موانع تحقيق التربية الإيمانية لدى الشباب .. نذير بن عمر

نذير بن عمر: باحث دكتوراه بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية – جامعة الزيتونة تونس

مقدمة:
لما كان الجهل والغفلة، والرفقة السيئة، واتّباع الشهوات من أهم العقبات التي تصدّ عن تحقيق التربية الإيمانية لدي الشباب المراهق، فإنّ البحث اليوم عن الوسائل التي تعين على تحقيق تلك التربية الإيمانية في نفوس الشباب أصبحت ضرورة ملحة، بسبب التحديات النفسية، وطغيان الفلسفات المادية والوجودية، وبالتالي كان لزاما البحث عن تلك الوسائل، ولكن الأجدر والأولى أن نبين أهم الموانع التي تعتبر أسباباً لشقاء الإنسان في الحياة الدنيا والآخرة، فهذه الموانع بمثابة أغشية تحجب القلب من إدراك وفهم غاية وجوده، وتجعل الإنسان جاهلاً، فتهدّد هذه الموانع مصيره نحو السعادة الأبدية، في جنّة الخلد، وبالتالي من خلال وعي المؤمن بخطورة هذا الأمر وجب عليه أن يسعى سعيًا حثيثًا إلى المسارعة في إصلاح نفسه لإزالة هذه المهالك بكثرة تذكر هادم اللذّات، وبكثرة محاسبة النفس قبل أن يحاسب في يوم لا ريب فيه.
أولاً: مانع الصحبة السيئة.
الصحبة السيئة والبيئة الفاسدة التي يعشها الفرد وخاصة الشباب من أخطر المعوقات التي تعيقه في السير إلى الله تبارك وتعالى والتقرب إليه بفعل الصالحات والقربات، ولأهمية هذا الموضوع فقد أمر الله -عز وجل- رسوله – صلى الله عليه وسلم – في اختيار من يجالسهم ويصاحبهم فقال سبحانه وتعالى:﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ الكهف:28.
يقول ابن كثير -رحمه الله-: أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء، وقوله:﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾،أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾ أي أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع ولا تكن مطيعا ولا محبا لطريقته ولا تغبطه بما هو فيه. انظر: تفسير ابن كثير، دار طيبة، 1422هـ، 2002م، م3، ص110.
من الأمثلة التي ذكرها القرآن الكريم على تأثير الصحبة، وبيان خطورة الصحبة على الإنسان، وأنها قد تورده المهالك قوله تعالى:﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾ . الفرقان:27-29.
ففي هذه الآية يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول- صلى الله عليه وسلم – وما جاء به من عند الله من الحق المبين الذي لا مرية فيه وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم وعض على يديه حسرة وأسفا. انظر:تفسير ابن كثير، 3م، ص421.
وسبب نزول هذه الآية كما يذكر أهل التفسير أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط ذلك أنه كان أسلم أو جنح إلى الإسلام وكان أبي بن خلف الذي قتله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده يوم أحد خليلاً لعقبة فنهاه عن الإسلام فقبل نهيه فنزلت الآية ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انظر: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف أبي زيد الثعالبي، تفسير الثعالبي، تحقيق: محمد علي معوض و عادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت ، لبنان، 1418هـ، 1997م ، م3، ص 98.
لكن الشاهد من القصة أنه أطاع خليله وقرينه، فكان سبباً في هلاكه وبعده عن الإيمان فضلاً عن العمل الصالح، وكان سبباً في حصول الندم والحسرة له يوم القيامة.
ففي هذه الآية تنبيهٌ لكل إنسان على تجنب قرين السوء، قال الشنقيطي- رحمه الله-:” وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء، قد يدخل قرينه النار، والتحذير من قرين السوء مشهور معروف”. انظر: محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان، اشراف بكر أبو زيد، ط1، 1426هـ، مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي، دار عالم الفوائد، م 6، ص 82.
وقال سبحانه وتعالى:﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴾ الزخرف:36-38.
القرين: هو المصاحب الملازم شبهت الملازمة الغالبة بالقرْن بين شيئين بحيث لا ينفصلان. انظر: التحرير والتنوير، طاهر بن عاشور، م 12، ص113.
فالقرين والصاحب السيئ سواء كان من شياطين الإنس أو الجن يعوق صاحبه عن كل ما هو خير وصالح، ويصدونهم عن الهدى والنور.
