العقلانية في النظرية التوليدية .. احباري إكرام

احباري إكرام: باحثة دكتوراه – اللغة والتراث والتهيئة المجالية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس- المغرب

مقدمة: 
يحمل المنهج العقلاني في طياته العديد من الإشكالات الفكرية والفلسفية، جعلت منه محط اهتمام الباحثين اللغويين والفلاسفة، بأسسه البناءة وطرائقه الاستنتاجية العلمية الدقيقة التي استلهمت معظم الميادين والمجالات، وجعلت منه منهجا لدراستها، وآلية لتحليل أفكارها؛ وهذا ما يظهر لنا في النظرية التوليدية التي قطفت من ثمار المنهج العقلاني، لمعالجة قضاياها اللغوية بمختلف مستوياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والمعجمية؛ منتقدة بذلك السلوكية ذات المنهج التجريبي المبني على الملاحظة والتجربة. وسنحاول في هذا البحث تحديد آليات المنهج العقلاني وأهميته في البحث العلمي، من خلال إبراز مبادئه وضوابطه في النظرية التوليدية.
1-المنهج العقلاني والتوليدية
تعد العقلانية من بين المناهج الرئيسة، التي تم الاعتماد عليها في معظم الدراسات التي تريد إعادة قراءة أفكارها وتطوير مجالاتها وفق منهجيات منطقية رياضية، قصد إبراز تصوراتها ومعارفها، وتحديد كل ما يتعلق بفروعها وتوضيح التغييرات التي تقع عليها وتحليلها ثم تركيبها، والاعتماد على الأدلة والبراهين لبلوغ حقائقها، مما تكون للإنسان قدرة عقلية تغطيها مدركات وخبرات متراكمة، جعلت منه منهجا ليس حكرا على مجال دون آخر، لأن له آليات ومبادئ يمكنها أن تعالج مسائل في شتى ميادين البحث العلمي؛ وهذا ما يمكننا معاينته من خلال دراستنا للنحو التوليدي الذي حقق ثورة علمية في الحقل اللساني الحديث، لما جاء به من آراء وتصورات جديدة، وقدرة في تحليل الظواهر اللغوية باستخدام مفاهيم دقيقة؛ ولم تكن النظرية التوليدية لتحظى بهذه المكانة المرموقة، لو لم تكن هناك أرضية خصبة أسهمت في ظهورها وتطورها، ومنطلقات فكرية وفلسفية أغنت نظرياتها ونماذجها بتحليل صوري رياضي دقيق يعمل على تقديم أنظمة وقواعد ذات قدرة تحليلية تفسيرية جد عالية، تميزها البساطة والوضوح.
1-1-المنهج الديكارتي
أحدث المنهج الديكارتي ثورة في الحقول الفلسفية خاصة مع إثبات القضية التحليلية العقلية المسماة بالكوجيطو، التي تعتبر كل ذات مفكرة موجودة في أرض الواقع، وهذا ما يمكننا صياغته بطريقة منطقية على الشكل التالي: [1] كل مفكر موجود (مقدمة كبرى)
أنا (ديكارت) أفكر (مقدمة صغرى)
أنا (ديكارت) موجود (نتيجة)
بين ديكارت من خلال قضيته العقلية “أنا أفكر إذن أنا موجود” وجود الله والعالم الخارجي، مما أحدث ضجة لدى زمرة من الفلاسفة والمناطقة الذين اعتبروا هذه القضية “مجرد كناية عن استدلال قياسي ينسج على منوال القياس الأرسطي، الذي هاجمه ديكارت بشدة” [2]. كما أسهمت أعمال ديكارت في استقطاب مجموعة من العلماء واللغويين الذين استقوا من منابع أفكاره وتصوراته، ولبسوا ثوب العقلانية في جل أعمالهم، وجعلوا من العقل مفتاح المعرفة والاكتشاف، وعلى رأسهم شومسكي الذي اهتم في معالجته للغات البشرية على أسس ومبادئ المنهج العقلاني الديكارتي الذي يظهر بشكل واضح في كتابه اللسانيات الديكارتية سنة 1966، الذي تناول خلاله أبرز القضايا المتعلقة بالفكر والعقل الذي يعد قوة فطرية مشتركة لدى جميع البشر، وإليه ترجع المعارف الحقيقية واليقينية، وبفضله تنسج التصورات والتصديقات الحاصلة في النفس بشكل تلقائي.
