مقاصد الإنسانية في الشريعة الإسلامية … عبد الله محمدن آيا

عبد الله محمدن آيا: ماستر الفقه المقارن وقضايا الاجتهاد المعاصر – موريتانيا

مما لا شك أن الإسلام هو دين يقوم على تكريم الإنسان من حيث هو إنسان؛ بغض النظر عن جهته أو موطنه أو لونه أو جنسه أو وظيفة، فهو يعتبر أن الإنسان مخلوق مكرم، قال تعالى: ” ولقد كرمنا بني آدم”، فالتكريم في الإسلام للإنسانية جمعاء، وهذا ما يوضحه جليا عمل وقول القائد الأعظم الحبيب صلى الله عليه وسلم حينما قال: ” أليست نفسا” ؟ ليؤكد أن لكل نفس في الإسلام حرمة ومكان، ققد روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة وهو جالس فقام لها وافقا، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: ” أليست نفسا” ؟
ثم إننا نجد الباري جل شأنه في كتابه حينما وجه إلى ابن آدم الخطاب الذي فيه (( لمسة العتاب المبطنة بالوعيد)) ليهز كل ذرة في كيانه وليبلغ من القلب شغافه وأعماقه خاطب إنسانيته، فقال: » يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ« .
وهكذا نجد الخطاب القرآني للإنسان تكرر ثلاثا وستين مرة، كما تكررت كلمة “الناس” فيه مائتين وأربعين مرة … وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على شمولية الرسالة الإسلامية وعلى المكان السامي للإنسان فيها؛ فكتاب الإسلام خاطب الإنسان ورسول الإسلام إنسان ويحب الإنسان، والجانب التشريعي في الإسلام أعطى للإنسان مساحة كبيرة، فنظم أحواله الشخصية ومعاملاته وصان له نفسه فرتب على كل من جنى عليها من يستحقه من عقوبات…
إذن فليس في الإسلام دفين حقد للإنسانية ولا يحمل ضغائن ضدها، وكيف يحملها ؟ وهو من جاء لتحريرها من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمان، وصان حقوقها وهذب سلوكها ورد لها الاعتبار فأخرجها من وحل البهيمية وظلماتها إلى نور التوحيد.
وقد أخطأ من أنكر وجود نزعة إنسانية في الدين الإسلامي على اعتبار أن بعض النصوص أمرت بالقتال والعنف؛ إذ لو تعرَّف على المنطلقات الأساسية والمقاصد الكلية للإسلام لاتضح له بجلاء إنسانية الإسلام، لكن التلاعب بوظيفة الدين الغني بالأبعاد الروحية والمعنوية والجمالية عبر تاريخنا المجيد أفقده حيويته وحشر وظيفته في زاوية ضيقة من خلالها أصبح أيديولوجية سياسية وصراعية تتنافس على سدة الحكم وتدعو إلى الثورية، الأمر الذي جعل المفكر الإيراني على شرعتي _ على خطأ تصويره _ يصور الإسلام على أنه أيديولوجيات ثورية .
وقد تطرق جمال الدين عطية في كتابه: نحو تفعيل مقاصد الشريعة إلى مقاصد الشريعة فيما يخص الإنسانية، وذلك في خضم حديثه عن مبحث: “من الكليات الخمس إلى المجالات الأربع”، فأكد على أن الآيات القرآنية (( لا تقتصر على الدعوة إلى الإيمان وتدلل عليه، وإن كان هذا هو الأغلب الأعم، ولكنها تدعو كذلك ضمن خطابها إلى أصول كلية لا تتوقف الاستجابة لها على الإيمان المسبق، لأنها تعتمد على العقل والمنطق وتخاطب الفطرة وتدعو إلى ما فيه مصلحة عامة للبشر لا ينازع فيها أحد)) ، وهذا أمر ثابت؛ لأن الخطاب القرآني كان في كثير من الأحيان في اتجاه العالمية، وموجها إلى الناس كافة (( فالإسلام عالمي الرسالة من أول يوم، جاء يقول: “يا أيها الناس”وغيرها، لا “يا أيها العرب”، ويدعو إلى الله ” رب العالمين”، لا ” رب المسلمين، ولا رب العرب وحدهم ” ، ويعلن أن دعوته عامة لا خاصة ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” ))
ثم قسم المؤلف ــ رحمه الله ــ مقاصد الشريعة إلى المقاصد التالية، مرتبا لها على النحو الآتي:
المقصد الأول: التعارف والتعاون والتكامل:
لقد جاء مقصد التعارف في الشريعة الإسلامية ماثلا في قوله تعالى: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا “، حيث جعل الإسلام التنوع وسيلة مقصد وهو التعارف، وليس لشعب على آخر امتياز، بل التمايز والتكريم إنما يكون بمعيار التقوى، ولا علاقة له بالعنصر والجهة، قال تعالى ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم” .
ثم يأتي مقصد التعاون مقصد مكمل لمقصد التعارف، كما يرفد مقصد التكامل هذين المقصدين، لأن الإنسان بطبيعته خلق محتاجا إلى غيره ليكمِّله، فيتحقق بذلك مقصد التكامل .
وهذا الأمر هو الذي جعل علماء الاجتماع يقولون: إن الإنسان مدني بطبعه، بمعنى أنه لا يمكن بأي حال أن يستغني غيره في قضاء حوائجه، وفي أي أمر من أموره، فهو عندما يتقوقع على نفسه ويعتمد عليها فلن يستطيع العيش على هذه البسيطة؛ لما سيحلقه من أذى وضرر جراء فقده لكثير من الضروريات التي لا يستطيع بجهوده الخاصة أن يحصلها، فاجتماع الناس يحقق مقاصد كثيرة، وتحقق من خلاله غايات نبيلة، خصوصا إذا استثمر فيما ينفع وروعيت فيه مقاصد التعارف والتعاون والتكامل.
المقصد الثاني: تحقيق الخلافة العامة للإنسان في الأرض:
