عنوان النفاسة في شرح الحماسة لابن زاكور الفاسي … عبد الصمد بالخياط

د. عبد الصمد بالخياط: باحث في الأدب المغربي

يعتبر “عنوان النفاسة” معلمة أدبية كبيرة بين الشروح التي تناولت حماسة أبي تمام، نحا فيه صاحبه منحىً فريداً بَزَّ به نظراءَه من الشراح. ويعد من أهم الشروح النقدية التي كتبها ٱبن زاكور إلى جانب “تزيين قلائد العقيان بفرائد التبيان”[1]، “الصنيع البديع”[2] و”تفريج الكرب في شرح لامية العرب “[3]. وهو أكثر هذه الشروح تمثيلا للنقد التطبيقي في المغرب في العهد الإسماعيلي.

وقد قام ٱبن زاكور بترتيب الحماسة في ثلاثة عشر باباً على غرار ما فعل الأعلم، لكنه آثر أن يبتدئ بباب النسيب لاعتبارات ذوقية في المقام الأول، لأنه رأى أن «مضمونه للنفوس نسيب، وهو لها دون غيره من أنواع الكلام حبيب، وأن رقة الغزل جالبة للنشاط وجالسة مع الانبساط على بساط.»[4] وعمد إلى كل باب فرتب محتواه أبجديا وفق الترتيب الأندلسي[5]، ومما يبرهن اقتفاءه أثر الأعلم ذكره أن القسم الأول من العمل هو شرح للنصف الثاني من متن الحماسة، وأن ما يليه من شرح يتصل بالنصف الأول[6].

أما المرتكزات التي قامت عليها خطته في الشرح والتحليل فنبينها من جانبين:

    الأول: منهجه العام في الشرح والتحليل.

    الثاني: المستويات التي عالج من خلالها المتن.

1ـ المنهج العام: يمكن الإشارة هنا إلى أن ابن زاكور لا يسير على نمط واحد في معالجة النص، وليس معنى هذا عدم وضوح الرؤية عنده أو عدم تحديد منهجه بقدر ما هو برهان، كما سنرى، على سعة أفق ورحابة فكر، فهو لا يتعامل مع النصوص بنفس الطريقة، بل يراعي ما يقتضيه السياق، ويتطلبه المقام، يتحكم في ذلك حسه النقدي وذوقه الأدبي. وهكذا تتعدد عنده أوجه تحليل النصوص، وفك مغالقها. وفي ما يلي عرض لأسلوبه في معالجة النص:

    ــــ إيراد المعنى مباشرة، من خلال المستوى المعجمي أو النحوي اللغوي، وهذه سمة غالبة عليه في معالجة المعاني، وتتجلى في عرضه المعنى من وجوه متعددة، ويقارن غالبا بين هذه الوجوه ويصل إلى تفضيل أحدها على الأخرى،معتمدا أسلوب الإقناع والتعليل. وهو هنا إما أن يعرض معاني المفردات، أو يعرض معنى البيت في كليته. كما يتعرض في بعض الأحيان لبعض القضايا في شرح من سبقه، لكنه لا يفعل ذلك إلا في مجال التعقيب والانتقاد، بل يصل إلى حد التخطيء، وهنا ، بعد أن يعرض لرأي الآخر، يفسح مجالا واسعا لبسط فكرته ورأيه وحججه، بالغا في ذلك الوسع من أجل دحض رأي الآخر.

   ــــ إبراز المستوى العروضي أولا، ويحدث هذا غالبا عند وجود علل أو زحافات، فينبه إلى ذلك قبل إيراد المعنى.

   ـــــ محاولة الوصول إلى مقصد الشاعر، وهذا أمر عاد مادام الموضوع يتعلق بالشرح، لكن ابن زاكور يجهد كثيرا ويصر على بيان مقصد الشاعر والوصول إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه لبيان غرضه، بل يصل إلى حد طرح الاحتمالات الممكنة وتغليب إحداها، وتجده مندمجا اندماجا كليا معه.

   ــــ تفسير أسماء شعراء الحماسة والأعلام، خاصة حين يتعلق الأمر باسم غريب، يقول في تفسير اسم أحد الشعراء

  ــــ العناية بشرح العناوين الجزئية  وأبواب الفن الشعري.

