إعداد خطة البحث العلمي

يُعدُ الإلمام بالخطوات التفصيلية لعملية البحث العلمي؛ من أبرز ما يهم الطلاب في مراحل الدراسات الجامعية العليا، ويشمل ذلك مناهج البحث؛ ومراحله؛ وتقنياته. إنّ تحصيل المعرفة العلمية عن طريق البحث العلمي يستلزم بالضرورة وجود منهج للبحث والتحصيل العلمي؛ "فإن غاب المنهج خضع البحث للعشوائية؛ وأضحت المعرفة غير علمية"[1]. كما أنّ المعرفة بمناهج البحث العلمي تُمكّن الباحثين من إتقان أعمالهم العلمية، وتجنبهم الخطأ فيها خلال كافة مراحل البحث والدراسة. ويحرص الأساتذة المشرفون على الدراسات العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراة على تدريب طلابهم على عملية بناء بحوثهم العلمية على قواعد منهجية سليمة.

ويتفق المؤلفون في مناهج البحث على أن هناك هدفاً عاماً للبحث العلمي مهما كان مجال الدراسة، وطبيعتها وموضوعها، ويتمثل ذلك الهدف العام في تطوير المعرفة وتوظيفها فيما ينفع الإنسان؛ ويفيده في الحياة[2]. كما أنّ هناك أهدافاً خاصة لكل بحث علمي بحسب فروع المعرفة التي ينتمي إليها، فكل بحث علمي لا بد وأن يقوم على المنهج العلمي الذي هو عملية منظمة؛ متدرجة المراحل؛ تفضي إلى الكشف عن حقائق مجهولة؛ أو حلول مبتكرة لمواجهة مشكلات ماثلة أو متوقعة. وبالتالي فإنّ عملية البحث العلمي ليست تجميعاً للمعلومات من المصادر، أو رصداً للملاحظات من التجارب المعملية، وإنما هي جملة عمليات ومراحل مشتملة على ترتيب وتصنيف، وتحقيق وفحص، ومقارنة واختبار؛ وتحليل وتفسير بطرق منظمة تؤدي إلى الاستدلال على صحة المعلوم و تفسيره أو نفيه ومعارضته.  ولذلك قيل في تعريف الباحث العلمي أنّه من يطلب الحقيقة العلمية الثابتة، ويحاول الوصول إليها. ومن هنا تتجلى مساهمة الباحثين وثمرة جهودهم في أحد المظاهر التالية[3]:

1- استنباط طريقة جديدة في معالجة مشكلة ما.

2- التحقيق العلمي الدقيق حول حقائق سابقة.

3- اكتشاف حقائق لم يسبق الوصول إليها وتأكيدها.

4- الوصول إلى تصور جديد، أو تفسير جديد حول الظواهر محل الدراسة.

 

خطة البحث العلمي

إنّ معرفة تقنيات البحث العلمي ضرورية لكل من يرغب في إنجاز بحث علمي أصيل سواء على مستوى المراحل الجامعية الأولية أو العليا. وتكشف مخططات البحث العلمي في الكثير من الجامعات العربية عن غياب الاهتمام بالتقنيات البحثية والأساليب الفنية لإعداد البحوث الرصينة. وفيما يلي عرض موجز لأهم القضايا الفنية التي ينبغي الاهتمام بها عند وضع مخططات البحث العلمي:

أولاً: عناصر الخطة:

