العلم الشرعي أساس ترسيخ الوسطية والاعتدال … أسماء غيلان

د. أسماء غيلان: باحثة في الفكر الإسلامي – جامعة عبد المالك السعدي (المغرب)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد:
إذا كان القرآن الكريم هو النور كما جاء في قوله تعالى: {يَا أيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمُ إلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} . وهو الهدى والصراط المستقيم كما في قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَات إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . وهو الحياة لمن اتبعه حق الاتباع كما في قوله تعالى: {يا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ ولِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لمَا يُحْيِيكُم} . وهو الهداية والنجاة كما في قوله صلى عليه وسلم: { إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى تردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما} ، مع العلم أن الأمة الإسلامية تتعبد بهذا القرآن وبهذه السنة وحالها وصل لما وصل إليه من فرقة، وتشتت، وعنف بأنواعه وأشكاله، أفلا يحق لنا كمسلمين أن نتساءل عن السبب؟ ألا يجب علينا البحث عن مكمن الخلل؟ ألم يحن الوقت لإيجاد الحلول؟ خاصة وأن كل المؤمنين موقنين يقينا جازما أن ما قاله الله ورسوله حقا وصدقا، لكن كيف السبيل كي ينعم المسلمون بما قاله الله عز وجل؟ فبالطبع لا سبيل لذلك بقرآن يزين رفوف المكتبات بزخارفه الرائعة، ولا مصنفات حديثية كثيرة للتباهي بتراث السلف، بل ببث روحهما فينا وتلبسنا بنعمهما الربانية. ولا سبيل لذلك إن لم نُقْبِل على درسهما بجد وإخلاص لفهم دررهما النفيسة، وأنوارهما البهية بتوضيح المعنى، وكشف المغزى بالتماس ذلك في سوره وآياته وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، التي حفظها الصحابة الكرام وتابعوهم وتابعو التابعون ومن بعدهم من علماء السلف، الذين نقلوا لنا ما سمعوه عمن سبقهم في مصنفات وأبحاث ودراسات عدة اندرجت تحت مسمى العلم الشرعي. فما معنى هذا العلم، وما هي أقسامه؟ وكيف يستطيع تمكيننا من الوصول لنعم الله التي وعدنا بها؟ كيف يستطيع علاج السلبيات التي فشت في مجتمعاتنا وعلى رأسها التطرف والانحلال وتعويضها بقيم الوسطية والاعتدال؟
المطلب الأول: مفهوم العلم الشرعي وأقسامه
1. مفهوم العلم الشرعي:
تعريف العلم لغة: أصل الكلمة من مادة علم: علِمت الشيءَ أعلَمُه علما: عرفته. وقال ابن بري: تقول علِم وفقِه، أي تعلَّم وتفقَّه. وعلُم وفقُه، أي ساد العلماء والفقهاء. وعلم الأمر: أتقنه. والعلم: نقيض الجهل. قال ابن جني: لما كان العلم قد يكون الوصف به بعد المزاولة وطول الملابسة صار كأنه غريزة، ولم يكن على أول دخوله فيه، ولو كان كذلك لكان متعلما .
الشرع لغة: مادة شرع: شرع يشرع شرعا وشروعا: تناول الماءَ بفيه. والشرعة والشريعة في كلام العرب: مَشْرَعَةُ الماءِ، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماءُ عِدًّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرا معينا لا يُسقى بالرشاء. والشريعة والشرعة اصطلاحا: ما سن الله من أمر الدين وأمر به، ومنه قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}، قيل في تفسير الآية : الشرعة، الدين، والمنهاج والطريق، والشارع: الرباني، وهو الرجل العامل المعلم.
بمعنى أن هذا العلم ما ظهر إلا أثناء البحث والتدبر في كتاب الله، كل من جانبه، فاللغوي يبحث في معانيه بتتبع دقائقه اللغوية، والفقيه يغوص فيه رغبة في معرفة أحكامه، والمفسر يجمع بين هذا وذاك لكشف معناه، وهكذا دواليك حتى أصبحت تحيط بهذا الكتاب العظيم علوم شتى يمكن تقسيمها إلى أقسام عدة.
