منهج “كتاب الإرشاد” للجويني وتأثيره في الفكر الأشعري المغربي

محمد احميمد: ماجستر “الفكر الإسلامي والحضارة” – جامعة القرويين كلية أصول الدين بتطوان المغرب

إن المنهج المتبع عند أشاعرة المغرب منذ دخول العقيدة الأشعرية إليه؛ لم يكن منهج “كتاب الإبانة” ذي التوجه الحنبلي المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري، ولا منهج أبي بكر الباقلاني؛ بل كان منهج “كتاب الإرشاد” لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، هذا الذي كان “تأثيره ودوره الكبير في نشر الفكر الأشعري بالمغرب وكان لكتبه رواج كبير به، حيث اعتنى بها علماء المغرب شرحا وتدريسا، وبخاصة كتاب الإرشاد وكتاب البرهان، وافتتن به المغاربة أيما افتتان”،[1] وهذا التأثر نابع من قناعات المغاربة بالمنهج العقدي الذي سيسلكونه، وقد كانوا في البداية بعيدين كل البعد عن المنهج العقلي في الاستدلال على العقائد، إذ “لم تكن الأصداء التي تصلهم من بلاد المشرق لتمر دون أن تؤثر فيهم وتؤكد لهم مدى بعدهم عن قافلة التطور التي قادها علماء الفكر العقدي في المشرق. مما جعل المثقفين والمتطلعين يرون في “الإرشاد”…المحرك والوسيلة التي ينبغي أن توظَّف من أجل بعث الحياة في الفكر العقدي المغربي، والدفع بعجلته بغية إدراك الركب المشرقي الذي سار أشواطا بعيدة عن طريق التجديد”.[2] لقد احتضن فقهاء المغرب هذا المنهج العقدي الجديد الذي دخل المغرب عن طريق “كتاب الإرشاد” للجويني، الذي كان المحرك الأول للفكر الكلامي والعقدي بالمغرب، و”مما يؤكد قيمة هذا المؤلف عند المغاربة أن كبار مفكري العقيدة بالمغرب كالإمام السنوسي (ت859ه/1489م) صاحب التواليف الكثيرة في العقائد وإمام المغاربة في هذا العلم بعد السلالجي، وكذلك ابن البناء العددي (ت721ه/1321م) الذي بلغ في العلوم العقلية والقديمة غاية قصوى، ومحمد بن مرزوق الحفيد (ت 842ه/1438م)، كل هؤلاء الجهابذة يعترفون بفضل هذا الكتاب في تكوينهم ويؤكدون دراستهم له واستفادتهم منه وتأثرهم به في الوجهة العقدية التي اختاروها”.[3] يقول البختي: “إن “إرشاد” الجويني على أهميته وقيمته عند المشارقة لم يكن بالنسبة إليهم بالمؤلف الغريب ولا الباهر لأن المشارقة كانوا معتادين على مثل هذه الكتب الكلامية والآراء العقدية المتطورة، إلا أن الأمر بالنسبة للمغاربة يختلف كثيرا عن المشارقة، فقد كان الجو الفكري والكلامي بالمغرب جوا بسيطا، يستبشع كل غوص في الأمور العقلية المجردة ويكره المنطقيات في علم العقيدة…ولذلك كان ظهور مثل “الإرشاد” في هذه البيئة حدثا غريبا وأمرا جديدا ينبغي أن يقام له ولا يقعد”.[4] و”كتاب الإرشاد…كتاب قصد منه مؤلفه إمام الحرمين بيان العقائد الدينية والاستدلال لها، ثم الدفاع عنها ومناهضة أصحاب المقالات والمذاهب المخالفة للدين”،[5] وقد سلك في هذا المؤلف مسلكا نقليا وعقليا، يقول الجويني في مقدمة كتاب الإرشاد مبينا المنهج الذي سيسلكه: “رأينا أن نسلك مسلكا يشتمل على الأدلة القطعية، والقضايا العقلية”،[6] وهذا المنهج خلاف منهج “كتاب الإبانة” في الاستدلال على العقائد، مما يجعلني أؤكد أن المنهج العقدي المغربي منهج جويني وليس منهج “كتاب الإبانة”.