1-2-قواعد المنهج الديكارتي
يبنى المنهج الديكارتي على أربع قواعد بسيطة ويقينية ووثيقة، قطفها من العلوم الرياضية والهندسة، لاستخدامها في دراسة مختلف موضوعات البحث العلمي، حددها في قاعدة البداهة والتحليل والترتيب والإحصاء، وكلها قواعد تقود الباحث إلى إبراز الخطوات التي سيسلكها في أبحاثه العلمية.
1-2-أ-قاعدة البداهة
حدد رونية ديكارت قاعدة البداهة في قوله:” ألا أتناول أي شيء بأنه حق، ما لم أعرف جليا أنه كذلك، أي أتجنب بكل عناية السرعة والسبق في الحكم، وألا أقبل في أحكامي إلا ما كان متميزا وبجلاء في ذهني، وألا أترك مجالا للشك”[3]، والمقصود من قول ديكارت هو تجنب سلطة الأحكام المسبقة، والعمل على انتقال العقل مما هو معلوم إلى ما هو مجهول حتى نحصل على حقائق يقينية بعيدة كل البعد عن الشك.
1-2-ب-قاعدة التحليل
يعتبر ديكارت أن التحليل هو المنهج الذي يقودنا إلى الاكتشاف ومعرفة المعلومات، والبراهين والحجج التي تسهم في حل القضايا المستعصية وفهمها، عن طريق تحليلها وتقسيمها إلى عدة عناصر جزئية تبسط عملية الكشف عن خيوطها المتشابكة، وتسهل عملية فكها.
1-2-ج-قاعدة الترتيب
تهدف قاعدة الترتيب إلى إعادة تركيب ما تم تحليله من أفكار ومسائل، وإعادة تنظيمها من الأبسط إلى الأشد تعقيدا بمنهج رياضي محكم، حتى تسهل عملية الدراسة واستنباط الأحكام.
1-2-د-قاعدة الإحصاء
يقصد بقاعدة الإحصاء المراجعة النهائية والدقيقة لكل ما تمت دراسته من العناصر، حتى لا نغفل أي جزء منها، لنحصل على نتائج يقينية ومؤكدة.
1-3-مدرسة بوررويال
وجدت مدرسة بوررويال ضالتها في الفلسفة العقلانية، لدراسة اللغة بشكل منطقي وعقلي، وهذا ما يظهر لنا في الأعمال التي اشتهرت بها خاصة كتاب أنطوان أرنولد وكلود لانسلوت، الذي أطلق عليه اسم النحو العام والنحو العقلي، إلى جانب «كتاب فن التفكير من تأليف أرنولد ونيكول عام 1662م، ويعرف أيضا باسم منطق بورت رويال. وعددا من الكراسات في النحو لتدريس اللغات اليونانية والرومانية والمحلية» [4]، وكلها أعمال تهدف إلى نشر المعرفة الجديدة بين المتعلمين، وترسيخ مبادئ النحو العام والنحو المنطقي، لتبسيط دراسة اللغات البشرية وتيسيرها. ويبدو تأثير مدرسة بوررويال واضحا في النحو التوليدي، خاصة فيما يتعلق بوضع قواعد النحو الكلي على جميع اللغات الإنسانية، والاعتماد على التوليد من خلال تشكيل الكلمات لصنع ما لا نهاية من الجمل بواسطة قواعد محدودة، إضافة إلى ذلك اقتبست التوليدية مبدأ الاقتصاد من مدرسة بوررويال، الذي يعد من بين المكونات الرئيسة في برنامج شومسكي الأدنوي الذي يحدد مبادئ القدرة اللغوية وقوانينها، بطريقة مختصرة ومبسطة، وذلك عن طريق تقليص عدد المستويات التمثيلية، والاقتصار على نموذجين اثنين هما الصورة الصوتية والصورة المنطقية.
1-4-أفكار غاليلي
أخذ شومسكي عن غاليلي فكرة استخدام العلوم الرياضية والفيزيائية في مختلف الوقائع اللغوية، بوضع الفرضيات في قالب صوري للوصول إلى نتائج يقينية علمية مجردة، والربط بين الظواهر وإعادة تركيبها، حتى يتمكن الحقل اللساني من تسلق سلم الرقي والتطور، وهذا ما يوضح ” رفض شومسكي التمييز المغلوط بين العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة، وقد عمق شومسكي البحث في العلاقة المنهجية التي يمكنها أن تجمع اللسانيات بالعلوم الطبيعية” [5]، للدور الفعال التي تقوم به القواعد الصورية في دراسة اللغات البشرية.