فقوله:﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيل ِ﴾ أي الشياطين يصدّون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحقّ، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته . انظر: تفسير الطبري، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية و الإسلامية، دار هجر، م21، ص605.
فمن ﴿ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ يتعامى ويتغافل ويعرض، والعشا في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا: عشا البصيرة، ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ أي صاحب ملازم له يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم . انظر: تفسير ابن كثير، م7، ص 228.
فالمقصود من الآية التحذير من قرين السوء وعواقبه، وذم الشياطين ليعافهم النّاس ويحذروهم، لأنهم يصدون عن كل خير، لذلك يتمنى يوم القيامة أن يبتعد عنه كما بين المشرق والمغرب من البعد. فوظيفة قرناء السوء من الشياطين أن يصدوا قرناءهم عن سبيل الله، بينما هؤلاء يحسبون أنهم مهتدون وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين، أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة؛ ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيتوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم… وفي نهاية المطاف ينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال، وأوهمه أنه الهدى! وقاده في طريق الهلاك، وهو يلوح له بالسلامة! ينظر إليه في خنق يقول:﴿ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ﴾ يا ليته لم يكن بيننا لقاء، على هذا البعد السحيق . انظر:
بتصرف من ظلال القرآن، السيد قطب، م 6، ص 355.
فهؤلاء القرناء يصدونهم بالتزيين والتحسين لكل المعاصي حتى ينغمسوا في كل إثم، ويدخلوا في كل باطل وشر، ويضلوا عن الصراط المستقيم، فالصحبة السيئة والبيئة الفاسدة التي يعيشها مع هؤلاء القرناء تعيق الإنسان عن الأعمال الصالحات بل قد تعيقه عن الإيمان.فالصديق السيئ يحث صاحبه على فعل المنكرات وترك الأعمال الصالحات، فلكما أراد أن يتوب ويرجع كان صاحبه مانع له يزين له المنهيات، ويصعب عليه فعل الخيرات، فيتبين له يوم القيامة حقيقة هذا الصاحب، وتتحول هذه الصداقة التي كانت في الدنيا إلى عداوة وكراهية يوم القيامة، ويبقى أهل الإيمان أهل الرفقة الحسنة هم المتحابون والمتخالون.
ويذكر الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حقيقة الصحبة الصالحة، والصحبة السيئة فيقول: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا ربّ إن فلانا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ ويخبرني أني ملاقيك يا ربّ فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما فيقول: ليثن أحدكما على صاحبه فيقول: يا ربّ إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ، ويخبرني أني ملاقيك، فيقول: نعم الخليل، ونعم الأخ، ونعم الصاحب: قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا ربّ إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشرّ، وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فيقول: بئس الأخ، وبئس الخليل، وبئس الصاحب. انظر: الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، م21، ص 637، وبنحوه في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية، ط1، 1424هـ، 2003م، م 9، ص 105.
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة وأهمية الصحبة فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال:« الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ». انظر: أخرجه الترمذي في السنن، م 4، ص 589، حديث رقم 2378، وأبو داود في السنن، م 2، ص 675، حديث رقم 4833. وقال الألباني: حديث حسن، انظر: الجامع الصغير وزيادته، م1، ص586، حديث رقم 5858.
وقوله:« على دين خليله » أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته « فلينظر» أي يتأمل ويتدبر من يخالل فمن رضي دينه وخلقه اتخذه خليلاً ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة. انظر: محمد شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية، بيروت، م 13، ص 123.
ونجد سلف هذه الأمة يقدم النصح بحسن اختيار الرفيق والجليس لما في ذلك من النفع لهذا الإنسان،وأن الإهمال لهذه القضية يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها فعن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال”: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه واعتزل عدوك وأحذر صديقك إلا الأمين من القوم ولا أمين إلا من خشي الله فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى. انظر: أبي حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ط1، 2004م، دار الافاق العربية، م 2، ص171.
وقال معاذ رضي الله عنه: إياك وكل جليس لا يفيدك علما. انظر: يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، أدب المجالسة وحمد اللسان وفضل البيان و ذم العي وتعليم الأعراب، ص2.