ونجد أيضا من يقول إن أول منهج عقدي أشعري عرفه المغرب هو منهج أبي بكر الباقلاني، حيث وفد على افريقية والأندلس بعض تلاميذ الباقلاني، كان يبعثهم لنشر العقيدة الأشعرية على الطريقة الباقلانية، كما أن فقهاء المغرب كانوا يرحلون إلى المشرق لطلب العلم، وكانوا يلتقون ببعض فقهاء الأشاعرة ويأخذون عنهم بعض العقيدة الأشعرية فضلا عن الفقه المالكي الذي كان المقصد الأول من الرحلة العلمية التي كان يقوم بها المغاربة إلى بلاد المشرق، ومن بين فقهاء الأشاعرة الذين التقى بهم طلبة العلم المغاربة وأخذوا عنهم الفقه وأصوله وبعض العقيدة الأشعرية آن ذاك؛ نجد أبا بكر الباقلاني الذي كان له بعض التأثير على بعض فقهاء الغرب الإسلامي، “فقد قام الباقلاني لممارسة تأثيره في الفقهاء المغاربة المنتقلين إلى المشرق”،[7] لكن هذا التأثير لم يتجاوز أفرادا قلائل وكان ذلك في فترة الاعتقاد الفردي، ثم إن أغلب المغاربة الذين رحلوا إلى المشرق لطلب العلم واستفادتهم من العقيدة الأشعرية في هذه الفترة الباقلانية إنما كان استقرارهم بالقيروان بعد عودتهم من المشرق؛ وقد كان دخول العقيدة الأشعرية إلى المغرب الأقصى متأخرا عن هذا التاريخ، هذا على اعتبار أن هؤلاء كانت طريقتهم الاستدلالية في العقيدة طريقة باقلانية، فليس هناك ما يؤكد ذلك إلا بعض الفرضيات، ولعلهم أخذوا عنه الفقه إبتداء كما هو دأب المغاربة في طلب العلم عن المشارقة، وقد قيل إن الباقلاني كان مالكيا، إلا أن بعض الباحثين يقولون إنه كان حنبليا، حيث يذكر حسن السقاف: بـــ”أن الباقلاني كان حنبلي المذهب والمشرب على التحقيق، وكان يكتب على الفتاوى التي يكتبها: (كتبه محمد بن الطيب الحنبلي) كما في “البداية والنهاية”(11/350)…(و) أن الباقلاني كان صديقا حميما للحنابلة ولرئيسهم في بغداد”،[8] ويقول ابن عساكر الدمشقي: “وكان بينه وبين جماعة من الحنابلة مخالطة ومؤانسة واجتماع في سماع الحديث وروايته ومجالسه، وقد رأيت سماعه في عدة من الأجزاء والمجالس بخط الحافظ أبي الفتح بن أبي الفوارس”،[9] وربما كان الرجل متأرجحا بين المذهبين المالكي والحنبلي، أو أنه كان يخشى سطوة الحنابلة آن ذاك؛ حيث عرفت هذه الفترة استعمال الحنابلة العنف ضد خصومهم من الفرق الأخرى وخاصة المتكلمين؛ لذلك كان يتقرب منهم ويتودد إليهم مما يفسر لنا إقدام الباقلاني على إثبات بعض الصفات العقدية على ظاهرها كما في كتابه “التمهيد”، ولذلك يمكن أن نشك في كونه أثَّر في المغاربة من جهة العقيدة، والدليل على أخذ المغاربة عنه الفقه أنهم كانوا يرسلون إليه يستفتونه في النوازل التي تحل بهم، فما علاقة المذهب الأشعري بالنوازل الفقهية؟
ويمكن أن نستنتج من هذا كله أن المغاربة كانوا يذهبون إلى المشرق طلبا للفقه المالكي ابتداءً أما العقيدة الأشعرية فكانت عن طريق التزامن مع وجودهم بالمشرق واحتكاكهم بالفقهاء الأشاعرة هناك على اعتبار أن هذه الفترة بالذات بدأت تعرف صعود المذهب الأشعري ليصبح فيما بعد مذهبا للجمهور.
