سؤال المنهج في التراث العربي الإسلامي … مصطفى العادل

 مصطفى العادل: باحث ماستر في الدراسات اللغوية: قضايا ومناهج بجامعة محمد الأول – المغرب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، و آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد، فإن المتأمل في الدراسات الحديثة، يدرك ما وصلت إليه الأبحاث من تقدم وازدهار في ما يخص علم المنهج، باعتباره حقلا قائما بذاته، له أهدافه و شروطه وجهازه المفاهيمي الخاص به، وباعتباره كذلك قاعدة حاضرة في كل العلوم باختلاف تخصصاتها ومجالات اشتغالها. فالمنهج لا يمكن أن يدرس بمعزل عن سياق التكامل المعرفي والعلمي بين مختلف المجالات والعلوم.
وقد اتسع مجال اهتمام المنهج ليشمل قضايا متعددة، كما استطاع اقتحام مجموعة من التخصصات، وصار جزءا من كافة العلوم، خاصة علم النفس والتنمية الذاتية وعلوم التربية، وغيرها من العلوم التي عرفت انتشارا كبيرا في الآونة الأخيرة، إضافة إلى المعنى القديم الذي اكتسبه من العلوم الطبيعية الدقيقة –إذا جاز هذا الوصف-، والعلوم الإنسانية كذلك، خاصة الدينية منها والفلسفية.
ومن جهة أخرى فقد تم جرد المنهج من القيمة الأصلية والحقيقة التي كانت تؤطره عند القدماء، مما جعل مجاله ضيقا، و لا يستوعب ما يستشرف إليه الانسان العربي المسلم، وما يرنو إليه في التعامل مع مختلف العلوم، لأنه تم اختزال علم مناهج البحث في كيفية إعداد البحوث، وطرائق إنجازها، وما يتعلق بذلك من قوانين ومناهج. و ها هنا ، تحول معنى المنهج من معنى شامل واسع يبلغ آفاق الكون ويجول في عالم الوحي وعالم الروح مادّا نورانيته من لغة الوحي وحقيقة الوجود والكون والمصير، إلى مجال تطبيقي ضيق، لا يسع كل هذه الحقائق، أو عن الأقل في الحاجة إلى إعادة صياغة أهدافه وفق تصور شامل يستوعب حقيقة أصل الوجود ومصير الإنسان.
إن البحث في الدراسات الحديثة يثير جملة من التساؤلات عند مقاربة النظريات الجديدة في علم مناهج البحث، وهي ما يمكن صياغتها وإعادة طرحها على الشكل الآتي:
– هل تستوعب النظريات الغربية الحديثة في علم المنهج، حياة الانسان المؤمن بوجود الله بكل تجلياتها، في تناولها القضايا والإشكالات المعرفية الكبرى ؟
– ما مدى مصداقية هذه المناهج؟ وما مدى صلاحية تطبيقها على اللغة العربية، باعتبارها لغة تستمد بنيتها العميقة من الوحي، وخارج حدود التفكير الإنساني؟
– ألا يوجد بديل لهذه المناهج في تراثنا العربي الإسلامي؟
– كيف نستفيد من نظريات البحث اللغوي الحديث في جانبه المنهجي دون قطع الصلة بالتراث العظيم لعلمائنا الأجلاء؟.
غير خاف ما مرت به الأمة العربية الاسلامية من أزمات شملت كل المجالات، وانكسار تاريخي أعادها بسنوات إلى الوراء، -أو بالأحرى- بقرون بعد زمن العنفوان والازدهار، فالأمة الاسلامية قد كانت في القرون الماضية سيدة العالم وقائدة الأمم بمناهجها العلمية والعملية في تناول الحقائق ودراستها، فبلغت أوج الازدهار والتقدم ونالت شرف السبق إلى تأسيس العلوم وبناء المجتمع الأخلاقي والمعرفي العالم، اعتمادا على اللغة الأم، لغة الوحي، وتركيزا على العلم والمعرفة، كوحدة شاملة كاملة لا وجود فيها للتخصصات الضيقة والحدود الوهمية، واستنادا إلى مناهج في البحث لا تؤمن بالفصل بين المعارف، بقدر ما سعت إلى دراسة الواقع وحقائق الانسان في علاقته بخالقه والكون، وفي علاقته بأخيه الانسان، والسعي للإجابة على الأسئلة المصيرية: من أنا؟، من أين وإلى أين؟، وذلك ضمن تكامل علمي ومعرفي، مما صنع رجالا غاصوا في كل العلوم، منهم الفقيه الإمام المهندس الطبيب الرياضي اللغوي.
