ملتقى علمي .. في ثقافة التعايش والمشترك الإنساني

الدكتورة حنان المجدوبي: أستاذة اللغة الإسبانية بكلية أصول الدين – تطوان المغرب

نظمت مجموعة البحث في ثقافة البلدان الناطقة بالإسبانية، التابعة لكلية أصول الدين بمدينة تطوان ملتقى علميا في موضوع “ثقافة التعايش والمشترك الإنساني” بتنسيق مع مركز الدكتوراه “الدراسات العقدية والفكرية” يوم الثلاثاء 81 أبريل 2017م، وقد شارك في فعاليات الملتقى أساتذة باحثون ونشطاء مهتمون من داخل المغرب وخارجه، بالإضافة إلى مشاركة السيدة غلوريا يونغ سفيرة جمهورية بنما في المغرب، ورئيس جامعة عبد المالك السعدي السيد حذيفة أمزيان، والسيد عميد الكلية الدكتور محمد التمسماني.

مباشرة بعد تلاوة آيات من القرآن الكريم، ألقى السيد رئيس الجامعة الدكتور حذيفة أمزيان كلمة ترحيبية وتنويهية في نفس الوقت، ترحيبية بالضيوف وبالحضور النوعي والمتنوع الذي حج إلى قاعة المؤتمرات بكلية أصول الدين، وتنويهية بالأنشطة النوعية التي نظمتها كلية أصول الدين خلال الموسم الجامعي 2016-2017، كما أكد على أهمية موضوع التعايش الإنساني ورفض ثقافة العنف والصراع التي تعاني منه الإنسانية اليوم.

ثم نوه الدكتور محمد الشنتوف نائب العميد باسم مركز الدكتوراه بالتعاون المشترك بين جمهورية بنما والمملكة المغربية في مجال البحث العلمي والتبادل الثقافي من أجل التعارف المتبادل بين الثقافة المغربية العربية الإسلامية، وثقافة أمريكا اللاتينية، مشيرا إلى أن هذا الملتقى العلمي يشكل فرصة من أجل خلق جسور الحوار والتلاقي  بين البلدين. لتعطى الانطلاقة للجلسة العلمية الخاصة بالموضوع، حيت توالت المشاركات من مداخل معرفية متنوعة، فكانت المشاركة الأولى للسيد عميد الكلية، الدكتور التمسماني الذي أكد أن عنوان الملتقى جاء ليُجّسد تطلعات الأمة المغربية ورسالتها التاريخية، وليُعبر عن نموذج واقعي للسماحة والتعايش الذي تعرفه مدينة تطوان العريقة، موضحا أن الإسلام رسالة ربانية عالمية مِن أهمّ خصائصها الانفتاح على العالم. وأنّه دعوة للناس كافة، ورحمة لكل عباد الله عز وجل، عربا كانوا أم عجماً، بيضا كانوا أم سودا. كما بيّن أنّ القرآن الكريم كتاب عالمي موجه إلى العالَمين، مُوردا مجموعة من الآيات القرآنية التي تدلّ على ذلك، وتحثّ عليه.

وأضاف السيد العميد أن الإسلام يدعو إلى إقامة “أمة متميزة” بأهدافها وقيمها ومناهجها، ذات رسالة متميزة، بمقوماتها ومُثلها وخصائصها، أمة لا تعيش لنفسها، متقوقعة على ذاتها، وإنّما أمّة مكلفة بحمل هذه الرسالة العالمية “الرحمة” إلى العالم، فلا يجوز لها أن تحتكر الخير والنور لنفسها، بل عليها بعد أن اهتدت بنور الله تعالى، أن تهدي الآخرين، وتُهديَهم إيّاه.

