن خلاله عن غيرها من الأمم.
إن اللغة هي مقوم أساس لأي أمة، وهي جهاز الاجتماع عند الإنسان وهي الموقع في صياغة وحدة الأمة، فاللغة والأمة أمران متطابقان اتصال الروح بالجسد لا انفكاك لهما عن بعض إلا بالموت، فاللغة هي أداة للتفكير والتي بفقدانها وزعزعتها يعطل الفكر خاصة وإنها هي من تحدد المفاهيم والقيم والمعاني، فمن خلال هذه المفاهيم التي تخص اللغة لابد من طرح هذا السؤال: ما السر في اعتماد اللغة الانجليزية كلغة للعلم والبحث؟، فالعولمة الثقافية لا ترضى بوجود اللغات الأخرى غير اللغة الانجليزية، وغير بعيد عن اللغة الانجليزية نذهب إلى اللغة الفرنسية في دول المغرب العربي، والجزائر منها بشكل خاص لنقف على مدى أثر هذه اللغة وتغلغلها في وسط النخب الثقافية خاصة السياسية منها، وهذا ما أدى إلى بروز اشكالية الصراع والحوار بين الحضارات والثقافات، وهي ثنائية ضدية تحمل في طياتها العديد من المفاهيم منها :النظام الدولي الجديد، ونــهاية التاريخ، واشكالية الهوية … الخ، جميع هذه الإشكاليات التي تنخر انسانية المجتمعات الشرقية والغربية على حد السواء في القرن الواحد والعشرين مركز وبؤرة صراع لعبة التيه العالمي.
وختاما أعتقد أنه لوم الآخرين والعب على وتر شماعة المؤامرة العالمية لن يجدي نفعا، لأنه وببساطة مفاتيح فك شفرة لعبة التيه العالمي موجودة بأيدينا ما إن تمكنا من معرفة ذواتنا المعرفة الحقيقية .
المراجع :
1_ حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ط2، المؤسسة الجامعية، القاهرة، 2000، ص24.
2_ محمد مدني: مستقبل الأدب المقارن في ظل العولمة ، دار الهدى للنشر والتوزيع، مصر، 2004، ص 33.
3_ محمد ياسر شرف: اعادة تنظيم العالم _دراسة تحليلية نقدية لأطروحة هنغتون في صدام الحضارات، ط1، دمشق، 2004، ص 24.

اترك ردا