فقد انتهى زمن لم تعرف فيه الأمة حدودا وهمية بين بقعها الجغرافية، ولا فصلا بين علومها المختلفة المتعددة، يوم كانت جسدا واحدا لا يرضى السقم والعناء والجهل والتخلف لعضو منه، مغترفة من المنبع الصافي، من قول الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: (إنما المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ، والجسد إنما دل على قوة الجماعة المؤمنة ووحدتها وغيرها من معاني القوة.
إن الإشكال ليس في تراجع ذلك المستوى، وانطفاء تلك الشمعة وذلك المشعل المتوقد فقط، بقدر ما يكمن في الشرخ الكبير بيننا وبين ذلك الزمان وما أنتجه من تراث عظيم، خاصة في الجانب العلمي والمعرفي ثم اللغوي بالخصوص، والحق أن العلوم اللغوية الحديثة ما هي إلا لباس جديد لذلك الجسد الكبير العظيم، وصيغة جديدة لمفاهيم ومصطلحات قديمة لعلمائنا رحمهم الله شرف السبق إليها.
ولعل علم المناهج من أهم العلوم التي حظيت باهتمام كبير من هؤلاء الأفذاذ، بل تجاوز ذلك معنى العلم كما نتصوره نحن، إلى علم دقيق يؤطر كل العلوم دون فصلها على المعاني الإيمانية والروحية، فهو عندهم علم قائم بذاته ولا يمكن في نفس الوقت فصله على باقي العلوم والمجالات، ولعل هذا السر هو برهان صدقهم وازدهارهم، إذ المعارف لا فصل بينها، وإنما هي صورة متكاملة، يفهم بعضها في إطار الآخر ويفسر بعضها بجمعها مع باقي العلوم ضمن منهج كلي وشامل.
ولعمري إن البحث في كتب القدامى في مختلف العلوم يفضي إلى مستوى عال ومتقدم فيما يخص طريقة تعاملهم مع المنهج، بل الأكثر من ذلك أن منهجهم في التأليف والحوار كله قائم على منهج علمي دقيق، وما ذلك الازدهار والنجاح الكبير، إلا نتيجة لذلك المستوى الناضج في المنهج. ولنا في النصوص التي سوف نوردها فيما يأتي خير شاهد على هذا المستوى المتقدم في معنى المنهج.
اخترنا أن نقف في معرض الحديث على سؤال المنهج في التراث العربي، عند عدد قليل من النصوص التراثية، لعلنا نستوعب جزءا من هذه المعاني السامية، والرؤية الثاقبة لعلمائنا الأجلاء رحمة الله تعالى عليهم، وإلا فالتراث كله مبني على منهج، وكتب التراث كلها تطفح بهذا المستوى من علم المنهج، ونذكر من ذلك ما يلي:
أ‌- منهج السلف في الفتوى: قال أبو عبد الله محمد بن أحمد المقري(توفي عام 749 هجرية): “كان السلف يتقنون من قول المفتي: هذا حلال وهذا حرام، إلا بنص أو إجماع، أو بما لا يشك فيه، فكان قولهم في ذلك: لا بأس، واسع، جائز، سائغ، لا حرج، لك أن تفعل، لا عليك أن تفعل. وفي المطلوب فعله مطلقا: ينبغي أن تفعل، لا يسعه أن لا تفعل، أحب إلي، أرى عليك كذا. وتركه: أكرهه، لا يعجبني، لا أراه، أراه عظيما، أستثقله، وما كان من نحو ذلك خشية الوقوع في نهي (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام)، (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)، (لا تحلوا شعائر الله)، (فيحلوا ما حرم الله)، (قل من حرم زينة الله)، (إنما حرم عليكم الميتة)…الخ” ، فالنص يبين طريقة ومنهج القدامى في التعامل مع الفتوى، ذلك المنهج الاسلامي الصادق الماد من آي القرآن السابقة.