من جهتها رحبت منسقة مجموعة البحث في ثقافة البلدان الناطقة باللغة الإسبانية الدكتورة حنان المجدوبي (أستاذة اللغة الإسبانية بكلية أصول الدين بتطوان)، بالسيدة السفيرة على تجشمها عناء السفر وتلبيتها دعوة الحضور والمشاركة في أشغال الملتقى الدولي الأول بتطوان. ثم قدمت للحضور فيلما وثائقيا بعنوان “تطوان، مدينة التعايش” أشرفت على إخراجه رفقة مجموعة البحث، وتحدثت الأستاذة حنان على ضرورة تدخل المؤسسات العمومية خاصة الجامعات من أجل وقف الإسلاموفوبيا والصراعات المسلحة التي يعيشها العالم اليوم، والعمل على توجيه الرأي العام نحو ثقافة السلام والتسامح والتعايش.

أما عن الهدف من إنتاج الفيلم، فتقول: “إن الفيلم الوثائقي أصبح أداة ووسيلة ذات قيمة مضافة في البحث العلمي، فهو يسمح بمعرفة الواقع الاجتماعي عن قرب من خلال استخدام الصوت والصورة ليس فقط في نقل الواقع و جمع المعلومات، بل في توثيق هذه المعلومات وإعادة بنائها واستخدامها في البحث العلمي المتصل بالواقع”.

وقد أثارت الدكتورة حنان عدة تساؤلات تهم موضوع التعايش والمشترك الإنساني، فاسحة مجال الإجابة عن تلك الأسئلة في نهاية كلمتها أمام الواقع الاجتماعي الذي ينقله الفيلم والذي حاول تقريب المشاهد من واقع بعض المقيمين في تطوان من الأجانب مسلمين وغير مسلمين، والمغاربة من ذوي الديانات والثقافات الأجنبية في تعايشهم واندماجهم في المجتمع المغربي.

بعد عرض الفيلم قدمت السيدة غلوريا يونغ سفيرة جمهورية بنما في المغرب مشاركتها والتي حاولت من خلالها الإجابة عن إبراز فوائد التعاون جنوب-جنوب في تحقيق السلام والتعايش بين الشعوب، حيث بدأت بالحديث عن تاريخ ومراحل نشأة التعاون جنوب-جنوب معتبرة أن بداية ظهوره كانت في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا سنة 1955م، حيث تم الاتفاق على تأسيس حركة عدم الانحياز، وعلى ما يسمى بالمبادئ الإثنى عشرة لمؤتمر باندونغ. غير أنها ترى أن الطريق لا زال طويلا وشاقا للعمل على ترسيخ مفهوم التعاون جنوب-جنوب داخل أروقة الأمم المتحدة، وذلك بسبب هيمنة دول الشمال التي تفرض سياستها على دول الجنوب.

وفي حديثها عن ثقافة السلام أكدت السفيرة على أهمية التعليم الجيد في نشر قيم العدل والمشاركة الديمقراطية وممارسة الحقوق والحريات. أما فيما يتعلق بالتعاون بين المغرب ودول أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي، قالت السفيرة البنمية أن المغرب تربطه مع تلك البلدان علاقة تعاون عريقة، قبل أن تخلص في النهاية إلى أن دور هذا التعاون في نشر ثقافة السلام يبقى ضعيفا جدا، وذلك يرجع إلى إعطاء الأهمية والأولوية للمصالح المادية والاقتصادية.

كما نوهت السفيرة بالدور الذي تلعبه الجامعات والأوساط الأكاديمية في ثقافة السلام، باعتباره فاعليتها في التعاون جنوب- جنوب والذين بانخراطهم في مناقشة ودراسة قضايا مجتمعية آنية ومصيرية تتعلق بالتعاون والأمن الدولي يمكنهم أن يُنظّروا لثقافة سلام مستدامة.

