الاجتهاد والتجديد نحو تكامل معرفي وتجاوز للثنائيات … عبد الحافظ صحبوض

عبد الحافظ صحبوض: باحث ماجستير الحوار الديني والحضاري، جامعة السلطان مولاي سليمان، المغرب

من المعلوم أن الشريعة الإسلامية تتميز عن غيرها من الشرائع السماوية السابقة، بجملة من الخصائص ولعل أبرزها، كون الإسلام رسالة خاتمة، خالدة، شاملة، ومحفوظة من التبديل والتحريف.
غير أن الناظر في نصوص الوحي قرآنا وسنة، يجد أنها نصوص محدودة ومتناهية، فعدد آيات القرآن الكريم معدودة، وعدد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم معلومة، وفي المقابل نجد أن عدد القضايا والنوازل والمستجدات غير محدودة ولا متناهية، وهنا يطرح سؤال: كيف للمتناهي والمحدود أن يحيط باللامتناهي واللامحدود؟.
للإجابة عن هذا السؤال، لابد من أن نشير إلى أن أغلب نصوص الوحي جاءت مجملة وعامة تسطر المبادئ العامة والمقاصد الكبرى للشريعة، وبالتالي فهي بتعبير الأصوليين نصوص ظنية الدلالة، وقل ما تجد نصوص قطعية الدلالة، وحتى هذه الأخيرة لابد من الاجتهاد في تنزيلها حسب اختلاف الظروف والبيئات.
من هذا المنطلق، يمكن القول بأن عملية الإجتهاد والتجديد تستمد مشروعيتها من خصائص الشريعة الإسلامية، فخصيصة الختم والخلود، تستدعيان استمرار عملية الإجتهاد في فهم النصوص وتنزيلها على المستجدات حسب اختلاف الظروف والعصور والأمصار، وبالتالي فعملية الاجتهاد والتجديد تجد نفسها أمام رهان وتحدي تحقيق الخصائص القرآنية للشريعة الإسلامية وللأمة الإسلامية في الوقت نفسه.
ومن هنا يطرح الإشكال التالي:
– كيف نجعل من عملية الاجتهاد والتجديد فعلا تحقق خصائص الشريعة الإسلامية ؟
– وكيف يمكن للأمة الإسلامية أن تحقق خصائصها القرآنية، من حيث كونها “خير أمة أخرجت للناس”، وشاهدة على باقي الأمم ” وتكونوا شهداء على الناس”، من خلال عملية الاجتهاد والتجديد؟.
الاجتهاد المطلوب:
يقول الدكتور طه جابر العلواني: ” حين ننادي – اليوم – بالاجتهاد فإننا لا نريد من الاجتهاد، الاجتهاد الأصولي المخصوص الذي عبر علماء الأصول عنه بأنه (بدل الفقيه جهده للوصول إلى معرفة حكم فقهي)، ولكن نعني بالاجتهاد ذلك المنهج العقلي الذي يتيح للعقل المسلم المشاركة في الجهاد، إنه جهاد العقل من أجل التكوين الفكري وبناء العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، وإيجاد الشخصية الإسلامية، الاجتهاد في مختلف فنون العلم ومتنوع جوانب المعرفة، الاجتهاد الذي يعبر عن قدرة الأمة على تجديد خلاياها الفكرية وإعادة نسيجها العقلي… لتحقيق التجدد الدائم والنهضة المستمرة والشهود الحضاري وتمكين الأمة من القيام بواجب الاستخلاف، والحصول على شرف التمكين الإلهي، واستكمال مقومات الخيرية والوسطية” .
الاجتهاد قرين الجهاد:
في هذا السياق يقول الدكتور طه جابر العلواني “كلاهما من مادة واحدة ومن معدن واحد وكلاهما يهدفان لغايات واحدة هي إخراج من شاء الله تعالى من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى وحده، ومن جور الانحرافات والضلالات إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا والعقول القاصرة لأبنائها إلى سعة الإسلام وآفاق القرآن الفسيحة الفيحاء.
الاجتهاد والتجديد نحو تكامل معرفي:
إن الأمة تحتاج إلى فقه جامع شامل شمول الإسلام، ولن يتأتى ذلك إلا بعملية اجتهادية تجديدية جامعة و شاملة، تجمع بين القراءتين (الكتاب المسطور والكتاب المنظور)، وتنفتح على مختلف العلوم الفنون، كالعلوم الحقة، والعلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها، وفي هذا السياق يقول بديع الزمان النورسي في رسائله: “إن أعظم سببٍ سَلَب منا الراحةَ في الدنيا وحَرَمَ الأجانبَ من سعادة الآخرة وحجب شمسَ الإسلام وكَسفَها، هو سوء الفهم وتَوهُّم مناقضةِ الإسلام ومخالفتِه لحقائق العلوم. فيا للعجب كيف يكون العبد عدو سيده، والخادمُ خصم رئيسه، وكيف يعارض الابن والده! فالإسلام سيد العلوم ومرشدها ورئيس العلوم الحقة ووالدها”.