يمكنني القول إنه لم يشهد دليل على أن فقهاء المغرب الأقصى تبنوا العقيدة الأشعرية على منهج “الإبانة” أو على منهج الباقلاني؛ حيث أن كل الوثائق والشواهد تدل على أن العقيدة الأشعرية دخلت المغرب بعد دخولها القيروان والأندلس، وأن المغرب لم تدخله العقيدة الأشعرية إلا في المرحلة الجوينية، وكان قد تتلمذ على هذا الأخير كثير من المغاربة وأخذوا عنه مصنفاته، و”وفد جماعة من تلاميذه من المشارقة على المغرب أيضا أمثال: أبي نصر سهل بن علي بن عثمان النيسابوري (ت531)، فقد تتلمذ على الجويني وقدم إلى المغرب وأقام بسبتة مدة طويلة”.[10] ومن أبرز العلماء الأشاعرة في هذه الفترة من الأندلسيين: محمد بن سعيد ويكنى أبا عبد الله (ت بعد 456ه/1063م)، وهو من أهل ميورقة، رحل إلى المشرق ودرس على أبي المعالي الجويني بمكة، ومنهم: محمد بن إبراهيم بن موسى بن عبد السلام الأنصاري المكنى بابن شق الليل الطليطلي (ت 455ه/1063م)، وكان إماما متكلما وفقيها.
ومنهم “أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي (543ه/1148م) فقد عاد من رحلته إلى المشرق أواخر القرن الخامس إلى الأندلس بأشعرية عميقة غزيرة تلقاها على أبي حامد الغزالي، وألف على طريقة هذه العقيدة كتابه الشهير “العواصم من القواصم”، إلى جانب كتبه الأخرى…وكان له بذلك دور فعال في نشر الأشعرية بالأندلس والمغرب”.[11] ومن أهل افريقة المصنفين ضمن المرحلة الجوينية: عبد الحق بن محمد بن هارون التميمي القرشي (ت 460ه/1067م)، لقي أبا المعالي الجويني، قال القاضي عياض: “فباحثه عن أشياء، وسأله عن مسائل أجابه عنها أبو المعالي، وهي مؤلفة مشهورة في أيدي الناس”،[12] وأبو مروان عبد الله بن مالك القرطبي (ت 460ه/1067م)، وحاتم بن محمد بن عبد الرحمن (ت 469ه/1076م)، ومن أشهرهم أبو الوليد الباجي (ت474ه/1081م)، وقد رحل إلى المشرق ودرس على أبي ذر الهروي في الحجاز، وكذلك تلميذ أبي عمران الفاسي أبو محمد عبد الحميد بن محمد الملقب بابن الصائغ (ت 486ه/1093م) هؤلاء هم الأعلام الأشاعرة في هذه الفترة، ثم دخلت العقيدة الأشعرية المغرب عن طريق القيروان، “وكان المرادي أول من أدخل علوم الاعتقادات بالمغرب الأقصى”،[13] وله مؤلف مطبوع ويعتبر أول مؤلف كامل عن العقيدة الأشعرية ألف في عهد الأمير المرابطي أبي بكر بن عمر اللمتوني (ت580ه/1184م)”،[14] وهذا المؤلف هو “عقيدة أبي بكر المرادي الحضرمي” وهو كتاب حققه جمال البختي ووضع عنوانه، ومن خلاله نستطيع أن نحكم على المنهج الذي كان عليه المغاربة في هذه الفترة التي عرفت دخول المذهب الأشعري المغرب الأقصى، وفي هذا يقول البختي: “إن نص “عقيدة المرادي” سيفتح أمام المختصين بابا واسعا لمراجعة الكثير من الأحكام والمواقف في خصوص تاريخ دخول المذهب الأشعري إلى المغرب، وتتبع مسار تطوره، فالمعطيات والمضامين –فضلا عن المنهج المعتمد- في هذه الوثيقة تدفع دفعا نحو تأكيد حقيقة جديدة مفادها أن الاطلاع التام على المذهب، والتأليف فيه (على طريقة البغدادي والجويني ومن جاء بعدهما) لم يكن متأخرا –كما كان يُعتقد- بل كان في فترات متقدمة ومتزامنة مع التطور الذي شهده البحث العقدي في المشرق”.