  وفيما يخص التبادل الثقافي بين المملكة المغربية وجمهورية بنما، أكدت السيدة غلوريا أن أي تجربة عمل أو مشروع يأتي في إطار الدبلوماسية الثقافية هو بمثابة مساهمة في نشر ثقافة السلام، مشيرة إلى المشروع المشترك للبحث في تاريخ بنما والمغرب والذي تم إنجازه في إطار اتفاقية شراكة بين جامعة الحسن الثاني وجامعة بنما والتي كان من نتائجها إنجاز كتاب مشترك بين الدكتورة رجاء داكر والشاعرة البنمية ماريافيلي دومنغيز، وهو كتاب يهتم بحقوق المرأة ويدعو إلى السلام واحترام حقوق الإنسان، وقد تعهدت بعرض هذا الكتاب في المعرض الدولي للكتاب بجمهورية بنما واتخاذه مقاربة تربوية عصرية في تدريس التاريخ  الأدب النسوي في التعليم المتوسط.

وفي الختام دعت السفيرة البنمية إلى ضرورة العمل على نشر ثقافة السلام بين الشعوب في إطار التعاون جنوب-جنوب بغض النظر عن اختلاف الأديان والثقافات.

في مشاركة موالية عنون الدكتور توفيق الغلبزوري رئيس المجلس العلمي المحلي للمضيق- الفنيدق وأستاذ كلية أصول الدين بتطوان مشاركته بــ”تجليات التعايش في تراث الأندلس والمغرب”، معتبرا أن السماحة والرحمة من المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية، وأن الاختلاف والتعدد الثقافي والديني والعرقي بين الناس سُنة كونية ثابتة  تحتم على البشرية القبول بها وتوجب ضرورة التعايش والتسامح فيما بين أفرادها وأممها مع نبذ العنف والصراع.

وقد كانت الأندلس نموذجا فريدا للتعايش بين الأديان والثقافات المختلفة، حيث استطاع المسلمون بعد فتحهم الأندلس واستقرارهم فيها بناء منظومة اجتماعية وثقافية منفتحة على جميع الثقافات والديانات، في مناخ اجتماعي وسياسي سادت فيه الحرية الفكرية والدينية وهو ما شجع غير المسلمين على  تعلم العربية وانصرافهم إلى دراسة الثقافة الإسلامية.

كمثال على ذلك أشار د. الغلبزوري إلى كون الحرية السائدة في الأندلس كانت عاملا أساسيا ساعد على ظهور الجدل الديني أو ما يعرف اليوم بالحوار بين الأديان، حيث كانت الدول الإسلامية المتعاقبة في الأندلس تسمح لرعاياها من المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى بعقد مناظرات ومؤتمرات دينية للدفاع عن دينهم ونقد الأديان الأخرى، كما سمحت لغير المسلمين بتأليف كتب ومصنفات في الجدل الديني تنتقد الإسلام، وقد كان من ثمرة تلك المناظرات ومؤلفات الجدل الديني ظهور علم جديد سمي بعلم “مقارنة الأديان”. حيث “أثبتت التجربة الأندلسية أنه إذا ما توفر التسامح فإن الدين لا يشكل عقبة أمام الحوار الحضاري”، ولم يقتصر هذا التعايش على الأندلس فقط –يضيف الأستاذ توفيق- بل وجد قبل ذلك في الضفة الجنوبية للمتوسط خاصة في المغرب الأقصى، حيث عاش اليهود مع المسلمين منذ الفتح الإسلامي، لاسيما بعد الاضطهاد والتهجير الذي تعرضوا له في أوروبا بعد سقوط الأندلس، حيث انتقل اليهود إلى المغرب وعاشوا في أحياء خاصة تسمى “الملاح” ومارسوا شؤونهم وشعائرهم الدينية ومهنهم الصناعية والتجارية  بل إن بعضهم تقلد مناصب رفيعة في الدولة. كما حصل في عصر الدولة العلوية، في حمايتها للأقلية اليهودية ورفض تسليمهم إلى الاستعمار الفرنسي الذي أراد إرسالهم إلى معسكرات الإبادة الألمانية.