2. أقسام العلم الشرعي
بما أن هذا العلم ظهر خدمة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد تعدد بتعدد اتجاهات المهتمين به، قسمها العلماء إلى ما هو أصلي، أي: نبعه وأصله الوحي، ظهر لإبراز مقاصد الشرع الكريم من خلق الله لعباده، ومنه: العقيدة، والفقه، والتفسير، والحديث، وعلوم القرآن… فكان تعلمه مطلوبا لذاته.
ثم علوم فرعية أو ما سمي بعلوم الآلة: أي العلوم المساعدة على فهم نصوص الوحي، كأصول الفقه، اللغة العربية من نحو وبلاغة… كما لحق بهذا العلم، علم تاريخ الأمم والدول الإسلامية، تراجم العلماء فكانت هذه العلوم مطلوبة لغيرها.
أما من حيث الحكم فلقد قُسم العلم الشرعي إلى ثلاثة أقسام:
فرض عين: وهو تعلم ما يتأدى به الواجب العيني من صلاة وصيام وحج ، وكل عمل يُقبل عليه الإنسان في حياته من صناعة وتجارة، وفقه الأسرة من زواج، وإنجاب، وطلاق…وعليه حمل أهل الحديث حديث رسول الله: { طلب العلم فريضة على كل مسلم}. ومن العلماء من ألحق بهذا القسم علم القلب: وهو معرفة أمراض القلب كالحسد، والعجب وشبههما، فقال الغزالي رحمه الله:” معرفة حدودها، وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رزق المكلف قلبا سليما من هذه الأمراض المحرمة كفاه ذلك ولا يلزمه تعلم دوائها، وإن لم يسلم نظر إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم، لزمه التطهير كما يلزمه ترك الزنا، ونحوه من غير تعلم أدلة الترك، وإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور تعين حينئذ.
فرض كفاية: وهو تحصيل ما لابد للناس منه في أمور دينهم من العلوم الشرعية: كحفظ كتاب الله، الأحاديث النبوية ومعرفة علومهما، علم الأصول، علم الفقه، علوم اللغة العربية،… وكذلك بعض العلوم التي هي قوام أمر دنياهم، من طب وحساب وفلاحة وصناعة… فهذا لا يجب على عموم الناس ولكن على فئات معينة تحقق كفاية وحاجة الأمة في ذلك الجانب، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة: { ومَا كَانَ المُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمُ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} . لكن هذه الفئة عليها الجد والاجتهاد فيما تطلب لكي تكفي الأمة حاجتها في ذلك، لذا من العلماء من عد النفير إلى العلم يعدل الجهاد فسمى الأمرين نفيرا.
المستحب أو النفل: وهو كالتبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، كتعلم العامي نوافل العبادات لغرض العمل.
ونظرا لهذه الأهمية قال عنه العلماء ومنهم ابن حجر” إن أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام، وأعلى ما خص بمزيد الاهتمام، الاشتغال بالعلوم الشرعية المتلقاة عن خير البرية، ولا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى، وسنة نبيه المصطفى، وأن باقي العلوم إما آلات لفهمهما وهي الضالة المطلوبة، أو أجنبية عنهما وهي الضارة المغلوبة” .