  ـــ تقسيم المتن الشعري إلى وحدات مراعيا في ذلك التناسب بين الأبيات وتشاكلها، فتنوع تقسيمه إلى البيت المفرد والبيتين إلى ثلاثة أبيات.

  ــــ توجيه إدراج بعض الحماسيات حسب القوافي.

تلك هي الملامح العامة التي لخِطَّة ابن زاكور في تعامله مع المتن الشعري، مما يوضح قدرته الفائقة على التعامل معه بما يقتضيه السياق ويستدعيه المقام.

وفيما يلي نعرض للمستويات المعرفية التي استثمرها ابن زاكور في شرحه للمتن الشعري، وفي هذا السياق نشير إلى أن ابن زاكور استطاع أن يقدم لنا، كما في شروح أخرى له، شرحا تتعدد فيه مستويات تناول النص، وتتعدد جوانب دراسته، ويرجع ذلك بالأساس إلى شمولية ثقافته، وليس هدفه من ذلك استعراض قدراته الثقافية بقدر ما يسعى إلى توظيفها خدمة لتحقيق وضوح المعنى، ولهذا وظف معارفه في التعامل مع النص فكان موفقا في ذلك إلى أبعد الحدود وبشكل لم نره عند غيره من الشراح. فمن خلال تجولنا بين ثنايا الشرح لا نستطيع أن نحدد موقع ابن زاكور، فتارة نحن مع عروضي متبحر عالم بخبايا علم العروض، وتارة مع نحوي ضالع في علوم النحو عالم بمدارسه، وتارة أخرى مع لغوي عارف بقضايا المعجم؛ وخلاصة القول أننا مع مجموع بكامله اسمه ابن زاكور.

وأهم هذه المستويات، ومكونات هذا المجموع:

أولا: المستوى اللغوي النحوي: ولقد أبدى الشارح في هذا السياق قدرة فائقة على تقليب المفردات والتراكيب على أوجهها اللغوية المتعددة إلى درجة عرض كل الاِحتمالات لبناء حكم محكم، أو تثبيت قاعدة، لتعضيد رأيه وتصويب رأي الآخر. وقد أهله إلى ذلك ثقافته اللغوية الرصينة الواسعة، وإحاطته بمداخل اللغة ومخارجها ومنافذها. ويسخر ذلك لغرض توضيح معنى البيت.

ثانيا: المستوى العروضي: يبادر ابن زاكور في بعض الأحيان، وقبل أن يغوص في المعنى الشعري، إلى استعراض بعض القضايا العروضية لتشكل جزءا من تحليله للمتن الشعري، مستوفيا الحديث في ذلك بثقافة العروضي المتخصص، وخاصة إذا تعلق الأمر بالبحور المجزوءة وما ارتبط بذلك من زحافات وعلل.

كما لا يفوته التنبيه إلى بعض عيوب الشعر خاصة فيما يتعلق بالقافية.

ثالثا: المستوى البلاغـي: لا يغيب على ابن زاكور أن يعرض لبعض النكت البلاغية إذا أسعفه المقام لذلك، ولا يكتفي  هنا بلفتة عابرة، بل يحلل الجنس البلاغي، ويبين علاقاته.

رابعا: المستوى المعجمي: لا يكتفي ابن زاكور بإيراد معنى الكلمة المباشر، وإن كان يفعل ذلك في بعض الأحيان، بل يقوم بعرض معاني الألفاظ الغريبة مبينا جذرها اللغوي وأصلها وصيغتها الاشتقاية، ثم يربطها بسياقها في المتن الشعري.

ـ منهج التحقيــق:

لقد كانت رحلة تحقيق شاقة متعبة لكنها كانت مفيدة بمشقتها. فقد سعيت بذلك إلى إخراج هذا المخطوط من غياهب الرفوف ليكون إضافة نوعية تغني الخزانة المغربية وتثريها. لذلك كان تحقيقه هو المبتغى الأسمى والغاية المنشودة. ولقد بذلت في الجهد الأقصى حتى تتحقق الغاية ويخرج المخطوط أقرب إلى الصورة التي وضعها المؤلف، وقد سرت على الخطوات التالية:

    1 ـ تحرير النص بعد أن استقر رأيي على اعتماد النسخة(أ) أصلا، وكانت كتابته كتابة إملائية حديثة متحريا الدقة والأمانة في ذلك.