    وفي نفس السياق استطاع الأستاذ يوسف بن الحداد (أستاذ بكيلة أصول الدين) أن يؤصل لموضوع التعايش تأصيلا تاريخيا من خلال السيرة النبوية، والتي يتجلى فيها التعايش مع غير المسلمين في أكثر من موطن، حيث اعتبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يمثل النموذج والقدوة بالنسبة للبشرية جمعاء في الرحمة والتسامح. إذ أن الخطوة الأولى التي قام بها صلوات الله وسلامه عليه بعد هجرته إلى المدينة واستقراره بها، كتابة “صحيفة المدينة” أو ما يمكن تسميته بدستور المدينة، تلك الوثيقة التي نظمت العلاقات المجتمعية بين سكان المدينة المنورة بكل أطيافهم، مهاجرين وأنصارا، يهودا ونصارى، والتي اعتبرها الأستاذ بن الحداد أول وثيقة تشريعية في التاريخ تؤسس لحرية التدين والتعبد شريطة احترام القواسم المشتركة بين سكان يثرب، وتحمل جميع السكان مسؤولية الدفاع عنها. ولذلك فإن أكثر من نصف بنود الصحيفة –حسب تعبيره-  تنص على احترام حقوق الجميع بما في ذلك أهل الكتاب، وتدعو إلى الحفاظ على المصالح العليا للدولة الإسلامية.

ومن جهة فلسفية تحدث أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين الدكتور أحمد الفراك عن المشترك الإنساني بوصفه مدخلا وجوديا ومعرفيا وأخلاقيا لتذكير بني آدم بأخوتهم الطبيعية والتكوينية وبمصيرهم الحتمي المشترك، حيث وسم الفراك مشاركته بـــ”المشترك الإنساني مدخلا للتعايش الحضاري”، مقدما لإشكالية الموضوع بوجود فئة من الناس ممتدة في التاريخ البشري سخرت حياتها للدفاع عن المشترك الإنساني الذي يجمع بني آدم ودفع كل القيم التي تؤدي إلى العنف والصدام والتناكر بين العالمين، وهذه الفئة القليلة في زمان سماها بـــ”البقية الصالحة” التي تدعو إلى الخير في كل حين وعلى كل حال.

وقد عرّف الأستاذ الفراك المشترك الإنساني بكونه مجموع القواسم المشتركة الكبرى التي تجمع بني الإنسان على اختلاف مرجعياتهم، وتتمثل هذه القواسم في الخلقة الآدمية والأرض والحياة والمصلحة والقيم الأخلاقية والمبادئ العامة، معتبرا أن الاقتناع بهذا المشترك يُغني التفكير الإنساني ويوفر له السند النظري لبناء مجتمع إنساني متكامل ومتعاون، ويؤسس لاعتراف الذات بالآخر والانفتاح على ثقافته واحترام خصوصيته، مع إشارته إلى أن البحث عن المشترك الإنساني لا يتطلب من الأنا والغير التنكر لأصولهما المرجعية بقدر ما يتطلب تجديد النظر إلى الغير وفق منهجية تستوعبه ولا تقصيه، وتستحضره ولا تلغيه.

و فيما يتعلق بالأسس الدينية للمشترك الإنساني التي ذكرها الدكتور الفراك في مداخلته فيمكن اختصارها في أربعة عناصر وهي: الهوية الدينية للإنسان باعتبار الإنسان كائنا متدينا بطبعه كما تؤكد ذلك الدراسات السوسيولوجية وفلسفة الدين، ثم العنصر الثاني والذي عبر عنه بالوحدة المتعالية للأديان ومفادها أن كل الأديان السماوية تشترك في الملة الإبراهيمية. ثم وحدة الوظيفية التكوينية وتتجلى في وظيفة العبادة التي من أجلها خلق الله الإنسان، ثم العنصر الرابع والأخير وهو وحدة السؤال الديني أي أن كل السؤالات والإشكالات المتعلقة بقضايا الإنسان تتسم بالكونية فالخلق والوجود والحياة والموت والخير والشر والحق والباطل والحسن والقبح والمصير والجزاء…كلها مفاهيم وقضايا كونية تنسحب على جميع الناس باختلاف أعراقهم وأجناسهم وأزمانهم وأحوالهم.