[15] ولما كان المنهج العقدي الأشعري لأبي بكر المرادي الحضرمي في هذا الكتاب هو نفسه منهج أبي المعالي الجويني؛ اقتضى أن تكون طريقة فقهاء المغرب بعده ومنهجهم في الاستدلال على العقائد الإيمانية هي نفس طريقة الجويني ومنهجه، ويمكن اعتبار الجويني هو الذي أحدث الطفرة الكلامية في المذهب الأشعري على مستوى المنهج بالانتقال من الطور الأول إلى الطور الثاني داخل المذهب؛ حيث كان الجويني المؤسس للمدرسة الثانية في المذهب الأشعري؛ وإن كان سيرا على طريق “كتاب اللمع” الذي يعتبر المرجع والمؤطر للمذهب الأشعري سواء في طوره الأول أو الثاني، فهذا ما يؤكده لنا البحث التاريخي عند الربط بين العناصر والنظر في العلاقات، وهذا المـنهج الآخيـر هـو الـذي تطـور عليـه مـذهب الأشـاعرة فيمـا بعـد وصـنفوا فيه مصنفات عديدة في علم الكلام والعقيدة.
ومن أدلة تأثر المغاربة بكتاب الإرشاد؛ أعرض بعض الملاحظات عن العبارات التي استفدتها من خلال مراجعتي لكتاب الإرشاد للجويني وكتب الفقهاء المغاربة المؤثِّرين في العقيدة الأشعرية بالمغرب، حيث وجدتهم يبتدئون مؤلفاتهم في العقيدة وفي تنصيصهم على المساءل العقدية، بعبارة الاسترشاد، مثل: “إعلم أرشدنا الله وإياك” كما في “المرشدة”[16] لمحمد ابن تومرت، و”البرهانية”[17] لأبي عمرو عثمان السلالجي، وهي في كتاب “الإرشاد” للجويني بعبارة “إعلموا أرشدكم الله”،[18] وهذا مما يدل على أن منهج المغاربة في العقيدة الأشعرية متأثر بكتاب “الإرشاد” للجويني إلى درجة كبيرة، وأيضا فإن إسم “المرشدة” لابن تومرت مُستلهَم من إسم “كتاب الإرشاد” للجويني، و”البرهانية” إسم مستلهم من “كتاب البرهان” للجويني أيضا بحسب رأيي.
والملاحظة الأخرى تكمن في عبارة “الموحدين” التي أطلقها محمد بن تومرت على أتباعه، فإنني أستطيع أن أقول إنها مأخوذة من “كتاب الإرشاد” أيضا، فالجويني يستعمل عبارة “الموحدين” بكثرة في هذا الكتاب، كقوله: “إعلموا أرشدكم الله أن الموحدين…والجسم في اصطلاح الموحدين…”،[19] وقد كانت دعوة ابن تومرت دعوة عقدية؛ حيث كان يدعو إلى التنزيه في العقيدة وترك التجسيم والتشبيه، وكان يسمي المرابطين بــــ”المجسمين”، كل هذه المعطيات تبين لنا مدى تأثر المغاربة بكتاب “الإرشاد” للجويني، وأن المنهج الذي سار عليه المغاربة منذ دخول العقيدة الأشعرية إلى المغرب هو منهج أبي المعالي الجويني، وهو منهج عقلي نظري يدعو إلى التأويل.
