الشرق والغرب عبر التاريخ: بين التنافس والتثاقف … د. عبد اللطيف الركيك

د. عبد اللطيف الركيك: باحث من المغرب

مقدمة:
الشرق والغرب هما مجالان جغرافيان عرفا عبر التاريخ تحولات حضارية كبرى كان لها تأثير كبير على تطور المشترك الحضاري الإنساني. كما أن الشرق والغرب مفهومان غير ثابتين في دلالتهما باعتبار اختلاف الكيانات الحضارية بالمجالين عبر التاريخ. علاقة الشرق بالغرب قديمة، وترجع إلى حقب جد موغلة في التاريخ. وإذا كان الغالب في هذه العلاقة في عصرنا الراهن هو الصراع، فإن إرهاصات هذا الشد والجذب في العلاقة بين المجالين تعود إلى فجر التاريخ. وقد تراوحت العلاقات الحضارية بين هذين الكيانين الحضاريين منذ فجر التاريخ بالتنافس تارة والتثاقف تارة أخرى. وإذا كان السائد في مقاربة الموضوع هو التركيز على تطورات العلاقة بين المجالين، خاصة خلال العصر الحديث، فإننا نقترح في هذه المقالة العودة لسبر أغوار هذه العلاقة خلال الفترة القديمة من التاريخ، وذلك سعيا لمحاولة فهم أصول العلاقات الحضارية بين الجانبين، ومعرفة إسهام كل طرف فيما نسميه ب”المشترك الحضاري الإنساني”، مركزين في مقاربتنا على تيمتي: “التنافس” و”التثاقف”.
I-الشرق والغرب خلال العصر القديم:
1-إسهامات الشرق القديم في الحضارة الإنسانية:
أمسك الشرق بمشعل الحضارة في العالم القديم منذ فجر التاريخ على حساب الغرب، وشكل ورشة حضارية حقيقية بظهور كيانات حضارية كبيرة بمقاييس العالم القديم. ولاتزال آثار تلك الحضارات الشرقية ماثلة إلى اليوم تسحر ألباب الناس في عصرنا الراهن. فقد تركت لنا الحضارة الفرعونية لوحدها ما يمثل اليوم ما يقرب ثلث آثار العالم، كلها منشئات معمارية عملاقة تشهد بضخامتها وإتقانها وبرسوماتها ونقوشها على حضارة رائدة في ابتكاراتها وعمائرها وفنونها، حيث أذهلت العالم والعلماء بفكرها وعلمها، وأظهرت جانبا مما بلغه الشرق القديم من ازدهار حضاري. بينما يكتنز العراق آثارا ضخمة ومعالم تشهد على ازدهار حضارات شكلت منطلقا لتطور الحياة البشرية في شرق العالم القديم وغربه. وقد كشفت الحفريات الأثرية في سوريا عن بقايا متنوعة ومعالم تبرز تتابع الحضارات التي ساهمت بدور وافر في التطورات الحضارية في الشرق القديم، بحيث لا تكاد تخلو منطقة من المناطق سورية من المواقع الأثرية التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة، والتي يزيد عددها على 4500 موقع أثري هام.
بلغت حضارات الشرق القديم أوج ازدهارها وقدمت للعالم القديم الكثير من الابتكارات التي خدمت المشترك الحضاري الإنساني، وجعلت الشرق مركز إشعاع حضاري بامتياز، ما جعل مركز الثقل الحضاري العالمي يميل منذ فجر التاريخ لصالح الشرق القديم. وفي المقابل انتصبت المجالات الحضارية الأخرى في العالم القديم كمجالات مستقبلة ومستلهمة ومتأثرة بحضارات الشرق القديم. ففي العراق، ومنذ الألف الخامس ق.