وأما الأسس القيمية والأخلاقية للعيش الإنساني المشترك، فقد اختصرها الأستاذ أحمد في ثلاث قيم كُلية يشترك فيها جميع الناس أفرادا وجماعات، تتفرع عنها قيما إنسانية أخرى من قبيل الصدق، الأمانة، الرحمة، التعاون وغيرها من القيم الأخلاقية، وهذه القيم الثلاثة الكلية الكبرى يمكن اعتبارها المبادئ الإنسانية التي تجتمع عليها البشرية وهي:

مبدأ العدل بين الناس، مبدأ الحرية والتي تعني أن الأصل في الإنسان أنه حر إلا أن حريته تبقى مقرونة بالإرادة والمسؤولية والاختيار ومشروطة بالإكراهات الداخلية أي البدنية والخارجية أي الكونية. أما المبدأ الثالث فيسميه  بـــ”قاعدة السلم وترذيل العنف”، والمقصود به ضرورة استحضار السلم ونبذ العنف في بناء المشترك الإنساني.

وفي ختام مداخلته اعتبر الدكتور أحمد الفراك أن التعايش بين الشعوب مشروط بتحقق الأخوة الإنسانية والتي هي بدورها مرهونة بعلاقة الذات بالغير، ولتحقيق هذه الأخوة لابد من النظر إلى الغير كالأنا الآخر والإنسان نفسه، أي الإنسان الذي يشترك معي في الخلقة الآدمية، الفطرة، العقل، الوعي، الحياة، المصلحة، المبادئ العامة للحياة والقيم الأخلاقية.

بعد ذلك قدم أستاذ علم الاجتماع الديني بكلية أصول الدين الدكتور عبد الله الشارف، تصوره للتسامح والتعايش من منظور سيوسيولوجي واقعي من خلال النموذج الأندلسي الذي سادت فيه أيام الوجود الإسلامي بالأندلس ثقافة التسامح والتعايش بين المسلمين وغيرهم، حيث تعايشت الأجناس والأديان، وتثاقفت فيها اللغات والثقافات، وانصهرت فيها الطاقات على تنوعها، فأثمرت مجتمعاً حياً، متفاعلاً، مبدعاً.

وعن أهمية موضوع  التسامح في هذا العصر  يقول الأستاذ عبد الله: “وتزداد أهمية هذا الموضوع اليوم عندما نعلم أن الإسلام مستهدف، وأن المسلمين يتعرضون لحملات شعواء ترمي إلى تشويه صورتهم، بالإضافة إلى رواج بعض النظريات التي تسعى إلى التنكر لهذا العطاء الحضاري الإنساني الفريد”،  محملا الباحثين والكتّاب مسؤولية الكشف عن العوامل التي جمعت بين تلك الشعوب ووحدت أهدافهم ورؤاهم، والتنقيب عن الأسس والمرتكزات التي أفرزت قاعدة صلبة لحوار الحضارات في الأندلس عبر مراحل التاريخ.

ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن التسامح والقبول بالآخر من منظور شرعي حيث اعتبر أن الإسلام لما جاء، رحب بالاختلافات الدينية والعرقية والثقافية، ورعاها في إطار الوحدة، وقرر أن الآخر هو جزء من الذات، وذلك لأول مرة في تاريخ الشرائع والأمم والدول والحضارات.

وأعظم تجسيد لقبول الآخر والاعتراف به –حسب قول الأستاذ الشارف –  ما نص عليه ميثاق العهد الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران “ولنجران وحاشيتها، ولأهل ملتها، ولجميع مَن ينتحل دعوة النصرانية في شرق البلاد وغربها، قريبها وبعيدها، فصيحها وأعجمها، جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم، وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يُغيَّر أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته. وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الإسلام من ملتي”.

