الجهود اللغوية للعلامة الشيخ عمر بن أبي حفص الزموري … نصيرة عليوة

نصيرة عليوة:  باحثة دكتوراه علوم، لغة وأدب عربي، بجامعة البليدة 2ـ الجزائر

الشيخ العارف الزاهد العابد العلامة الفاضل عمر بن أبي حفص بن محمد، الحسيني القسنطيني الجزائري الإفريقي، المعروف بعمر بن أبي حفص الزموري، الذي يعود نسبه إلى ذرية سيدي عمر العجيسي، المولود سنة 1913م ببلدية برج زمورة التابعة لولاية برج بوعريريج، توفي والده وهو في السابعة من عمره، فكفله بعد ذلك مادياً أخوه محمد بن أبي حفص الحامل لكتاب الله العظيم، وكفله علمياً ابن عم أبيه الذي كان معلما للقرآن، فحفظ الشيخ عمر على يده تنزيل الله العزيز، وتعلق بكتاب الله تعالى تعلقاً شديدا، كما شغف بالبحث عن العلم متأثرا في ذلك بشيخه العلامة أحمد بن السيد حسين بن قدور، الذي تعلم عليه ما كان سببا في سعادته على حد قوله، وأثناء مسيرته العلمية حفظ متوناً كثيرة من خط شيخه في شنى العلوم العقلية والنقلية، ثم أخذ في الانتقال والتجوال في العديد من جهات الوطن بغية لقاء رجال العلم، ورغبة منه في إيصال مخزون المعارف التي فتح الله عليه بها، لمريديه وتلامذته والمتلقين عنه، فقصد في البداية الزاوية العلوية في الجعافرة، ثم مسجد توررين ببني عيذل، ثم زاوية الحاج احسن الطرابلسي بعنابة، ثم زاوية شلاطة بأقبو، وبعدها انتقل إلى زاوية سيدي موسى بتنبذار ولاية بجاية، ثم إلى واد زناتي بقالمة، ثم قصد مسجد عين الفكرون بولاية أم البواقي، وأخيرا تواجد في العاصمة بمسجد برقي قبل استقراره بمسجد سيدي رمضان بأعالي القصبة من 1965م إلى 1990م تاريخ وفاته قدس الله سره.
وقد عُرف عن الشيخ فيض علمه وغزارته، وقوة تأليفه، فمن مؤلفاته المطبوعة نذكر: فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف، كتاب فضل الدعاء ومطلوبيته، أبواب الجنان وفيض الرحمان في الصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، كذلك نجد المجموعة الأولى من رسائله، والمجموعة الثانية من رسائله، بالإضافة إلى كتاب الحج على مذهب الإمام مالك، كما كُتب عنه كتاب العلامة الشيخ أبو حفص الزموري للأستاذ بلقاسم آيت حمو، وكتاب من ثمرات المجالس النورانية مع العلامة الشيخ عمر أبو حفص الزموري، لنفس المؤلف، وكتاب من مآثر العلامة عمر أبو حفص الزموري في خدمة لغة القرآن للمجلس الأعلى للغة العربية.
أما عن إبريزه اللغوي فقد تمثل في ثمرته فتح اللطيف في التصريف على البسط والتعريف، وهو كتاب نفيس فيه أبحاث دقيقة في فن الصرف للطلبة والمتخصصين في اللغة، ويعتبر هذا المؤلف أوفى شرح لمتن البسط والتعريف للإمام المكودي رحمه الله، هذه المنظومة التي لم يعرف لها شارح يُلِّم بمضومنها، سوى الشيخ عمر الذي قيضه الله لشرحها وفك مغاليقها، وتبسيطها للطلبة المتعطشين لهذا الفن خاصة وعلوم العربية عامة، وتقريبها لهم بالبحث العميق الشامل، والعبارة السلسة المفهومة، والحجة الواضحة. وقد انتهى من تأليف هذه الدرة النفيسة عام 1947، بعد أن حفظ منظومة البسط والتعريف للإمام المكودي، وقد اعترف الشيخ عمر بأنه لم يعد إلى المنظومة نفسها بل اعتمد على ما سمعه وما حفظه من شيخه أحمد بن الحسين بن قدور، ويعتبر العامل الديني أقوى الدوافع التي جعلته ينجز هذا العمل، حيث أنه كان يرى أن المحافظة على ديننا الحنيف لا تنفصل عن المحافظة عن اللغة العربية التي شرفنا الله بها دون سائر اللغات. وإقدامه على إنجاز مثل هذا العمل المضني ما هو إلا دليل على تبحره في علم الصرف الذين يعتبر علما معقداً ومتشعباً وإتقانه له ولغيره من علوم اللغة.
وبالنسبة لمتن الكتاب فقد فتح الشيخ عمر بن أبي حفص هذه المدونة الصرفية كما لم يفتحها أحد بما يليق بمقامها منذ نظمها، وقد سمى شرحه بالفتح اللطيف، شارحا الأبواب الصرفية العامة في كتاب البسط والتعريف وهي: ( أبنية الأسماء والأفعال ــ أحرف الزيادة ــ الإلحاق ــ همزة الوصل ــ الإبدال والإعلال والقلب ــ فاء افتعل ــ تصريف الأفعال ــ صيغة نائب الفاعل ــ صيغة فعل الأمر ــ صيغة اسم الفاعل ــ الأوزان السماعية ــ صيغة اسم المفعول ــ صيغة المبالغة ــ صيغة اسم التفضيل ) وقد قسم الشيخ عمر شرحه إلى قسمين مستنبطا ذلك من عنوان المتن، القسم الأول الذي سماه بسطاً تناول فيه مسائل مهمة من هذا الفن، وهذبها بأسلوب بسيط، وجاء فيه بالكثير من المفردات وتفسيرها موضحا بتلك الأمثال القواعد الصرفية، ووشحها بنقولٍ صحيحة أغلبها من كتاب سيبويه، أما القسم الثاني من الشرح فسماه تعريفاً، وخصصه لحل ألفاظ المتن وشرحه وتفسيره بإيجاز، مع ذلك السبك العجيب. تلك الطريقة التي انتهجها الشيخ في شرحه تجذب الطالب والمختص وحتى القارئ الفضولي لهذا الفن وتحببه له على الرغم من جفافه، وعزوف الناس عنه، إلا أن الله حباه بمرونة روض بها فن الصرف ترويضا، وقربه إلينا بأسلوب بسيط سهل، وجميل ساحر في نفس الوقت. رحمه الله تعالى وطيب ثراه وأسكنه فسيح جنانه.

4 thoughts on “الجهود اللغوية للعلامة الشيخ عمر بن أبي حفص الزموري … نصيرة عليوة”

  1. مقال مهم، يسلط الضوء على فترة حاسمة من فترات تاريخ الجزائر، ويظهر علما طمسه الجهل والتَّغيِيب. بالتوفِيق للباحثة في هذا السَبِيل.

  2. جاءت في المقال عبارة قدس الله سره لم أفهم دلالتها وهل نخص بها عالما معينا أم هي لعموم العلماء؟ وكيف نبارك بالقداسة لماهو سر لم نطلع على حيثياته؟ الرجاء توضيح ذلك وشكرا

اترك ردا