     2 ضبط النص بعلامات الترقيم حتى تتوضح معالمه ويسهل ضبط معناه، وشكل متنه الشعري وبعض مفردات متن الشرح التي يمكن أن تلتبس قراءتها على العموم.

    3 ـ المقابلة بين النسخ مثبتا الفروق بينها من حيث النقص أو الزيادة أو الاختلاف في إيراد بعض المفردات أو العبارات، وقد أثبت ذلك في هامش مستقل.

   4 ـ توثيق النصوص الواردة في متن الشرح، وتتنوع إلى:

     * الآيات القرآنية بذكر السورة ورقم الآية مميزا لها بخط مغاير لما كتب به المتن،  ووضعتها بين علامتي التوقير﴿…..﴾ مع إتمام نص الآية في الهامش حرصا على تمام المعنى.

     * الآحاديث، سواء ذكرت تامة أو جزء منها، او حتى معناها، من كتب الحديث

    * الشواهد الشعرية بتحقيق قائليها إذا لم يذكر بالرجوع إلى دواوين أصحابها.

    * الأقوال والأمثال من كتب أصحابها وكتب الأمثال المشهورة.

    5 ـ ترجمة أغلب الأعلام بترجمة مختصرة.

  6 ـ تخريج الحماسيات من بعض الشروح الأخرى، واقتصرت هنا على نموذجين مشهورين: الأول يمثل النموذج المشرقي وهو شرح المرزوقي والثاني يمثل النموذج الأندلسي وهو شرح الأعلم.

    7 ـ التعليق على بعض الأمور المتعلقة بالشرح.

    8 ـ استعمال مجموعة من الرموز، وهي كالآتي:

        (ش)  = شرح الأعلم الشنتمري.

         (م)   = شرح المرزوقي.

         / /  = يبين نهاية صفحة وبداية أخرى من النسخة المعتمدة، يتوسطهما رقم الصفحة ووجهيها، ورمزت لوجهيها بـ (أ) و(ب).

        [  ]   = يعين الساقط من النسخ.

       «  »  = وضعت بينهما كلمات وعبارات المتن الشعري المشروح.

      ﴿  ﴾  = تمييز الآيات القرآنية.

  9 ـ وضع مجموعة من الفهارس التي تساعد على التعامل مع النص، وتسهل وضع اليد على معالمه، وهي:

     ـ فهرس الآيات القرآنية.

     ـ فهرس الأحاديث القرآنية.

     ـ فهرس الحماسيات.

     ـ فهرس الشواهد

     ـ فهرس الأعلام.

     ـ فهرس الأماكن والقبائل.

     ـ فهرس المصادر والمراجع.

     ـ فهرس المحتويات.

وأذكر هنا أن الترتيب الذي اتبعته في هذه الفهارس هو الترتيب الذي اتبعه ابن زاكور مراعاة للتوافق والانسجام بين أجزاء الكتاب ومكملاته.

تلك نظرة عن الجوانب التي لامستها من خلال خطة التحقيق، وفي ما يلي بعض النماذج من صفحات المخطوطات للاستئناس كما جرت العادة بذلك.

 والحمد لله على ما تفضل به وأنعم وأعطى وأكرم ووفق وألهم.

الهوامش:

[1] ـ حققه بوشتى السكيوي تحت إشراف عبد السلام الهراس لنيل د.د.ع يكلية الآداب بفاس سنة 1986.
[2] ـ حققته بشرى البداوي تحت إشراف علال الغازي لنيل د.د.ع بكلية الآداب بالرباط.
[3] ـ مخطوط بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 157/د.
[4] ـ مقدمة عنوان النفاسة الورقة الأولى/ و.
[5] ـ يوافق الترتيب المشرقي إلى حرف ز، ثم يتتابع هكذا: ط ،ظ ،ك، ل، م، ن، ص ،ض، ع، غ، ف، ق، س، ش، هـ، و،ي.
[6] ـ نفسه والورقة نفسها.

اترك ردا