– المنهج التأويلي في كتاب الإرشاد
ذكرت في أول هذا البحث؛ وقلتُ إن “كتاب الإرشاد” كان له الفضل الأكبر في التأثير في الفكر الأشعري المغربي، ويعتبر هذا الكتاب المنهج الحقيقي الذي سار عليه المغاربة في تعاطيهم مع البحث العقدي الأشعري، فهذا المنهج منهج عقلي تأويلي يُعمِل النظر في العقائد، ويوجبه على المكلف، حيث يقول الجويني: “أول ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعاً، القصد إلى النظر الصحيح”،[20] وهو واجب عنده بالشرع، إذ يقول: “النظر الموصل إلى المعارف واجب، ومدرك وجوبه الشرع”،[21] بخلاف منهج “كتاب الإبانة” الذي يقول بدليل الفطرة ولا يجوِّز النظرَ العقلي في العقائد، ودليل الفطرة منهج حنبلي معروف.
وجوب النظر ينتج عنه ضرورةً التأويلُ عند وجود النصوص المتشابهة، فكل الذين أوجبوا النظر في العقائد الإيمانية كانوا يقولون يالتأويل، فوجوب النظر والتأويل متلازمان، لذلك نجد فرقا منهجيا بين “كتاب الإرشاد” و”كتاب الإبانة” في اثبات العقائد، فالأول منهج عقلي يوجب النظر وينزع إلى التأويل، والثاني منهج نصوصي يمنع استعمال النظر والتأويل ويثبت النصوص على ظاهرها دون اعمال العقل في ذلك؛ ولهذا كان الاختلاف في العقائد بين الكتابين –خاصة في الأسماء والصفات الإلهية- كما سأبين هنا.
– نماذج من تأويل الأسماء والصفات في كتاب الإرشاد:
هذه بعض النماذج من تأويل الأسماء والصفات الإلهية في “كتاب الإرشاد”، حيث نجد الجويني يؤول الأسماء والصفات الإلهية التي يوحي ظاهرها بالتشبيه والتجسيم؛ بينما نجد العكس في “كتاب الإبانة” الذي يثبت الصفات على ظاهرها كما هي دون تأويل، وإن أفادت التشبيه والتجسيم.
في “كتاب الإرشاد” ينفي الجويني الجهة والعلو المكاني عن الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك يقول: “ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات”.[22] بينما يثبت الأشعري في “كتاب الإبانة” الجهة والعلو المكاني لله؛ إذ يقول: “ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: (يا ساكن السماء)، ومن خلفهم جميعا: (لا والذي احتجب بسبع سموات)”.[23] وفي مسألة الاستواء نجد الجويني يؤول معنى الاستواء بالقهر والغلبة والاستعلاء، وأن حمل الاستواء على الاستقرار موقع في التجسيم، وذلك في تأويله قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) حيث قال: “لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة، وذلك شائع في اللغة، إذ العرب تقول استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب…إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه ظاهر اللسان، وهو الاستقرار، فهو التزام للتجسيم”.[24] وهذا مخالف لما في الإبانة حيث ذهب الأشعري إلى أن الله سبحانه مستقر على العرش بذاته، فيقول: “ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء، لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماء”،[25] ويقول: “أن الله تعالى على عرشه في السماء”.[26] وفي تأويل صفات اليدين والعينين والوجه، يقول الجويني: “ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل. والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود”.[27] في حين يثبت الأشعري اليدين والعينين لله حقيقة فيقول: “وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: ((خلقت بيدي))، وكما قال: ((يداه مبسوطتان))”،[28] “وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: ((تجري بأعيننا))”،[29] “وأن له سبحانه وجها (بلا كيف) كما قال ((ويبقى وجه ربه ذو الجلال والإكرام))”،[30] و”قال الله تبارك وتعالى: ((كل شئ هالك إلا وجهه))…فأخبر أن له (سبحانه) وجها لا يفنى ولا يلحقه الهلاك”.[31] وكل هذه المعاني التي ذكرها الأشعري في “كتاب الإبانة” تفيد التشبيه والتجسيم باثباته لمعانيها.
