هل التفلسف واجب شرعا ؟ (دراسة في موقف ابن رشد الحفيد) … محمد سعيد زكري

د محمد سعيد زكري: باحث في الفلسفة والمنطق – مركز ابن غازي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية ( المغرب)  

  • مقدمة

يتأسس موضوع  هذه المقالة على المناظرة التي دارت( وان بشكل غير مباشر )  بين الغزالي الذي ألف كتابه “تهافت الفلاسفة” [1] في القرن الحادي عشر الميلادي، ليهاجم فيه آراء الفلاسفة ومعتقداتهم، حيث قال “ما دفعني إلى تأليف هذا الكتاب أنني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، وقد رفضوا وظائف الإسلام، واستحقروا شعائر الدين، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، ولا مستند لضلالهم إلا تقليد سماعي، وأن مصدر ضلالهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط وأفلاطون وأرسطو وأمثالهم، فلما رأيت هذا العرق من الحماقة انتدبت لتحرير هذا الكتاب[2] . وابن رشد الذي واجه آراءه بعد ذلك بالنقد والتمحيص، حيث ألف كتاب تهافت التهافت [3] للرد على الغزالي، وذلك في القرن الثاني عشر الميلادي .

وقد أشار ابن رشد في مقدمة كتابه هذا أن الغرض منه أن يبين مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب تهافت الفلاسفة لأبى حامد في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن رتبه اليقين والبرهان .

والأقاويل المثبتة كما عرفها أرسطو وقال بها ابن رشد: من زاوية الصدق واليقين هي:

الأقاويل البرهانية. / الأقاويل الجدلية./الأقاويل السفسطائية. /الأقاويل الخطابية./الأقاويل الشعرية.

وفي هذا الكتاب يخالف ابن رشد كلا من الغزالي وابن سينا  وغيرهما من الفلاسفة الرأي أحياناً، وأحيانا أخرى يوافقهم، يقول ابن رشد في كتابه فصل المقال عند الرجوع إلى كتب السلف (ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرناهم منه وعذرناهم) [4]

2  تعريف ابن رشد للفلسفة

ومن أهم المواضع التي تكلم فيها ابن رشد عن الفلسفة وكيف يفهمها كتابه فصل المقال فيما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال ” حيث قال ” إذا كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني : من جهة ماهي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وإنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك،فيبين أن مايدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع وإما مندوب إليه[5]

  وحاصل تعريف ابن رشد للفلسفة أنه عرفها بأنها النظر العقلي بشرط معرفة الخالق حالا أو مآلا

3 : استدلال ابن رشد على طلب الاعتبار العقلي

تعالج هذه المقالة قضية الصلة بين الشريعة الإسلامية والفلسفة، وتنطلق من طرح السؤال عن السلوك الفلسفي هل هو مباح أم منهي عنه أم واجب أم مندوب ؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال –في نظر ابن رشد- ضرورية ابتداء لمن يريد القيام بإصلاح فكري يكون للفلسفة دورها فيه. ذلك أنه لو جاءت الإجابة بالتحريم كما ذهب إلى ذلك مالكية عصره  لأصبحت مهمة الإصلاح عسيرة، أما إذا جاءت الإجابة بالإباحة بحيث يتساوى فيها الفعل والترك  فيمكن أن لا يكون لها دور في الإصلاح الفكري إذا ما اختير تركها، ولو جاءت الإجابة بالندب فسيكون دورها محدودا إستحبابيا، ولكن إن كانت الإجابة بالوجوب فعندها سيكون للفلسفة دور رئيس في الحياة[6].

وقد كان الرأي الذي ذهب إليه ابن رشد هي أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها حيث قال ” إذا كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع وهذا هو فعل التفلسف الذي يتم الاعتبار فيه ب”استنباط المجهول من المعلوم  الذي هو ممارسة للقياس العقلي أي لعلم المنطق”[7].