1-5-آراء هامبولدت
تعد أفكار هامبولدت من بين المنابع التي استقى منها شومسكي معظم مبادئه وأسسه لدراسة اللغة باعتبارها عملا ذهنيا يتكون من بنية داخلية وخارجية، تسهم في التعبير عما يدور في الذهن، مما يجعل الإنسان مميزا عن باقي المخلوقات الأخرى في قدرته على الإبداع وإنتاج ما لا حصر له من الجمل بقواعد صورية محددة.
1-6-المنهج الاستنباطي
يعتبر المنهج الاستنباطي من بين أبرز المناهج العلمية والفكرية والعقلية والاستدلالية، التي تنتقل من فكرة لأخرى، بدءا من الكليات للوصول إلى الجزئيات، عن طريق بناء نظريات ونماذج يطمح من خلالها إلى تفسير الوقائع والتصورات القبلية، فمن مقدمات كبرى صادقة نحصل على نتائج صادقة ويقينية نحو:
كل إنسان فان (مقدمة كبرى صادقة)
سقراط إنسان (مقدمة صغرى صادقة)
سقراط فان (نتيجة صادقة)
وعلى هذا النحو سار شومسكي في دراسته اللسانية، على المنهج الاستنباطي المنطقي، المبني على الحجج والبراهين والأدلة التي توصل إلى المعارف والحقائق المسلم بها.
2-خصائص النظرية التوليدية
خلف شومسكي وراءه أثرا راسخا في الميدان اللساني بنظرياته البناءة وأفكاره القيمة، التي تعالج القدرة البيولوجية الخاصة للدماغ البشري التي تمكنه من اكتساب المعرفة اللغوية المتنوعة، حيث يرى أن كل طفل يولد بجهاز فطري قادر على نشأة اللغة لديه، المتميزة بمجموعة من الخصائص التي جعلت من الأسس الفلسفية نقطة انطلاق لها مثل الإبداعية اللغوية، والكفاية والأداء، والبنية السطحية والعميقة وغيرها من الخصائص التي ميزت الإنسان عن باقي المخلوقات الأخرى.
2-1-الإبداعية اللغوية
اهتمت المدرسة التوليدية بالجانب الإبداعي للغات البشرية، التي تتمثل في قدرة المتكلم على الابتكار وإنتاج عدد كبير من الجمل التي لم يسمعها من قبل، عن طريق تطبيق قواعد تركيبية، تم حصرها في قواعد إعادة الكتابة: [6] (I) الجملة: م س + م ف
(II) م س: أداة + س
(III) م ف: ف + م س
(IV) أداة: ال
(V) س: رجل، كرة، إلخ
(VI) فعل: ضرب، أخذ، إلخ
وتعد قواعد إعادة الكتابة من القواعد الصورية المتناهية والدقيقة، التي اعتمد عليها شومسكي في دراسة الجمل على الشكل التالي: [7] الجملة
(I) م س + م ف
(II) أداة + س + م ف
(III) أداة + س+ فعل+ م س
(IV) ال+ س+ فعل +م س
(V) ال+ رجل+ فعل + م س
(VI) ال+رجل+فعل+ضرب+م س
(VII) ال+رجل+ضرب+أداة+ س
(VIII) ال+ رجل+ ضرب+ال+س
(IX) ال+ رجل+ ضرب+ ال+ كرة
2-2-الكفاية اللغوية
يقصد بالكفاية “مجموع أو نسق من القواعد الباطنية لدى الأفراد، والمكونة لمعرفتهم اللغوية، التي يمكنهم بواسطتها أن يتلفظوا أو يفهموا عددا لا محدودا من الجمل لم يسبق لهم أن أنتجوها أو سمعوا بها من قبل” [8]، ومثال ذلك ما يلي:
(1)- ٭ ناموا الأولاد
(2)- نام الأولاد
يتضح لنا من خلال الجمل السابقة، أن الجملة الأولى هي جملة لاحنة وغير مقبولة، عكس قرينتها في المثال الثاني التي تمتاز بالنحوية والمقبولية لاحترامها لقواعد اللغة العربية.