يُعبر مخطط البحث العلمي عن التصور المقترح لمشروع البحث العلمي، وهو بمثابة تصميم أولي للموضوع المراد بحثه وسبر غوره. وغالباً ما يُنقح المخطط ، ويُستدرك عليه إضافة وحذفاً أثناء عملية الإعداد والمراجعة. ويحتاج إعداد المخطط أو خطة البحث من الباحث إلى دراسة مستفيضة؛ وتحقيق عميق؛ قبل الوصول إلى الصورة النهائية التي تتطلب موافقة لجنة من الأساتذة المختصين كما هو معمول به في كثير الجامعات المرموقة. إنّ تصميم خطة البحث يعكس دائماً جدية الباحث وعزمه، وأهليته كباحث علمي قادر على إنجاز مشروعه البحثي. فالتصميم الجيد علامة التفكير الجيد؛ وهو خطوة أساسية للعمل العلمي القيّم. وقد شُبه إنجاز البحث وفقاً لتصميم سابق بالسفر المبرمج عبر مسارات محددة قصد اكتشاف المجهول، فأي تهور هذا الذي يمارسه مغامر؛  يجوب الفيافي والأدغال؛ أو الجزر النائية بغير خارطة؛ ولا دليل يسترشد به في سيره. وفي هذا السياق لا بد من الأمانة في نقل الأفكار وعزوها إلى أصحابها ، ومن الأمانة العلمية مثلاص في مجال الدراسات الشرعية أن يحرص الباحث على الفهم الصحيح للنصوص الشرعية المنقولة؛ خاصة نصوص القرآن الكريم؛ والسنة النبوية الشريفة، وتحديد مدلولاتها وفقاً لضوابط الفهم السليم،  ولو خالف ذلك  رغبات الباحث وأفكاره وميوله. فإنّ النزاهة والتجرد  في فهم مراد الله تعالى؛ ومقصود حديث  رسوله صلى الله عليه وسلم، هي التي أثمرت العلوم الإسلامية الأصيلة.

وبناءاً على ما سبق، يمكننا أن نرتب أهم عناصر خطة البحث فيما يلي[4]:

-        عنوان الموضوع

-         أهداف البحث

-        مشكلة البحث

-         أسباب اختيار الموضوع وأهميته

-        محددات البحث ونطاقها

-         أسئلة الدراسة وفروضها

-        الدراسات السابقة

-         منهجية البحث، ويشمل ذلك طرق جمع البيانات والإطار التحليلي

-        المراجع والمصادر الأساسية

ثانياً: مراحل إعداد البحث العلمي

1- الشعور بمشكلة البحث(مرحلة اختيار الموضوع):

وتبدأ هذه الخطوة من لحظة التفكير في اختيار موضوع البحث، وتحديده بشكل واضح. ويحتاج الباحث في هذه المرحلة إلى دراسة وافية، ومطالعة متصلة، وشاملة في مجال التخصص وعليه أن يستفيد من:

- الخبرات الشخصية التي تعرض لها خلال سنين حياته، والأحداث التي مر بها. فيقوم بإجراء دراسة لتفسير بعض هذه الظواهر التي لم يجد لها تفسيراً، أو يرى أنها بحاجة إلى تصويب أو تفسير جديد.

- المطالعة الواسعة والقراءة الناقدة حول مجال التخصص في الكتب والدوريات العلمية خاصة ما يتصل بالجوانب النظرية والمفاهيم والتطورات العلمية في الحقل العلمي.

-دراسة البحوث السابقة المتعلقة بالموضوع؛ دراسة مستفيضة وشاملة وناقدة.

2- تحديد  مشكلة البحث:

يقصد بمشكلة البحث العلمي المسائل التي يثيرها البحث العلمي وكيفية الإجابة عنها بأسلوب علمي. ويتم التعبير عن مشكلة البحث بإحدى صياغتين؛ إما في صورة سؤال؛ كالسؤال الاستفهامي عن العلاقة بين متغيرين أو أكثر في دراسة الظاهرة محل البحث، أو في صورة لفظية كبيان طبيعة العلاقة بين متغيرين أو أكثر في تفسير الظاهرة المبحوثة.

وتعريف مشكلة البحث بالضرورة يقود إلى تحديد الطريقة التي يتم بها تناول الأسئلة، ومعالجة المسائل المثارة، واتباع المنهجية المناسبة، وتحديد نوع المعلومات المراد توظيفها لفحص العلاقات بين المتغيرات محل البحث. ويجب ألا يخلط الباحث بين مشكلة البحث وموضوعه. فالمشكلة أكثر تحديداً وتفصيلاً، وتقتصر فقط على المسائل التي يثيرها البحث وطريقة الإجابة عنها،  بينما موضوع البحث يعبر عن مجال البحث ونطاقه بصورة عامة.

ومما يعين على التحديد الجيد لمشكلة البحث ما يلي[5]:

أن يكون الموضوع الذي اختاره الباحث قابلاً للبحث فلا يتعارض مع الحقائق العلمية.
أن يكون الموضوع ذا فائدة علمية بحيث تضيف للعلم شيئاً جديداً .
أن يكون الموضوع ضمن إمكانيات الباحث وكفاءته وقدرته.
أن تحقق الرغبة لدى الباحث للكتابة في هذا الموضوع.
أن يكون الموضوع محدداً ومنضبطاً.