وفي هذا السياق بين الكاتب أن القرآن جعل الإنسان خليفة في الأرض، وأنه حمله عبئا ثقيلا وهو الأمانة، ليميزه بذلك عن غيره، وذلك في قوله تعالى ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”، وقوله: ” إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا”، (( ويبقى مفهوم الخلافة العامة للإنسان مطروحا من قبل الإسلام على الإنسانية قاطبة أرضية مشتركة صالحة للتعاون على أساسها برغم تباين العقائد والأجناس واللغات، وبديلا وتصحيحا لفكرة شعب الله المختار)) .
المقصد الثالث: تحقيق السلام العالمي القائم على العدل:
إن الآيات القرآنية التي نظمت علاقة المسلمين بغيرهم من الكفار تُظهر بجلاء أن أصل هذه العلاقة قائم على السلام، قال تعالى: ” وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”، كما يين الخطاب القرآني أن الكراهية والعنف ليسا من وسائل الدعوة إلى الإسلام، بل إن العدل الإسلامي اقتضى أنه لا مجال إلى الإكراه على الدين، قال تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر”، وقال: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين”، وقال: ” لا إكراه في الدين”…
والسلام المقصود شرعا قائم بالدرجة الأولى على العدل، بل هو (( والعدل صنوان لايفترقان، فالعدل ليس قاصرا على المجتمع الإسلامي، بل هو مقصد أساسي في العلاقات الإنسانية على مر التاريخ، قال تعالى “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”))
المقصد الرابع: الحماية الدولية لحقوق الإنسان:
إن للإنسان حقوقا مصانة في الشريعة الغراء، تمثلت في تحريره من العبودية للإنسان، كما تجلت في نصرته للمستضعفين، وحماية الحريات التي في مقدمها حرية الفكر والعقيدة، حتى لا تقف النظم الطاغوتية ضد وصول الإشعاع الإسلامي إلى الناس قاطبة، وهذا المبدأ الذي أقره الإسلام قديما، وقد (( تنبه المجتمع الدولي مؤخرا إلى أهميته، فأباح التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان في أي مكان، متجاوزا بذلك مفاهيم السيادة الوطنية وعدم جواز التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول )) ، لكن حاملوا راية حقوق الإنسان لم يكونوا صادقين مع الإنسانية في الدفاع عن حقوقها بكل شفافية، بل كانت لهم مآرب أخرى، وكان دفاعهم ليس عن كل إنسان، بل عن الغربي وكل من يتربص بالمسلمين الدوائر.
أما العرب أو المسلمون بصفة عامة فقد أخرجوهم عن إنسانيتهم المصطنعة، فبيتوا لهم المكايد، ووضعوا الألغام في طرقهم وجاسوا خلال ديارهم بالفسق والخراب، فلن يرضوا عنهم ولن يدافعوا عن حقوقهم الطبيعية حتى ينسلخوا من دينهم السمح ويتضلعوا من ثقافة الغرب الخبيثة، حينئذ سيدخلوا في دائرة الإنسانية التي يجب الدفاع عن حقوقها… ولعمري لقد صدق الله تعالى حينما قال: ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” ، يقول رشيد رضا ــ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الآية: (( فتلك هي العلة الأصيلة. ليس الذي ينقصهم هو البرهان، وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت.. لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق.
إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان.. إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة.. إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين! إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها. ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاماً شتى، في خبث ومكر وتورية )) .
المقصد الخامس: نشر دعوة الإسلام:
وهذا المقصد من أهم مقاصد الشريعة في المحيط الإنساني، لارتباطه بأمر في بالغ الأهمية، وهو تبليغ رسالة الإسلام العالمية، لكن (( جوهر الرسالة المطلوب تبليغها هو التنبيه إلى وجود الله ووحدانيته، ووجوب عبادته المتمثلة في طاعته أوامره والانتهاء بنواهيه )) .
ثم إن الإسلام وضع لهذه الدعوة منهجا محكما ينطلق من ضرورة المجادلة بالحكمة والموعظة والحوار العقلي المنطقي بعيدا عن الإجبار على اعتناق العقيدة، (( وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام إرادته وفكره ومشاعره وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه.. وهذه هي أخص خصائص التحرر الإنساني)) .
وهكذا نجد آيات كريمة يدور هذا المقصد حول تحقيق معانيها، وهي قوله تعالى: ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” وقوله: ” وما أرسلناك إلا كافة اللناس”، وقوله: “قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا”، وقوله: “يا أيها الناس اعبدوا ربكم الله خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون”وأحوج شيء يحتاج إليه تحقيق هذا المقصد هو (( إعداد الدعاة إعدادا خاصا بإتقان لغات الشعوب التي يبعثون إليها ودراسة عقلياتهم ومشاكلهم، ومعرفة المداخل الصحيحة إلى عقولهم وقلوبهم، وبيان العلاج الإسلامي لما يعانونه من مشاكل تختلف عن مشاكل المسلمين في بلادهم )) .

اترك ردا