وعلى هذا الأساس تعتبر الكفاية اللغوية الملكة الذهنية التي تمكن الإنسان من اكتساب القواعد الخاصة بلغته الأولى وإنتاج الجمل، التي تجعل من الإنسان كائنا مميزا عن باقي الكائنات الحية، بهذه القدرة اللغوية الفريدة.
2-3-الأداء الكلامي
يقصد بالأداء الكلامي كيفية استعمال المعرفة الباطنية للقواعد اللغوية في السياق أثناء الكلام، وهي في علاقة تكامل مع الكفاية اللغوية التي تمثل “حقيقة عقلية كامنة وراء الأداء الكلامي الذي ينحرف في الواقع بعض الشيء عنها وذلك لأسباب عائدة إلى ظروف التكلم” [9].
2-4-البنية السطحية والبنية العميقة:
تعد اللغة “كائن حي وظاهرة إنسانية مركبة ومعقدة” [10]، تخضع لمجموعة من القوانين والضوابط، التي تنظمها وتضبطها، وتقوم على تحليلها منطوقة كانت أو مكتوبة، ومن بين المستويات التي تم الاعتماد عليها في هذه الدراسة نجد البنية السطحية والبنية العميقة؛ حيث تتحدد البنية السطحية في التركيب التسلسلي السطحي للوحدات الكلامية المادية، وتعتبر “آخر مرحلة من العملية الاشتقاقية، وتعد المظهر الخارجي للجملة الناتج عن العملية التحويلية…التي تحول البنية العميقة إلى شكلها المنطوق الفيزيائي” [11]، بينما تتمثل البنية العميقة في البنية التحتية والباطنية الحاملة للمعنى والمخزنة في ذهن المتكلم بشكل فطري.
خاتمة
خلاصة القول يعتبر المنهج العقلاني من بين المذاهب الرئيسة، التي تهتم بدراسة العلوم وتنمية مجالاتها وفروعها السياسية والاجتماعية والتاريخية والنفسية والثقافية المرتبطة بالإنسان؛ للرقي بها وتطويرها وإعطائها حيزا أكبر للدراسة، باعتبارها محطة جوهرية في البحث العلمي، وهذا ما يدفعنا إلى التنقيب في أعماقها بمنهج علمي عقلاني له قواعده البناءة، وقوانينه القادرة على الاستدلال والتفكير والبرهان، لحل جل مسائلها المعقدة في استقلال تام عن الملاحظة والتجربة.

الهوامش:
[1] فضل الله مهدي، 1996، فلسفة ديكارت ومنهجه دراسة تحليلية ونقدية، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، الصفحة: 100.
[2] -المرجع نفسه، الصفحة: 100.
[3] Descartes René, Discours de la Méthode pour bien conduire sa raison et chercher la vérité dans les sciences, A PARIS, réalisée par Antoine AUGUSTIN Renoua rd, page :36.
[4] هاريس روي وتوليت جي تيلر، 2004، أعلام الفكر اللغوي التقليد الغربي من سقراط إلى سوسير، ترجمة أحمد شاكر الكلابي، علي مولا، دار الكتاب الجديدة المتحدة، الطبعة الأولى، الصفحة: 150.
[5] غلفان مصطفى بمشاركة امحمد الملاخ وحافظ إسماعيلي علوي، 2010، اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج الأدنوي: مفاهيم وأمثلة، عالم الكتب الحديث، إربد-الأردن، الطبعة الأولى، الصفحة: 213.
[6] Chomsky Noam, 1969, Structures syntaxiques, traduit par Michel Braudeau, Edition du Seuil, page :29.
[7] المرجع نفسه، الصفحة: 30.
[8] أوكان عمر، 2001، اللغة والخطاب، أفريقيا الشرق-المغرب، الصفحة: 27.
[9] زكريا ميشال، 1993، قضايا ألسنية تطبيقية، دراسات لغوية اجتماعية نفسية مع مقارنة تراثية، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، الصفحة:61.
[10] الركيك محند، 2006، نظرية التواصل وتقنيات التعبير الكتابي والشفوي، مطبعة أنفو برانت الليدو فاس، الصفحة: 52.
[11] العلوي شفيقة، 2004، محاضرات في المدارس اللسانية الحديثة، أبحاث للترجمة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الصفحة: 53.

اترك ردا