وهذا الأحنف بن قيس يبين فضل الجليس الصالح فيقول:” الكلام بالخير أفضل من السكوت والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل والجليس الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من جليس السوء”. انظر: ابن عبد البر، التمهيد، تحقيق محمد بوخبزة وسعيد أحمد أعراب، 1406هـ، 1986م، م 17، ص 447.
ومن جملة ما سبق يتبين لنا آثار الصحبة السيئة على الإنسان:
1- المرء مع من أحب: فالمرء يحشر يوم القيامة مع من أحب، فمن كان مصاحب للأشرار حشر معهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:« المرء مع من أحب ». انظر: أخرجه البخاري، م 5، ص2283، حديث رقم 5816، وأخرجه مسلم، م 4، حديث رقم2640، ص 2034.
2- الإعانة على المعصية وعدم تقوى الله وطاعته.
3- الغفلة وإتباع الأهواء: فصحبة الغافلين تعين على الغفلة قال تعالى:﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ الكهف: 28.
وقال تعالى:﴿ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ النجم:29.
4- يهون عليه المعصية، ويزين له فعل المنكرات.
5-المعيشة الضنك والحياة التعيسة، والقلق النفسي.
ولذلك يجب على الإنسان أن ينظر إلى من يصاحب فإن كان من أهل الخير والصلاح فليحمد الله -عز وجل- على ذلك، ويداوم عليه، وإن كان غير ذلك فليراجع نفسه فهو على خطر عظيم حتى لا يلحقه الندم والحسرة يوم لا ينفع صديق ولا حميم
ثانياً: مانع حبّ الشهوات.
تعدّ حب الشهوات من صفات الكفار لقوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾ يونس:7. ففي هذه الآية إشارة إلى خلو قلوبهم عن طلب اللذّات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية واستغراقه في طلب اللذّات الجسمانية، ولاكتفائه بها واستغراقه في طلبها. انظر: فخر الدين الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ط1، 1401هـ، 1981م، دار الفكر، بيروت، لبنان، م 6، ج11، ص41.
فالاشتغال باللذات النفسية – لأنّ الشهوة متعلقها من داخل النفس وضررها يكون أكثر ظهورا في الجانب الخارجي- وبالتالي يصيّر الناس كالبهائم والأنعام لا يتدبّرون ولا يبصرونه ولذل يصبح في عمي وجهل كبيرين في أمر الآخرة، فمن الشهوات المتاع والترف، وهذا الأخير يفسد القلب ويبلده، ويكون ضمن الابتلاء بالنعمة حين لا يستيقظ الإنسان ويراقبها ويصلها دائمًا بالله بدليل قوله تعالى:﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ الأنبياء:44، وقال ذو الجلال:﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ الروم: 7، فظاهر الحياة الدنيا محدود صغير مهما بدا للناس واسعًا وشاملاً، الحياة طرف صغير من هذا الوجود الهائل تحكمه نواميس وسنن موجودة ولا يتّصل حسه بالنواميس والسنن. انظر: سفيان بن الشيخ الحسين، دحض الشبهات حول عقيدة الآخرة، ص30.
التي تصرفه أيظل ينظر وكأنّه لا يرى، ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة، ولكنّه لا يدرك حكمته، ولا يعيش لها ومعها، وأكثر الناس كذلك، لأنّ الإيمان الحقّ هو وحده الذي يصل ظاهر الحياة الدنيا بأسرار الوجود، وهو الذي يمنع العالم روحه المدرك لأسرار الوجود، والمؤمن من هذا الإيمان قلّة في هذا المجموع الشامل من الناس، ومن ثمّة تظلّ الأكثرية محجوبة عن المعرفة الحقيقية، فالذين لا يدركون حكمة النشأة ولا يدركون ناموس الوجود يغفلون عن الآخرة ولا يقدّرونها قدرها ولا يحسبون حسابهم .
ومن نتائج إتباع الشهوات الذي يذكرها أحد الحكماء وهو يوصي رجلاً فيقول: “آمرك بمجاهدة هواك فإنّ الهوى مفتاح السيئات وخصيم السيئات، وكلّ أهوائك لك عدو وأهوالها هو يمثّل لك الإثم في صورة التقوى، ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك، إلاّ بجزم ولا يشوبه وهن، وصدق لا يطمع فيه تكذيب ومضاء لا يقاربه التثبيط، وصبر لا يفتاله جزم، ونية لا يتقسمها التصنيع”. انظر: أبو حامد محمد الغزالي، مكاشفة القلوب المقرّب إلى حضرة علاّم الغيوب، محمد خير طعمة حلبي، دار صبح، ط1، لبنان، 2006م، ص336-337.