ب‌- معرفة الحق والامتثال له أينما وجد: قال الجاحظ رحمه الله: “إنك لا تعرف الأمور ما لم تعرف أشباهها ولا عواقبها ما لم تعرف أقدارها، ولن يعرف الحق من يجهل الباطل، ولا يعرف الخطأ من يجهل الصواب، ولا يعرف الموارد من يجهل المصادر، فانظر لم تسالمت النفوس مع تفاوت منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ولما اختلف الكثير واتفق القليل، ولما كانت الكثرة علة المتخاذل، والقلة سببا للتناصر، وما فرق بين المجاراة والتحاسد وبين المناسفة والتغالب، فإنك متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك” ، ونورد إلى جانب هذا، قول ابن المقري رحمه الله في القاعدة الثمانية والأربعين بعد المائة: “لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج، وتقريبها على الطرق الجدلية، مع اعتقاد الخطأ، أو المرجوجية عند المجيب، كما يفعله أهل الخلاف، إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة، والتعليم لسلوك الطريق بعد بيان ما هو الحق، فالحق أعلى من أن يعلى وأغلب من أن يغلب، وذلك أن كل من يهتدي إلى نصب الأدلة وتقرير الحجاج لا يرى الحق أبدا في جهة رجل واحد قطعا” ، والحث على معرفة الحق والامتثال له نابع من روح الحي، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ت‌- منهج الإصلاح: قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا رحمه الله تعالى: “وأن يعلَم أن كل من أراد إصلاح فاسد لزمه أن يعرف جميع فساد ذلك الفاسد معرفة مستقاة حتى لا يغادر منه شيئا، ثم يأخذ في إصلاحه، وإلا كان ما يصلحه غير حريز ولا وثيق، كذلك من رام سياسة نفسه ورياضتها واصلاح فاسدها لم يجز له أن يبتدئ في ذلك حتى يعرف جميع مساوي نفسه معرفة (محيطة) فإنه إن أغفل بعض تلك المساوي وهو يرى أنه قد عملها بالإصلاح كان كمن يدمل ظاهر الكلْم وباطنه مشتمل على الداء، وكما أن الداء، وكما أن الداء إذا قوى على الإهمال وطول الترك نقض الاندمال وقذف الجلد حتى يبدوا لعين الناظر” ، والنص في إصلاح الفساد أبلغ من أن يعلق عليه، وأبين من أن يشرح.
ث‌- منهج الحوار الهادف والحجاج: قال الجاحظ رحمه الله: وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة ومقابلة الاضطرار بالاختيار واليقين بالشك، واليقظة بالحلم، إلا للذي خصصت به من إيثار الحق وألهمته من فضيلة الانصاف حتى صرت أحوج ما تكون إلى الانكار أذعن ما تكون بالإقرار، وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشدّ ما تكون للحجّة طلبا، إلا أن ذلك بطرف ساكن وصوت خافض وقلب جامع وجأش رابط وبنيّة حسنة وإرادة تامة مع غفلة كريم وفطنة عليم، إن انقطع خصمك، تغافلت وإن خرف ترفقت غير منخوب ولا متشغب ولا مدخول ولا مشترك، ولا ناقص النفس ولا واهن العزم ولا حسود ولا منافس ولا مغالب، ولا معاقب” ، والنص الذي بين أيدينا أثار مجموعة من القضايا بغض النظر عن علم المناهج، ومن ذلك نظرية الحجاج التي عرفت اهتماما كبيرا في اللسانيات الحديثة، والحق أن الجاحظ يعتبر موسوعة ورائدا لعلم البيان والحجاج.