بعد ذلك انتقلت الكلمة إلى الباحثة سميرة عيسو التي أكدت من خلال مشاركة عنونتها بـــ”دور البحث العلمي في تثبيت ثقافة التعايش” وعززتها بإحصائيات ومعطيات علمية عن التنوع الثقافي واللغوي والعرقي في العالم، والحاجة الماسة والملحة لتفعيل دور البحث العلمي في نشر ثقافة التسامح والتعايش بين الشعوب، في ظل الأوضاع المأساوية التي تعيشها بقاع مختلفة من هذه المعمورة إثر تصاعد معدلات العنف والتطرف والصدام بين الثقافات والحضارات، وقد انتهت الباحثة سميرة عيسو في ختام مداخلتها إلى أن التنوع الثقافي والعرقي بين الناس هو من صميم سنة الله الثابتة في خلقه وكونه، ومدعاة للتنافس على الخير وإعمار الأرض والرقي بالإنسانية، وخطوة أولى لنسج روابط التفاعل الثقافي والحضاري بين أفراد الشعوب والأمم وفق منهج قويم يقوم على الحوار بالحكمة والموعظة .

وقد عرف الملتقى كذلك مشاركة بعض الأجانب المقيمين في المغرب قدموا للملتقى تجارب حية وشهادات من الواقع يمكن الاستفادة منها في التعايش والاندماج مع الآخر، منهم  الفنزويلية أليس ألفيس التي تحدثت عن قصة إسلامها، وعن الدوافع التي جعلتها تغادر بلدها وتختار المغرب كوجهة ثانية للعيش والإقامة، حيث يعود السبب الأول إلى وجود الأمن والاحترام في المغرب، أما السبب الثاني فهو عشقها لثقافة لعالم العربي والإسلامي، وبعد ذلك تطرقت إلى بعض المشاكل التي واجهتها في طريق اندماجها في المجتمع المغربي من قبيل مشكل تعلم اللغة والتواصل، وفي الأخير استعرضت ارتساماتها حول بعض التقاليد المغربية كحفلات الأعراس والأعياد وكرم الضيافة و اختتمت كلمتها بالتعبير عن امتنانها وحبها لبلدها الثاني المغرب.

وأما الشهادة الثانية فكانت للإسباني المسلم ماكسيمو الذي حاول من خلال تجربته الشخصية الغوص في  النصوص الواردة في موضوع التعايش من الكتب السماوية الثلاثة؛ التوراة والإنجيل والقرآن، ليصل إلى نتيجة مفادها أن عوامل التعايش والتسامح تكمن في الدين الحق الذي اعتنقه منذ ما يقرب من أربعين سنة ألا وهو الإسلام. ثم بين السيد ماكسيمو أن الصعوبات التي يجدها الناس اليوم، ترجع في الأساس  إلى درجتين من النسيان: أولا نسيان الخالق ( الله سبحانه وتعالى) وأما الثانية فهي نتيجة حتمية للأولى وهي نسيان النفس والمتمثل فيما نراه اليوم من جهل الإنسان بأبسط  أسباب سعادته الروحية والبحث المقلق عن إشباع رغبات اصطناعية وتحقيق آمال مادية لا سبيل لها إلى إسعاده.

مشيرا إلى أن ظهور تيارات متشددة تزعم امتلاك الحق دون غيرها من الناس وتؤول الرسائل الدينية لغايات سياسية وتعبوية يسهم أيضا في زيادة التهديد للتعايش خصوصا في مجتمعات يعاني  فيها هذا التعايش من الهشاشة وتتوفر فيها أسباب الفرقة والصراع.

وبذلك استطاعت كلية أصول الدين بتطوان أن تثبت وبالملموس، أن مسؤولية الجامعات بصفة عامة وكليات الشريعة وأصول الدين على وجه الخصوص لا يمكن الاستغناء عنها في بناء مجتمع متعايش ومنفتح يسوده السلام والعيش المشترك واحترام الآخر.

اترك ردا