سر الإعجاز القرآني وتميزه ونظرياته .. د. منير الحاج الدراجي عريوة

د. منير الحاج الدراجي عريوة: جامعة محمد بوضياف بالمسيلة

اتفق العلماء على أن القرءان الكريم كتاب معجز، وهو بذلك يمثل المعجزة القائمة التي تشهد على صدق نبوة محمد الأمي، ولكنهم اختلفوا في تعيين سر هذا الإعجاز ومنبعه في القرءان الكريم، وهذا راجع إلى عدة أسباب هي:
1 ـ أن القرءان الكريم قد صرح في أكثر من آية أنه معجز، وتحداهم الله تعالى على أن يأتوا بمثله، ولكنه لم يصرح بوجه هذا الإعجاز، على سبيل الحصر والتعيين، بل ترك إعجازه مطلقا.
2 ـ أن تعدد وجوه الإعجاز في القرءان الكريم وتنوعها جعل كل باحث يبلغ مناه ويدرك بغيته، فيقف عنده، ويقول من هنا ينبع سر الإعجاز في القرءان الكريم
3 ـ أن الدارسين لإعجاز القرءان قد انطلق كل واحد منهم من زاوية تخصصه، أو من الفن الذي برز ونبغ فيه، ومن ثمة نجد كل دارس تمسك بالحقيقة من الزاوية التي نظر إليها، وقال من هنا ينبع إعجاز القرءان وهنا يمكن سره، والحقيقة أن كل واحد من هؤلاء يكون قد أمسك من جوانب الموضوع بحسب ما انكشف له، في حين أن القرءان الكريم معجز بتلك الوجوه كلها، وهذا ما يقودنا إلى: الحديث عن نظريات الإعجاز القرآني وهي كالآتي:
أولا: نظرية الصرفة:
تنسب هذه النظرية إلى النظام المعتزلي، حيث ذهب إلى أن إعجاز القرءان كان بالصرفة، بمعنى أن الله تعالى صرف قلوب بلغاء العرب عن المحاولة، أو أن الإعجاز إنما يكمن في كون الله تعالى سلب قدراتهم في كل محاولة لمعارضة القرءان ومحاكاته، ولو أن الله تعالى لم يحل بينهم وبين المحاولة لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لأن القرءان خاطبهم بلسان يعرفونه، وبلغوا شأوا لا مزيد عليه في فنون الخطاب شعرا ونثرا، وعليه يكون الإعجاز إنما هو واقع بقدرة الله على صرف القلوب وسلب الإرادات عن المحاولة، وليس ببلاغة.
أسلوب القرءان وتميزه:
والحق أن هذه النظريات في تعليل سر الإعجاز القرءاني، وهي ظاهرة الفساد بالأدلة النقلية والعقلية المتظاهرة، ولذا نجد أن هذه النظرية قد تكفل المعتزلة أنفسهم بنقضها والرد عليها وفي مقدمتهم الجاحظ ﴿255ه ﴾في كتابه نظم القرآن، لأنها تصادم صريح النص القرآني “قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا” فما فائدة دعوة الإنس والجن للاجتماع والمحاولة إذا كانوا مسلوبي الإرادة؟
ويبدو أن هذه النظرية إنما ذهب إليها بعض متكلمي المعتزلة متأثرين بأفكار خارجية وافدة عبر حركة الترجمة التي عرفها ذلك العصر، فقد كان أتباع الديانة البرهمية يزعمون أن كتاب “الفيدا” معجز، وأن الإعجاز إنما هو واقع بصرف الآلهة للقلوب عن المحاولة ومن باب قولهم “رب ضارة نافعة” فقد كان القول بنظرية الصرفة في تعليل الإعجاز القرءاني أحد المحفزات لكثير من الكتابات في الموضوع بعدئذ، وفي ظل تلك الكتابات والدراسات نشأت علوم البلاغة العربية.
ثانيا: نظرية النظم النحوي:
ولعل هذه النظرية التي تظاهر عدد من العلماء في نصرتها وتجليتها حتى استوت على سوقها على يد الإمام عبد القاهر الجرجاني هي أبرز ما قدمه القدماء من دراسات حول منبع الإعجاز وسره في القرءان الكريم.
وفحوى هذه النظرية أن أفراد الكلام لا تظهر فيه فصاحة الكلام وبلاغته، وإنما تظهر بالضم والترابط على طريقة مخصوصة، وإنما تكون هذه الأحوال من الترابط بترتيب الكلام اسما وفعلا وحرفا على سبيل التقديم والتأخير والبسط والإيجاز والإظهار والإضمار، لأن معاني المفردات في ذاتها لا تزيد ولا تنقص، ولا تتجدد ولا تتبدل، وإنما تكتسب هذه المفردات من الزيادة والجدة في المعنى فالتقى “وفجرنا الأرض عيونا”: بالتراكيب المختلفة، ومثال ذلك قوله تعالى الماء على أمر قد قدر فهي أبلغ من قولنا “وفجرنا عيون الأرض” أو أي صيغة أخرى من الصيغ التي تحتملها هذه الجملة، ومثل هذا كثير في القرءان الكريم، ومن هنا رأى أصحاب هذه النظرية أن النظم .. النحوي هو أبرز جانب وأظهره في تعليل إعجاز القرءان الكريم.
ثالثا: نظرية النظم الموسيقي:
ويمثل هذه النظرية في العصر الحديث الأديب الناقد مصطفى صادق الرافعي، في نظريته هذه من الحروف وأصواتها، ثم من الحركة الصرفية واللغوية للألفاظ القرآنية المشتملة على تلك الحروف.
يقول الرافعي: ﴿و حسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقي في القرءان وأنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه ـ أي القرءان ـ لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعض ذلك طبيعة في الهمس ﴿..والجهر والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق والتفشي والتكرار وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرءان إلا صور تامة للأبعاد﴾ التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ..ليس وراءه في العجب مذهب.
ولهذا كان النص القرآني قابلا للتلاوة على طريقة الترتيل، وعلى طريقة الألحان والأوزان، ولم تكن قطعة من نثر فصحاء العرب أو. غيرهم قابلة لذلك.
رابعا: نظرية التصوير الفني في القرآن الكريم:
وتنسب هذه النظرية إلى الأديب الناقد والمفكر الإسلامي سيد قطب﴿ ت1966م ﴾فكان يرى أن إعجاز القرءان وإن تجلى في نظمه، فهو لا يقتصر عليه بل هناك جانب آخر أكثر تجليا لأهل البلاغة والحس الجمالي، وهو التصوير الفني.
التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرءان، يقول سيد قطب فهو يعبر بالصورة المحسوسة والحية عن المعنى الذهني المجرد، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة والحركة، فإذا المعنى المجرد قائما للعيان حاضرا أمام الحواس، فإذا أضاف إليها الحوار استوت واكتملت عناصر الجمال والإعجاب فيها، وانتقل قارئ القرءان من المعنى المجرد إلى الصورة المشهودة، فيزداد تأثرا واستجابة، وهذا واضح في سور القرءان، في أمثاله وقصصه وأخباره بكثرة.
وقد أكد سيد قطب هذا الاتجاه في تفسيره “في ظلال القرءان” ولما اكتملت النظرية في ذهنه أفردها بتأليف خاص سماه “التصوير «الفني في القرءان.
إن المتأمل في الموضوع الإعجاز القرآني بكل مظاهره المتنوعة والمتزايدة يوما بعد يوم يلحظ أن إعجاز القرءان أكبر وأوسع بكثير من يحصر في جانب واحد من هذه الجوانب التي حاولوا أن يعللوه بها، فالقران معجز بنظمه مثلما هو معجز بإيقاعه وموسيقاه ومثلما هو معجز بطريقته المميزة والساحرة في التصوير والتعبير بالأساليب الحسية والمشهودة بطريقة لا قبل لفصحاء العرب بها، ومن هنا نحسب أن كلا من هؤلاء قد تمسك بالجانب الذي انبهر به، بحكم ما تخصص فيه من علوم وفنون التي مكنته من إدراك ذلك على وجه أكمل وأوضح من غيره، مصداقا لقوله تعالى: “وإذا سمعوا ما أنزل إلى رسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق .. “والحق أن القرءان معجز بهذه الوجوه جميعا، وأن هذه الوجوه السابقة التي بنوا عليها إعجاز القرءان مرجعها واحد هو الجانب البياني والبلاغي وإن اختلفت طريقة التسمية والعرض، ولكنها تصب في مصب واحد.
ولقد تعرض النظام قديما إلى انتقادات على قوله بالصرفة، بينما نجد الآراء الأخرى لم تتعرض لذلك لأنها لامست جانبا مقبولا من الإعجاز.
لقد كانت نظرية الصرفة تعطي العرب البلغاء القدرة على اللايتان بما يشبه القرآن نظما وبيانا، لكن الله صرفهم عن ذلك مع قدرتهم، بحجة أن اللغة لغتهم، والبيان بيانهم، وليس في القرءان شيء لا يعرفونه في حين يبدو ذلك متعارضا مع آية الإعجاز نفسها “قل لو اجتمعت الجن والإنس …”الآية.
وعلى كل حال، لقد انطفأت نظرية الصرفة مبكرا وبقيت نظرية النظم للجرجاني، وما تبعها من نظريات بلاغية أخرى.