وبعد هذه التوطئة عن معنى العلم وأقسامه، يتبين كونه نشأ خدمة لكتاب الله، وتقريب الخلق من خالقهم، بتعليمهم كيفية عبادته، إذ هي الغاية الوجودية التي خلق الإنسان لأجلها، بدليل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ومَا أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ. إنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ} . لذا فكل عمل يعمله الإنسان، ينبغي أن يكون عبادة لله، وفي رضى الله، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء قيامه للصلاة المكتوبة: {قُلْ إنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} . فالإنسان أثناء مزاولته عمله فهو في طاعة أو معصية حسب نيته ونتيجة عمله، فإذا كان في معصية بمعنى انحرف عن الطريق القويم، وإذا انحرف بمعنى جهل كيف يعبد الله، إذ أن أي فعل إما يكون وفق شرع الله المستنبط من وحيه، أو وفق الهوى المعبود من دون الله “إذ لا يخرج أي فعل بشري عن دائرة العبادة لله أو لغير الله” ، وإذا لم يكن في دائرة العبادة لله بمعنى انحرف إلى قبلة أخرى، وهو ما عبر عنه الفيلسوف والمفكر المغربي طه عبد الرحمن بفقدان القبلة عند الإنسان: “حيث أنه لا يبرح يشتكي من فقد المرجعية وفقد المعنى، نظرا لأنه فقد هذه القبلة يوم أن طغى واستغنى، مقررا أن يصرف الدين من عالمه… فقد اختار الإنسان الحديث أن يتقلب بين قبلات مختلفة يحددها من عنده، لا يستقر على أية واحدة منها، ويسلك إليها كل الطرق الممكنة” ، والذي فقد قبلته إنسان تائه يحتاج إلى توجيه وإرشاد وإلا ضاع وانحرف. لذا فالمتأمل في واقعنا اليوم يلاحظ هذا الانحراف في معظم سلوكيات أبناء الأمة؛ نتيجة البعد عن المنهج الحق، المنهج الوسط، منهج التوازن والاعتدال. فكانت النتيجة هذه النكبة التي تعاني منها الأمة اليوم؛ مما جعل عدة جهات تتكالب بآرائها المسمومة على اتهام هذا الدين بالغلو والتطرف والانحراف، لأن واقع الأمة الإسلامية التي تدين به منحهم فرصة لمزه بهذه التهم وأكثر حتى لو كان التدهور والانحراف سمات بعض أفرادها، وبراءة معظمهم من كل ما يقدح أو يشين بهذا الدين. فالقلة المنحرفة بسبب كثرة الصور السلبية التي تنشرنها عن الإسلام، استطاعت منح الفرصة الذهبية لأعداء هذا الدين لتجديد تكالبهم عليه.
فما سبب هذه التهم، هل يعود لتديننا المختل لسبب من الأسباب؟ هل هو الإسلام نفسه كما يدعي البعض؟ الجواب كلا وألف كلا، فهذا الدين فعلا راقي جدا ورائع جدا، وكل تهمة يتهم بها من الداخل والخارج هي تهم باطلة، تعود لأسباب ومقدمات عدة، أذكر منها:
• البعد عن الدين بتغييبه من الحياة العامة والخاصة، كنتيجة للظروف التاريخية والسياسية التي مرت بها الأمة الإسلامية، وتمر بها اليوم. فكانت النتيجة ما تعيشه اليوم من ضنك أخبرنا الله به في كتابة: {فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. ومَنَ أعَرْضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعْمَى} .
• الفهم السيء لهذا الدين من طرف بعض أبنائه مما كان سببا لانحرافهم وغلوهم ظنا منهم أنهم محسنون، بينما الحقيقة أنهم في أسوء حال، جمع الخشونة والغلو في القول والفعل، وأصبح هذا الفهم هو الدين الحق عندهم، ومن خالفه على باطل.
• ما بث في تراث المسلمين من أغاليط وترهات تناقض ما جاء به الذكر الحكيم والسنة النبوية الشريفة، استغلت في اتجاهين كلاهما مجانب للصواب. الأول: دعاة التصحيح في العلن، بينما في السر والواقع هم دعاة الهدم والنسف لهذا التراث مطلقا، مشككين في كل شيء، وبالتالي الدعوة لتصحيح كل شيء حتى النصوص القطعية.
والثاني: حراس هذا التراث المقدسين له بعجره وبجره، مهاجمين كل من ادعى توصله لحقيقة علمية، ولو عن طريق البحث والاستقراء، مشككين في كل جديد مهما كانت أدلته، وكلا طرفي الأمر ذميم.