م، ظهرت إحدى أقدم الحضارات الإنسانية، وهي الحضارة السوموية على دلتا الرافدين، حيث قدم بناتها ضروبا من الإبداع من خلال إنشاء المدن وتطور العمارة عبر تشييد القصور والمعابد وبناء السدود وحفر قنوات المياه، كما تقدم فن التعدين وسبك المعادن، وقطع فن النحت شأوا بعيدا من التقدم. وإلى السومريين تعود أولى المحاولات الفلسفية الجريئة الخاصة بأصل الكون والوجود والأساس في مكونات المادة. وإلى هؤلاء أيضا ترجع أعظم مساهمة في المشترك الحضاري الإنساني من خلال ابتكار مرحلة مهمة من مراحل تطور الكتابة، ويتعلق الأمر بالكتابة المسمارية. وفي نفس المجال الجغرافي تقريبا ازدهرت الحضارة الأكادية في أواخر الألف الثالث ق.م، التي عرفت تقدما كبيرا في العمارة والفنون. ومنذ الألف الثالث ق.م ظهرت بالعراق أيضا الحضارة الأشورية التي تميزت بتوسعات مجالية كبيرة جعلت الآشوريين ينشؤون إحدى أكبر الإمبراطوريات في تاريخ الشرق القديم. بعد سقوط إمبراطورية الآشوريين خلفتها في العراق القديم الحضارة الكلدانية التي ساهمت بدورها في استمرار الإشعاع الحضاري للشرق القديم، وإليها تعود حدائق بابل المعلقة، وهي إحدى عجائب العالم القديم السبعة. كما شهدت المنطقة بروز إحدى أهم الحضارات الشرقية، وهي الحضارة البابلية منذ القرن 18 ق.م، التي تميزت بازدهار المعارف والعلوم المختلفة، وإليها تعود إحدى أقدم التشريعات في تاريخ الإنسانية والتي تعد من أولى الشرائع المتكاملة في العالم حيث تجمع بين القانونين المدني والعقوبات فضلا عن الأحوال الشخصية، ويتعلق الأمر بقانون حمورابي. وفي العصر البابلي حدث تطور مهم في العلوم والمعارف البشرية، حيث انتقلت من أطوارها العملية إلى طور التدوين والبحث، بحيث يصح أن نرجع بداية ظهور العلوم البشرية الحقة إلى هذا العصر. كما عرف البابليون أسسا مهمة في خواص الأعداد وكذلك في العمليات والطرق والمعادلات الجبرية الأساسية، وذلك قبل الإغريق بفترات زمنية. ويرجح أن البابليين هم الذين أسسوا علم الفلك الرياضي، وبدؤوا يدونون ملاحظاتهم وإرصاداتهم أو حساباتهم الفلكية منذ العهد الأكادي. كما تميز العصر البابلي بالاهتمام بالعلوم الطبيعية، ولا شك أنهم توصلوا إلى مقدمات مهمة في علم الفيزياء.
في مصر، ومنذ الألف الثالث ق.م، ساهمت الحضارة الفرعونية بقسط كبير في تطور الحضارة الإنسانية، ومارست تأثيرا كبيرا على باقي شعوب العالم القديم. فقد برع المصريون في فن العمارة وهندسة البناء بشكل كبير، والدليل على ذلك هو بناء الأهرامات بطرق هندسية متقنة. كما كان للفراعة دور كبير في ظهور الكتابة من خلال استعمال الكتابة الهيروغليفية، وبها دونوا أساطيرهم الدينية وما توصلوا إليه من تطور في شتى العلوم على ورق البردي وباستعمال الحبر. كما توصل قدماء المصريين في العصر الفرعوني لابتكار مفاهيم أولية في الحساب والهندسة، والطب، وتطوير علم الفلك، حيث توصلوا إلى تقويم خاص بهم حسب ملاحظاتهم للشمس والنجوم. وعرفت الفنون والحرف والتقنيات تقدما كبيرا بظهور تقنيات جديدة، وقد كان للمصريين-قبل الفينيقيين-فضل كبير على العالم باختراع الزجاج. وقام قدماء المصريين بالعديد من الأعمال الإبداعية المبتكرة والمذهلة للعالم سواء في التحنيط أو الموسيقي والنحت والأدب والرسم…إلخ. كما برع المصريون القدماء في الأدب الديني الذى تناول العقائد الدينية ونظرياتهم عن الحياة الأخرى وأسرار الكون والأساطير المختلفة للآلهة…

للاطلاع على الدراسة

رأي واحد حول “الشرق والغرب عبر التاريخ: بين التنافس والتثاقف … د. عبد اللطيف الركيك”

اترك ردا