وشرع في الاستدلال على أن الاعتبار مطلوب شرعا، فقال : ” فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلب معرفتها به، فكذلك بين في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى، مثل قوله تعالى : ( فاعتبروا يأولي الأبصار[8] ) وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي أو العقلي أو الشرعي معا. [9] فاستنبط من الأمر بالاعتبار وجوب معرفة أنواع الاستدلال العقلي، أي المنطق بمباحثه ومسائله، من قياس برهاني، وخطابي، وغيرهما، واستدل ابن رشد على ذلك بقوله:” فإنه كما أن الفقيه يستنبط من الأمر بالتفقه في الأحكام وجوب معرفة المقاييس الفقهية على أنواعها، وما منها بقياس وما منها ليس بقياس، كذلك يجب على العارف أن يستنبط من الأمر بالنظر في الموجودات وجوب معرفة القياس العقلي وأنواعه، بل هو أحرى بذلك لأنه إذا كان الفقيه يستنبط من قوله تعالى ( فاعتبروا يأولي الأبصار) وجوب معرفة القياس الفقهي[10]“، فكان بالحري” أن يستنبط من ذلك العارف وجوب معرفة القياس العقلي”[11] واستلزم لذلك فتوى وجوب النظر في كتب القدماء والاستعانة بها حتى تكتمل المعرفة بالفلسفة وعلوم المنطق، لأن وقوف واحد من الناس –في نظره- على المعارف كلها من تلقائه  وابتدائه عسير أو غير ممكن. يقول ابن رشد ” فقد تبين من هذا أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر فيها من كان أهلا للنظر فيها، وهو الذي جمع بين أمرين أحدهما ذكاء الفطرة، والثاني العدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية، فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة، وذلك  غاية الجهل والبعد عن الله  تعالى “[12]، وكأنه يريد من ذلك إيجاب النظر في كتب أرسطو والاستفادة منها في مختلف البحوث التي بحث فيها من طبيعيات وإلهيات…الخ بشرط أن تكون موافقة لشرائط البرهان. ويتدرج ابن رشد في فتواه بوجوب الاشتغال في الفلسفة والنظر في كتب القدماء منهم ليصل إلى نتيجة أن الفلسفة التي تقوم على النظر البرهاني لاتتعارض نتائجها مع المعرفة الواردة في الشريعة الإسلامية لأن شريعتنا هذه الإلهية حق وما نصل إليه من معرفة  بطريق النظر البرهاني حق و الحق -كما يقول- ” لايضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”[13].

4-خلاصة 

هذا هو التصور الكلي الذي انطلق منه ابن رشد في بناء موقفه من التفلسف، فهو يرى أن دراسة الفلسفة والمنطق والنظر في كتب القدماء واجبة شرعا لمن كان أهلا لها، والتفلسف البرهاني المنضبط بالضوابطالشرع، لايخالف الشريعة وما جاء فيها، بل يوافقها ويشهد لها ويدعهما، كما توافقه الشريعة وتشهد له في الوقت نفسه، وهذا هو تقرير الصلة بين الحكمة والشريعة من الاتصال .

الهوامش:

[1] ـ الغزالي (2004) تهافت الفلاسفة  ص 41 تقديم وتعليق د صلاح الدين الهواري ط المكتبة العصرية  صيدا بيروت لبنان

[2] ـ المصدر نفسه ص 41

[3] ـ   ابن رشد(2001)  تهافت التهافت  ص 105  تحقيق  د مصطفى الحداد و د أحمد محفوظ تقديم وإشراف  د محمد عابد الجابري  مركز دراسات الوحدة العربية لبنان

[4] ـ ابن رشد(1999)  فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال  ص 67 تحقيق د محمد عبد الواحد العسري  مركز دراسات الوحدة العربية

[5] ـ المصدر نفسه ص 86

[6] ـ  محمد سعيد زكري (2016)  المناظرة الكلامية و الفلسفية عند ابن رشد سؤال النظر و المنهج  ص  45  ط1 المغرب.

[7] ـ المصدر نفسه ص 86

[8] ـ سورة الحشر الأية 2

[9] ـالمصدر نفسه ص 86

[10] ـ المصدر نفسه ص 86

[11] ـ المصدر نفسه ص 89

[12] ـ للمزيد من التوسع انظر كتابنا ابن رشد و الكلامية الجديدة دراسة في المنهج الرشدي  ص 36  ط1 المغرب 2016

[13] ـ  ابن رشد فصل المقال ص 90

5-لائحة المصادر والمراجع :

  • القرآن الكيرم
  • أبوحامد الغزالي (2004) تهافت الفلاسفة تقديم وتعليق د صلاح الدين الهواري ط المكتبة العصرية  لبنان
  • ابن رشد(2001) تهافت التهافت  تحقيق  د مصطفى الحداد و د أحمد محفوظ تقديم وإشراف  د محمد عابد الجابري  مركز دراسات الوحدة العربية لبنان
  • ابن رشد(1999) فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال  تحقيق د محمد عبد الواحد العسري  مركز دراسات الوحدة العربية  لبنان
  • محمد سعيد زكري (2016) المناظرة الكلامية و الفلسفية عند ابن رشد سؤال النظر و المنهج    ط1 المغرب
  • محمد سعيد زكري( 2015) ابن رشد و الكلامية الجديدة دراسة في المنهج الرشدي ط1 المغرب 2016

اترك ردا