• الحملة المسعورة ضد الإسلام والمسلمين من طرف الإعلام العالمي بالنفخ في الخطأ البشري ونسبته لما هو إلهي لتشويه الدين بأخطاء التدين المنحرف، خدمة لأهدافه ومصالحة التي لن تتحقق إلا بمزيد من التشويه والتزوير ونشر الكراهية ضد هذا الدين والمتدينين به.
فاستغلت الأخطاء أيما استغلال؛ للطعن في وسطية وعدالة هذا الدين القيم الذي نزل على محمد صلى عليه وسلم، وتلقفه الصحابة قولا وفعلا، فكانت النتيجة مدهشة، وهي ارتقاء تلك الأمة الأمية البدوية إلى مصاف الأمم الأكثر حضارة بل فاقتهم، وما ضعفت وأهينت إلا بعدما تراجعت عناية المسلمين بكتاب الله، وفهمه، وتدبره، والعمل به، فأصبحت مطالبة بترسيخ الوسطية بعد فشو الغلو والتطرف في حياة أبنائها، بالرغم من كون كتاب الله الذي تتعبد الله به مليء بالآيات الدالة عليها وعلى المعاني التي تكرسها من عدل ومساواة وتوازن…، كمحاولة نقد ذاتي واعتراف بخطأ قد ارتكب وتراكمت نتائجه عبر قرون وعقود، ولتصحيحه نحتاج إلى تفعيل كتاب الله منبع الوسطية في حياتنا اليومية، وإلى علومه كوسيلة لترسيخها، فما معنى الوسطية؟ وماهي سبل تحقيقها من خلال درس العلم الشرعي؟
المطلب الثاني: معنى الوسطية، سبل تحقيقها
1. معنى الوسطية
الوسطية لغة: ترجع في أصل وضعها إلى مادة وسط، وسط الشيء: ما بين طرفيه وقيل أعدله …والوسط قد يأتي صفة، وإن كان أصله أن يكون اسما من جهة أن أوسطَ الشّيء أفْضَلُهُ وخيَارُهُ، ومنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: { خيار الأمور أوساطها} فلما كان وسطُّ الشَّيْءِ أفضَلَهُ وأعدَلهُ جاز أن يقعَ صفةً، وذلك في مثل قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا} فكان هذا الوصف شعار الأمة الإسلامية.
الوسطية في الاصطلاح الشرعي: هي الاعتدال والوسط بين نقيضين أو طرفين متقابلين أو متضادين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، ولا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه ويطغى على مقابله ويحيف عليه. فهي دالة على عدة معاني متقاربة المعنى، منها العدل والاستقامة والتوازن والمساواة…؛ بمعنى أن معناها له امتداد عام وشامل لا يدرك بهذا اللفظ وحده، بل مفهوم مبثوث في أصول هذا الدين وفروعه كأدلة عن كل ما من شأنه التيسير والتخفيف على العباد في كل أمورهم.