ج‌- قول الصدق وتجنب الكذب: قال أبو حيان التوحيدي رحمه الله: “ومما ينبغي أن لا تغفله ولا تذهب عنه وتطالب نفسك بالتيقظ فيه، والتجمع له، باب اللفظ والمعنى في الصدق والكذب، فإنك إن جزّفت في هذا بعض التحريف، أو جزّفت في ذاك بعض التجزيف، خرج معناك من أن يكون فخما نبيلا، ولفظك من أن يكون حلوا مقبولا، لأن الأحوال كلها –في صلاحها وفسادها- موضوعة دون اللفظ المونق، والتأليف المعجب والنظم المتلائم وما أكثر من ردّ صالح معناه لفاسد لفظه وقبل فاسد معناه لصالح لفظه” ، وهو منهج يدعو إلى الصدق في القول لفظا ومعنى، وهذا النضج في المنهج ما يزال في الحاجة إلى كثير من الدراسة الدقيقة والموضوعية، وإنه لكنز عظيم وثمين لم يتم التنقيب عنه بعد.
ح‌- منهج تعلم العلوم: قال الجاحظ رحمه الله: “وخصلة ينبغي أن تعرفها وتصطنعها وتتذكرها وتقف عندها، وهي أن تبدأ من العلوم بالمهم، وأن تختار من صوفه ما أنت له أنشط والطبيعة به أعنى، فإن القبول على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية، ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاطه وتمييز أجناسه والمعرفة بأقداره حتى تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطَه من الابعاد والصنعة، وحتى لا تتشاغل إلا بالسمين الثمين وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس والحقير السخيف” . ومما لا شك أن هذه المنهج ما يزال معتمدا إلى الآن في الدراسات الحديثة، برهانا على عبقرية الجاحظ رحمه الله، وشمولية نظريته ودقة نظرته إلى منهج تعلم العلوم.
خ‌- منهج تعليم الأبناء وتربيتهم: قال ابن سينا رحمه الله تعالى: “فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه وتهيأ للتلقين ووعى سمعه أخذ في تعلم القرآن، وصوّر له حروف الهجاء، ولقّن معالم الدين، وينبغي أن يروي الصبي الرجز ثم القصيدة، فإن رواية الرجز أسهل وحفظه أمكن، لأن بيوته أقصر ووزنه أخف، ويبدأ من الشعر بما قيل في فضل الأدب ومدح العلم وذم الجهل وعيب السخف، وما حث على بر الوالدين واصطناع المعروف وقرى الضيف وغير ذلك من مكارم الأخلاق” ، ولعل هذا المنهج في التعلم هو سبب تلك العقول التي غيرت العالم وأسست علوم ما تزال البشرية لم تحط بفوائدها وأهميتها.
إن منهج علمائنا الأجلاء رحمهم الله تعالى كان دقيقا، وكان نابعا من آي الوحي وكلام الرسول ﷺ، وهذه النماذج التي بين أيدينا كلها مستقاة من هاذين المنبعين الصافيين، ولو وقفنا عند البنية العميقة لكل نص من هذه النصوص، لاكتشفنا أنها مادة من الوحي والحديث النبوي، بصياغة لغوية عربية فصيحة، وهو السر في قوتها وشموليتها، ثم إن دقة المنهج باعتباره علما قائما بذاته، مقرونة في هذه النصوص بحقيقة التكامل المعرفي والعلمي، وهو ما يمكن استخلاصه من خلال النماذج التي بين أيدينا، حيث الطب والفلسفة والفقه واللغة وغيرها من العلوم تجتمع في إغناء بعضها البعض في إطار منهج شامل كلي، يبدأ من الوحي ويعود إليهما.

اترك ردا