    3- تحديد أهداف البحث:

    لا بد من أن يذكر الباحث السبب الذي يجعله يختار موضوعاً محدداً للدراسة، ويفضل تعيين مشكلة ما للبحث والتحقيق العلمي، وأن يتبين الغايات التي ينبغي الوصول إليها. وعادة ما تُقسم الأهداف إلى هدف رئيس ؛ وأهداف فرعية أو ثانوية.

    4- المراجع والدراسات السابقة

    تكتسب الدراسات السابقة أهمية كبيرة للدراسات المتخصصة والعلمية في مرحلتي الماجستير والدكتوراة، وذلك لما تشتمل عليه من رصيد معلوماتي؛ وإفادات مرجعية حول الموضوع محل الدراسة. ومن خلالها يستطيع الباحث أن يطل على موضوعه من مصادره، وأن يصل إلى إجابات من خلال بحثه المستمر في المراجع والمصادر عن بعض الأسئلة، أو يجد إضاءة حول سبل التعامل معها. ولذلك غالباً ما تكون الأعمال المرجعية، ومتابعة الإصدارات الجديدة في موضوع البحث محل اهتمام الباحثين.ومن خلال عرض الدراسات السابقة واستقصائها يستطيع الباحث أن يذكر أهمية بحثه بالنسبة للبحوث السابقة، وإضافة مساهمته في الموضوع.

    5- مرحلة تصميم البحث

    وتشمل هذه المرحلة على الآتي:

    - تحديد منهجية البحث أي تحديد الطريقة التي يسلكها الباحث في معالجة موضوع البحث هل هي تجريبية أو دراسة حالة أو تاريخية تقويمية أو دراسة مقارنة.

    - تحديد طريقة جمع البيانات سواء كانت كمية أو نوعية، وطريقة تحديد مجتمع الدراسة وأسلوب اختيار العينة، وتعريف المتغيرات وطريقة قياسها، وكيفية الوصول إليها ومصادر المعلومات الأخرى[6].

    6- خطة البحث

    وتشمل خطة البحث في صورتها النهائية المحتويات الآتية: المقدمة والتمهيد، وعناصر البحث (تقسم إلى أبواب وفصول ومباحث ومطالب)، والخاتمة بما يشمل النتائج والتوصيات التي يقترحها الباحث ثم فهرس المراجع.


    [1] محمد محمد قاسم (1998) المدخل إلى مناهج البحث العلمي.دار النهضة العربية. بيروت. ص 51.

    [2] حمادي العبيدي (1997) منهج إعداد البحوث الجامعية. ط1.مؤسسة المعارف للطباعة والنشر. بيروت. ص 8.

    [3] ثريا عبد الفتاح ملحس (1982) منهج البحوث العلمية للطلاب الجامعيين.  دار الكتاب اللبناني. بيروت. ص49-50.

    [4] Fisher, C. (2004). Researching and Writing a Dissertation: A guidebook for Business Students. UK: Pearson Education.

    [5] Ibrahim, W. C. (2004). A guide to Writing Research Proposals: The Experimental Method. Malaysia: UPSI.

    [6] Babbie. E. (2001). The Practice of Social Research. 9th edition.USA: Wadsworth.

    15 تعليق على “إعداد خطة البحث العلمي

    1. شكرا جزيلا ... استفدت كثيرا من هذا العرض. خاصة و انا على عتبة البدء في انجاز بحث التخرج لنيل شهادة الماستر - شريعة اسلامية - بارك الله فيك... و جزاك الله عنا خير الجزاء ....

    2. شكرا علي الإضاءة المختصرة والمفيدة وعلي الامانة العلمية بذكر المراجع مما يدل علي تمكن واضح في تناول الموضوع والإلمام به ، جزاك الله كل خير

    3. ارجو ان يحذو باقي الاقطار العربيه حذوكم ويهتموا بالبحث العلمي في جميع المجالات ,فهي الركيزة الاولى لتطوير المجتمعات.
      كما اشكر لكم جهودكم المبذولة ,ولقد استفدت في بعض الخطوات لترتيب اعداد (خطة البحث)

    4. السلام عليكم
      لقد استفدت جدا من هذا الموضوع، جزاك الله عني كل خير، و أخدت منه بعض النقاط جعله الله في ميزان حسناتك.

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>