2. سبل ترسيخ الوسطية في المجتمع وجعلها سلوكا يوميا من خلال دروس العلم الشرعي
إن الحديث عن موضوع الوسطية في العلم الشرعي ليس وليد اللحظة، بل من المواضيع المدروسة والمتأصلة في مصادر هذا العلم؛ نظرا لأصالتها الثابتة في كتاب الله. وما كان الحديث عنها اليوم إلا كشفا وإظهارا وإثباتا للثابت أصلا، وتأكيدا على أنه لا حل ولا مخرج لمأزقنا إلا بكتاب ربنا وسنة نبينا. لكن يبقى السؤال كيف ذلك؟
فعلى هذا العلم الذي منبعه كتاب الله وعليه يدور، وحوله يحوم، أن يؤكد على أن كتاب الله هو النظام الوحيد الذي حمل في طياته معاني الوسطية في شتى صورها، من عدل، واستقامة، وتوازن دون إفراط ولا تفريط، في شمولية تامة لكل العلاقات الإنسانية، بدءا من علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالكائنات من حوله، وذلك من خلال الإقبال على خدمته بتنقية مصادر السلف مما علق بها من أغاليط وأباطيل شوشت على صفاء تديننا وليس ديننا، وتجديد مناهج دروس العلم الشرعي وتكييفها مع الطرق الحديثة استكمالا لما فعله الأولون معها، وعليه أن يؤكد أن الإنسان مأمور بمنهج وسط في كل أمور حياته، بدءا من عبادته لربه، ببيان سيرة سيد الخلق أجمعين ومدى حرصه الدائم على أن يتوازن أصحابه في عبادة ربهم دون غلو ولا تشدد، إذ كان حريصا على تربيتهم على ذلك امتثالا وبيانا لأمر ربه عز وجل: {وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ منْ حَرَجٍ} ؛ لذا كان يوصي بأن {اكلَفوا من الأعمال ما تطيقون} ، وينهى من تجاوز حد الاعتدال وشدد على نفسه بأن يصحح سلوكه؛ لأن الله غني عن مشقته ظنا منه زيادة الأجر والثواب. وفي مثل هذا ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا بحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد}. وفي رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه قال: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله صلى لله عليه وسلم عن ذلك، فقال: { إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب} .
فمن خلال هذ الأدلة يتبن أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل على تصحيح الخطأ في الوقت المناسب، لأن الصحابة الكرام هم حملة هذا الدين من بعده، لذا علمهم معنى الوسطية قولا وفعلا، مبينا القواعد والأسس الثابتة لهذا الدين، والتي أكدها في قوله صلى الله عليه وسلم: {إن الدينَ يسرٌ ولن يشادَّ هذا الدينَ أحدٌ إلا غلبَهُ فسَدِّدُوا وقارِبُوا وأبْشِرُوا ويَسِّرُوا واسْتَعِينوا بالغدْوةِ والرَّوْحِة وشيءٍ منَ الدُّلْجَةِ} . قال ابن حجر: “سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم…فسددوا: الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل…” . فالمسلم مأمور بوسطية في كل عباداته من صلاة وصوم وحج… لذا كان التيسير ورفع الحرج والمشقة من السمات المميزة للشريعة الإسلامية في أكثر من دليل، منها قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} . وفي العمل ورد قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} . وفي مجال المعاملات والعلاقات الإنسانية ورد قوله تعالى: {خُذِ العَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عنِ الْجَاهِلِينَ} وغيرها كثير. لذا عدت الوسطية من خصائص دين الإسلام لأنها تمنع تغليب كفة طرف على طرف آخر في أي جانب كان، بل المطلوب هو الاعتدال في الأفكار والأقوال والأفعال، ليعيش المسلم في توازن مستمر لا تناقض بين عمله لدنياه وعمله لآخرته، فكل عمل عبادة مادام في طاعة الله.
لذا فعلى العلوم التي تحوم حول القرآن أن تعكس هذه الحقيقة وتجعلها واقعا معاشا، لكونها قاعدة ومبدأ يسري في هذا الدين كما يسري الهواء في الكون، وكما يسري الدم في الجسم، إذا انفصل أحدهما عن الآخر تعطل الجسد ووقع الخلل، كذلك الشأن بالنسبة لعلاقة الوسطية بالدين، فإذا أبعدت وأقصيت وقعت المشقة على الأمة. فعلى الدرس الشرعي أن يحرص على تحقيق هذه الوسطية بإظهار جمالية الدين وروحه الكامنة في هذا التوازن المطلق في كل شيء، وجعل الإنسان قادرا على أن يحيا بهذه القيمة حياة سعيدة يسيرة.
وأول جانب يجب تحقيق الوسطية فيه هو الجانب العقدي لكونه المدخل لهذا الدين، ليتعلم المسلم كيفية الإخلاص لله عز وجل في توحيده بنفي الشريك والشبيه والمكافئ والنظير، وأن يكون وسطا بين أهل التجسيم والتعطيل والتشبيه امتثالا لأمر الله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . فلا وصف إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا أهم درس في الوسطية تجب العناية به؛ لكونه علم زلت فيه كثير من الأقدام، ووقع فيه كثير من الاختلاف، فالحل هو العودة إلى الأصل المستخلص من قوله تعالى: {قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفؤا أحد} .