تجاوز النظرة التجزيئية للفقه ولآيات الأحكام:
إن مصطلح “الفقه” ليس مفهوما جزئيا وضيقا كما يتداول اليوم، حيث أنه لا يكاد يتجاوز مجالين اثنين ما يسمى “فقه العبادات” و”فقه المعاملات”، في حين أن الاستعمال القرآني لهذه الكلمة جاء عاما وشاملا كما في قوله تعالى ” ليتفقهوا في الدين”، فالتفقه هو المعرفة العميقة والقويمة، بالأدوات والمناهج التي تكسب هذا المستوى من المعرفة. ولا يعني التفقه مجرد معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية، وإنما معرفة المنظومة الإسلامية في أصولها وقواعدها العامة، وفي منظوراتها الشاملة التي ترتبط بالإنسان والمجتمع والحياة.
النظرة التجزيئية لآيات الأحكام
فكما أن الفقه نُظر إليه نظرة تجزيئية حيث تم حصره في جانب العبادات والمعاملات وفي الفقه العيني الفردي، فإن ذلك ناتج عن النظرة التجزيئية لآيات الأحكام حيث تم حدها وحصرها في زاوية ضيقة، وفي هذا السياق يقول الدكتور سعيد شبار في مقال له بعنوان “منهجية الاستمداد التكاملي لمعارف الوحي”: “لا يخفى أن ثمة خللا كبيرا في قضية استمداد الأحكام من الوحي، إذ نُظِر إلى الأحكام من خلال دائرة ضيقة، لا تكاد تتجاوز قضايا المكلف الفرد والجماعة. ولهذا نُظر إلى آيات الأحكام منحصرة في بضع مئات على الأكثر (حوالي 500)، أو في بضع عشرات على الأقل (حوالي 80). وما تبقى من القرآن هو للأخبار والوعظ والتذكير.. إلخ. في حين أن كل آية هي حُكمٌ ناطق وحكمة بالغة ووعظ واعتبار وهداية وإرشاد.. سواء كانت حكما تكليفيا مباشرا أو خبرا اعتباريا أو غير ذلك”.
خاصية الشمول وضرورة تجاوز الثنائيات:
إن الحديث عن الشمول والتكامل يقتضي عدم وجود تناقض و تصادم بين مختلف العلوم ومجالات الحياة، غير أن الناظر في تاريخ الأمة يجد ثنائيات يُتوهم أنها متناقضة ومتصادمة، نذكر من هذه الثنائيات:
ثنائية العقل والنقل: سادت هذه الثنائية في الفكر الإسلامي لردح من الزمن مما أدى إلى ظهور طوائف متناقضة ومتصادمة، طائفة حرفية نصوصية محضة تأخذ مرادها من النص مباشرة، وطائفة عقلانية صرفة تقدم العقل على النقل في منهجها الاستدلالي، في حين أن الأصل في المعرفة أن تستمد من (النص والعقل والواقع) بشكل متكامل بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وهو ما نادى به ابن تيمية في كتابه: “درء التعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول”.
الدين والدولة: هذه الثنائية ترجع بداياتها إلى الفصام الواقع بين قيادتي الأمة، الفكرية والسياسية فصار أولو الأمر(العلماء والأمراء) فريقين متصارعين غير متكاملين، كما كان يشملهم اصطلاح “أولي الأمر” في القرآن الكريم، الأمراء بسلطانهم والعلماء ببرهانهم. واستبدل التكامل الذي كان بين الفريقين إلى صراع خفي بينهما على الشرعية وكسب ولاء الأمة والحصول على تأييدها .
ولما كانت الغلبة للسلطة السياسية على السلطة الفكرية انفصل الشرع عن الحكم واتسعت الهوة بين الاجتهاد والقرار السياسي، في حين أن الأصل في عملية الاجتهاد أن تكون في أحضان المؤسسة الحاكمة، لذلك ربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين الاجتهاد والحاكم في قوله: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا اجتهد ثم أخطأ فله أجر”.
وغير ذلك من الثنائيات التي ينبغي تجاوزها من قبيل: “حكمة/شريعة، عبادة/عادة، “حديث/قديم”، “ديني/مدني”، “شرعي/عقلي”، “أصيل/معاصر”.. وكأنه لا علاقة بينها، في حين أن الإسلام كما يقول اسماعيل راجي الفاروقي: “لا يقسم العالم إلى مقدس ومدنس، ولا يصنف قيم الحياة إلى ديني وعلماني، ولا يميز بين الناس على أنهم رجال دين ورجال دنيا، فكل هذه التصنيفات في نظر الإسلام تصنيفات مصطنعة، تنتمي من ناحية تاريخية على تقاليد غير إسلامية” .

اترك ردا