فأثبت القرآن أن للنفس هوى يميل بها إلى ما تحبّه من مطالب وحاجات أو متع ، فقال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ النازعات: 40-41، وقال تعالى في معرض الكلام عن المشركين:﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ النجم: 23، ولا يتحقّق ضبط هذه الشهوات إلاّ بالإيمان باليوم الآخر بما فيه من نعيم وعذاب وخلود، فلا شيء يقنع الإنسان كالإيمان بأن ما يتركه في الدنيا يلقاه في الآخرة مضاعفًا من النعيم، وأنّ ما بعصي فيه الله اندفاعًا وراء شهواته يعذّب عليه عذابًا لا تطيقه النفوس والأبدان، لذلك كان التذكير الدائم باليوم الآخر، لأنّه هو الثقل الذي يعادل جاذبية الشهوات وتفلتها المستمرّ. انظر: زكريا إبراهيم الشلول، أثر العقيدة الإسلامية في سلوك الإنسان، ص240.
وعليه يمكن لنا القول أنّ هذا العامل أي عامل حبّ إتّباع الشهوات يعتبر من أكبر العوائق التي تقف حاجزا أمام عدم تحقيق التربية السليمة والصحيحة للشباب، وخاصة أمام السيل الجارف للتطور التكنولوجي؛ بحيث أصبحت كل الوسائل الإعلامية خاصة التي تسيطر عليها أيادي خفية تعمل على نشر الإباحية والرذيلة بين الأفراد، والأسر، والمجتمع والمجتمعات، وبالتالي ينبغي على كل المتخصصين والمربين السعي لتدارك هذا الأمر قبل فوات الآن، لما تسببه من شتات في القوى الذهنية وضعف الذاكرة، وتعطيل القدرات، وزوال خلق الحياء والعفة، وهذا يؤثر على فئة الشباب باعتبارهم الشعلة المحركة لعجلة النمو والتقدم.
ثالثاً: مانع الغفلة.
إنّ موجب الخسران يوم القيامة، هو أنّ الله وصفهم بصفة الغفلة وفي ذلك يقول فخر الدين الرازي في تفسيره قول تعالى:﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ الأعراف: 179، مبيّنًا أثر الغفلة: “واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله وصفهم بصفة الغفلة أي أنّه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها وهذه الصفة مانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات ومعلوم أنّه تعالى إنّما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بضاعته سعادات الآخرة، فإذا حصلت الغفلة عظم خسرانه”.
انظر: فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، م20، ص126.
تعد الغفلة من أعظم الأسباب التي يحرم بها العبد من خير الدنيا والآخرة، وهي صفة مضادة للعلم المضادة للإرادة والعزيمة، وقد ذمّ الله سبحانه وتعالى الغافلين ونهى عن طاعتهم، قال تعالى:﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾ الأعراف: 20.
وقال تعالى:﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ الكهف: 28، وقال أيضا:﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ الأعراف: 179. وأنّها تبعد العبد عن الله، وتجرّه إلى المعاصي وتبلد الذهن، وتسدّ أبواب المعرفة؛ لأنّ المقصود بالغفلة عدم إدراك الشيء مع وجود ما يقتضيه بمقتضى متابعة النفس على ما تشتهيه، بقلّة التحفّظ والتيقظ، فيفقد الشعور بما يجب أن يشعر. انظر: المصدر نفسه، م11، ص510.
وفي الأخير نقول أنّ الغفلة لا تقل هي الأخرى عن سابقتها، فهي مانع من موانع التي تقف أمام تحقيق التربية، وبالتالي ينبغي على المرشدين والمربين بيان خطر الغفلة في نفوس الشباب حتى يدركوا حقيقتها، ويتمكنوا من الخروج منها، والسبيل لتحقيق ذلك هو غرس في نفوس الشباب حب العلم، وحضور مجالس الذكر، والمسارعة إلى التوبة، والتقوى التي رأسها مراقبة الله تعالى، وتذكر الموت وشدته، وذكر القبر والبلى، وأعظم العلاجات النافعة على الإطلاق هو قراءة القرآن الكريم بالتدبر، وبتحقيق كل هذا يمكن الشباب من الخروج من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة.

اترك ردا