• ينبغي إخلاص النية في طلب العلم لله، التزاما بالمنهج الرباني في كيفية طلبه، قال تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. فأمر القراءة للرسول يخص عموم الأمة، لذا عد بعض العلماء، طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، لكن الطلب ينبغي أن يكون لله وباسم الله، أي: “الاستعانة بالله في العلم والتعلم والعمل، خاصة علوم الشرع التي يختص ويصطفي لها الله من يشاء من عباده” ، كما قال صلى الله عليه وسلم: {من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين} ، فإذا كانت أول كلمة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي كلمة “اقرأ”، وهي أمر بالقراءة بطريقة محددة وليست عبثية، وهي القراءة باسم الله ولله انطلاقا من قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. فإن هذا الأمر الأول لم يكن عاديا ولا بسيطا، بل حمل في طياته جملة من الأوامر التي تحث على مواضيع للقراءة مع كيفية قراءتها، أي بمثابة منهج. فالقراءة يجب أن تكون باسم الله ولله، وأول كتاب يجب قراءته بهذه المنهجية هو القرآن الكريم، الذي هو كتاب علمي بامتياز، تحدث عن جميع المخلوقات، بدءا من الإنسان والحيوان والجماد والبحار…كلها مخلوقاته، دعانا في هذه الجملة القصيرة الموجزة أن نقرأها؛ أي كل مخلوقات الله نحن مدعوون لقراءتها والتفكر فيها، بدءا من هذا الإنسان الذي خلقه من علق وعلمه بالقلم مالم يكن يعلم، وكل ما تعلمه الإنسان وسيتعلمه يجب أن يكون باسم الله ولله، فيكون علما من علوم كتابه وفي خدمة خلقه، لا يناقضها ولا ينافرها؛ مما يعني أن علوم الشرع هي علوم واسعة شاسعة نبعها كتاب الله. عكس من يرى ضرورة الفصل بين العلم والدين لأن القرآن كتاب دين فقط وكأن الدين ليس علما، وضرورة الفصل بين الدين والسياسة لأنه كتاب دين فقط وكأنها ليست من الدين، وضرورة الفصل بين علوم الدين والدنيا وكأن الدين لا يشمل هذه الدنيا. لكن الواقع هو أن كتاب الله شامل كامل لكل تفاصيل الحياة إن نحن أحسنا قراءته، لكونه منهاج حياة أنزله الله ليكون رحمة وليس عذابا بدليل قوله تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ، ولييسر حياة الإنسان لا ليزيدها صعوبة، لقوله تعالى:{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وليجعلها آمنة مطمئنة لا مفتونة مضطربة، كما هو واقع الأمة اليوم، تعيش ظروفا حالكة أصبح الدين هو المتهم الرئيس فيها، وأصبحت علومه مطالبة بصد التهمة، كما أصبح المنتمون للعلم الشرعي ملزمون أكثر من أي وقت مضى بإظهار جمالية هذا الدين ووسطيته وعدله. فماهي سبلهم لتحقيق ذلك؟.
فمن أولى السبل:
• اتباع قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام الذين أدركوا المعنى جيدا، فكانوا حريصين على طلب العلم لله، محاولين فهم كل آياته والعمل بكل ما فهموه بالرغم من المشقة الناتجة عن الفاقة والجوع أحيانا، ومع ذلك حرصوا على طلب العلم ولو بالتناوب فيما بينهم، فكانوا على قدر المسئولية فيما حملوه من علم، وعلى علماء الشرع أن يكونوا مثلهم عسى أن يشملهم قوله صلى الله عليه وسلم: {يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين}. وقوله صلى الله عليه وسلم: {من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة}. وقوله صلى الله عليه وسلم: {أخلص دينك يكفك العمل القليل}، أي يكون طلب العلم الشرعي حسبة لله، وخدمة لدينه لا طلبا لجاه ولا دنيا فانية.