رأي واحد حول “سر الإعجاز القرآني وتميزه ونظرياته .. د. منير الحاج الدراجي عريوة”

  1. شكرا للدكتور منير عريوة على جهده في بيان نظريات ما يسمى بالإعجاز القرآني…ولو سمحت لي سيدي بالإدلاء برأي:
    إن وصف القرآن بأنه معجز – رغم اتفاق العلماء على ذلك كما ذكر صاحب المقال مشكورا – حكم يجانب الصواب والحقيقة، فالقرآن ليس معجزا وإنما هو مبين وثمة فرق كبير بين البيان والإعجاز. وقد وقع الباحث الفاضل في مغالطة كبيرة عندما توهم أن القرآن الكريم قد صرح في أكثر من آية بأنه معجز … ولو استظهر بالإنس والجن على أن يأتي بآية واحدة فيها التصريح بوصف القرآن بالمعجز لما استطاع أن يفعل ذلك.
    لقد وردت مشتقات لفظة عجز 26 مرة في القرآن (انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي) إلا أنها لم تُذكر كوصف للقرآن إطلاقا مما يدل دلالة قاطعة على أن هذا الوصف (المعجز) لا يصح إطلاقه على كلام الله عز وجل، فهو أعلم بما يصح وصفا لكتابه وقد وصفه به من الأوصاف العظيمة الجليلة.
    – إن سر الإعجاز القرآني يمثل معضلة تستعصي على الحل لذلك يبقى سرا لدى القائلين بها، وهذا ما يرجح بطلان وتهافت نظرية الإعجاز من أساسها، ةتظل نظريات تفسير هذه المعضلة تتنافر وتتصارع بحثا عن السلطة لا أكثر، ويظل الخطاب القرآني فوقها جميعا….
    أجدد شكري للباحث الفاضل على جهده وإثارته للموضوع …شكرا لك سيدي

اترك ردا