وقول الجويني: “ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب تعالى” لعله يقصد به “الباقلاني” فهو المعروف عنه إثبات هذه الصفات في كتابه “التمهيد”، ولذلك نسب إليه بعضهم كتاب “الإبانة”، يقول حسن السقاف: “أن هذه الكتب المنسوبة إلى أبي الحسن الأشعري كالإبانة…وأمثالها ليست من تصنيف أبي الحسن الأشعري بل هي من تصنيف أبي بكر الباقلاني…”،[32] و”أن الباقلاني كان حنبلي المذهب والمشرب على التحقيق…(و) أن الباقلاني كان صديقا حميما للحنابلة ولرئيسهم في بغداد…(و) أن الباقلاني هو المعروف بالاسترسال في ذكر الفرق وبيان مقالاتها وكتابه التمهيد من شواهد ذلك”.[33] والمسألة هنا تحتاج إلى بحث مستقل وليس هنا مجال البحث فيه.
وفي حديث النزول المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة جمعة ويقول: هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأجيب له)،[34] فقد أوله الجويني بنزول الملائكة إذ يقول: “والوجه حمل النزول، وإن كان مضافاً إلى الله تعالى، على نزول ملائكته المقربين، وذلك سائغ غير بعيد”.[35] وفي الإبانة للأشعري يثبت نزول الله سبحانه من الأعلى إلى الأسفل، من العرش الذي فوق سبع سموات إلى السماء الدنيا.[36] تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي مسألة لفظ القرآن يرى الجويني أنه حادث؛ وفي ذلك يقول إن “كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف، مخطوط في الصدور، وليس حالاًّ في مصحف، ولا قائما بقلب. والكتابة قد يعبر بها عن حركات الكاتب، وقد يعبر بها عن الحروف المرسومة، والأسطر المرقومة، وكلها حوادث”.[37] بينما يذهب الأشعري في الإبانة؛ إلى أن القرآن بكامله مخلوق، حيث يقول: “فإن قال قائل: حدثونا عن اللفظ بالقرآن، كيف تقولون فيه؟ قيل له: القرآن يُقرأ في الحقيقة ويُتلى ولا يجوز أن يقال يُلفظ به، لأن القائل لا يجوز له أن يقول: إن كلام الله ملفوظ به، لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها، وكلام الله تعالى لا يقال يُلفظ به، وإنما يُقال يُقرأ ويُتلى، ويُكتب ويُحفظ. وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق، ويزينوا بدعتهم، وقولهم بخلقه ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم، فلما وقفنا على معناهم أنكرنا قولهم، وكذا لا يجوز أن يُقال؛ إن شيئا من القرآن مخلوق لأن القرآن بكامله غير مخلوق”.[38] لقد كان الجويني ينزع إلى التأويل عند ظواهر النصوص، ويرى الإعراض عنه عند وجود المتشابهات يوقع في اللبس والإيهام والزلل في الاعتقاد؛ حيث يقول: “والإعراض عن التأويل حذرا من مواقعة محذور في الاعتقاد يجر إلى اللبس والإيهام، واستزلال العوام، وتطريق الشبهات إلى أصول الدين، وتعريض بعض كتاب الله تعالى لرجم الظنون”.[39] هذا جملة الأقاويل فيما يخص كتاب الإرشاد وتأثيره على الفكر الأشعري المغربي، وهناك نماذج من تآليف فقهاء المغرب ومتونهم من أبي بكر المرادي الحضرمي إلى عبد الواحد بن عاشر تبين حقيقة تأثر فقهاء المغرب بالمنهج الجويني في الاعتقاد، وسأتركه لبحث آخر مستقل، ضمن سلسلة بحوث عقدية تتناول موضوع الفكر الأشعري المغربي بين “كتاب الإبانة” و”كتاب اللمع”.
——————–
الهوامش:
[1] كتاب الأشعرية في المغرب، إبراهيم التهامي، دار قرطبة، ط:1، س:1427ه/2006م، ص:21.
[2] عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية، جمال علال البختي، ص:101.
[3] المصدر نفسه، ص: 102 .
[4] المصدر نفسه، ص: 100.
[5] محمد يوسف موسى مقدمة التحقيق لكتاب الإرشاد للجويني، مطبعة السعادة، مصر، س ط:1369ه/1950م، حرف: ص.
[6] المصدر نفسه، ص:1.
[7]جمال البختي، مقدمة التحقيق لكتاب عقيدة أبي بكر المرادي الحضرمي، دار الأمان للنشر والتوزيع، س ط:1433هـ/2012م، ص:36.
[8] نقد كتاب العلو للذهبي، حسن السقاف، دار الإمام الرواس، بيروت-لبنان، ط:3، س ط:1428ه/2007م، ص: 513.
[9] تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، ابن عساكر الدمشقي، تحقيق محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، ط:1، ص:302.
[10] كتاب الأشاعرة في المغرب، ص:25.
[11] المهدي بن تومرت، عبد المجيد النجار، ط:1، س ط:1403هـ/1983م، ص:438-439.
[12] ترتيب المدارك، تحقيق: محمد بنشريفة، مطبعة فضالة، المحمدية، ط:2، س ط:1982، ج:8، ص:72.
[13] التشوف إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد التوفيق، ط:2، س:1997، ص:106.
[14] أحمد عبادي في تقديمه لكتاب عقيدة المرادي الحضرمي، ص:6.
[15] جمال علال البختي، في تصديره للكتاب نفسه، ص:11.
[16] شرح مرشدة محمد ابن تومرت، تحقيق يوسف احنانا، دار الغرب الإسلامي، ط:1، س ط:1993، ص: 9.
[17]العقيدة البرهانية للسلالجي، تحقيق نزار حمادي، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، ط:1، س ط:1429هـ/2008م، ص: 23. وكتاب عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية للبختي، ص:297.
[18] الإرشاد، الجويني، ص: 17.
[19] المصدر نفسه، ص:17.
[20] المصدر نفسه، ص:3.
[21] المصدر نفسه، ص:8.
[22] المصدر نفسه، ص:39.
[23] الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن الأشعري، تحقيق فوقية حسين محمود، ط:1، س ط: 1977، ج:2، ص:115.
[24] الإرشاد ، ص: 40-41.
[25] الإبانة، ج:2، ص:107.
[26] المصدر نفسه، ص:119.
[27] الإرشاد، ص:155.
[28] الإبانة، ج:2، ص:22.
[29] المصدر نفسه، ص:22.
[30] المصدر نفسه، ص:22.
[31] المصدر نفسه، ص:120.
[32] نقد كتاب العلو للذهبي، حسن السقاف، ص:512-513.
[33] المصدر نفسه، ص:512-513.
[34] ورد في كتب الصحاح بروايات وألفاظ مختلفة.
[35] الإرشاد، ص: 161.
[36] الإبانة، ج:2، ص:110 وما بعدها.
[37] الإرشاد، ص: 132.
[38] الإبانة، ج:2، ص:101.
[39] الإرشاد، ص: 42.

اترك ردا