• إعطاء الأولية لمجموعة من المفاهيم التربوية الواردة في القرآن من صدق وعدل ومساواة واحترام الآخرين وقول الحق، فكلها مبادئ مؤدية إلى الوسطية التي هي منهج وسلوك لا يتحقق إلا بالحرص على أعمال القلوب قبل أعمال الجوارح. لأن التزكية بالحث على الأخلاق الفاضلة وترك سلبيات وأمراض القلوب من كذب ونفاق وسوء أدب وكبرياء ورياء وسوء الظن والتقليد المذموم، والتحزب لغير الحق… من مهمات هذا الدين الأساسية، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلا لإتمام مكارم الأخلاق، وتزكية النفس من أمراضها بدليل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وإنْ كَانُوا مِنْ قَبلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} ، وقوله تعالى: { قَدَ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} . وقوله صلى الله عليه وسلم: {بعثت لأتمم مكارم الأخلاق}. لذا فمن مهمات الدرس الشرعي الأساسية وفي شتى تخصصاته أن يحرص على تزكية النفوس أولا، فهي معدن الوسطية ولبُّها، فالتزكية قبل العلم لما لها من دور في كل ما سيأتي فيما بعد، قال ابن مسعود رضي الله عنه: “ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم بالخشية” أي خشية الله عز وجل في السر والعلن، فلا ينطق المؤمن إلا صدقا. ونظرا لأهمية هذه الفضيلة دوما أوصى المفكر والفيلسوف طه عبد الرحمان بضرورة الوصل بين التعليم والتزكية في وقتنا الحاضر ، اقتداء بحرص العلماء الأقدمين على التزكية وترك المعاصي، والذين ربطوا فقدها بالحرمان من الحفظ كوسيلة لطلب العلم، وفي هذا قال الإمام الشافعي رحمه الله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظِي فأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المَعَاصِي
وأخبرني بأنَّ العلمَ نُورٌ ونورُ اللهِ لا يُهْدَى لِعَاصِي
أي أن العاصي يحرم بركة العلم ولو طلبه واجتهد في ذلك.
• تشجيع الاجتهاد القائم على الإنصاف والموضوعية في الحكم وتقييم النتائج بمقياس علمي، لا محاباة في العلم، ولا عصمة إلا للأنبياء. أما العلماء فهم تاج فوق رؤوسنا، وتراثهم فخر أمتنا، لكن لا قدسية لما تركوه، فهم بشر اجتهدوا فأصابوا وأجروا على ذلك، وأخطأوا وأجروا أيضا. لكن الخطأ ليس مقدسا بل ينبغي أن يكون مجالا لاشتغال الباحثين من أجل الاجتهاد في تصحيحه باتباع الوسائل اللازمة لذلك. ولا يعني ذلك أبدا فتح الباب لكل من هب ودب من أصحاب الرفض المطلق والتقليد الأعمى، وإلا تم النفخ في أخطائهم مرة بتبخيس كل ما تركوه، ومرة بالتقليد الأعمى لكل من جاء من الإمام المختار حتى وإن أوصى هو نفسه بعدم صوابية ذلك، متبرئا ومحملا المسئولية لمن يقلده في كل شيء، كقول الإمام مالك رحمه الله: ” كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم”. وقال الشافعي رحمه الله:” رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. لذا يجب فتح باب الاجتهاد لأهل الاختصاص ودعمهم في ذلك وعدم تقييد حريتهم بالشعار المجحف “ما ترك الأولون للآخرين شيئا”، “ومن قلد عالما لقي الله سالما”، “نحن خليليون إن ضل ضللنا وإن اهتدى اهتدينا”… كل ذلك لتنقية تراث الأمة مما علق به من الخرافات والإسرائليات والأحاديث الموضوعة التي لا زالت تفعل الأفاعيل في الأمة، ومنها: الترويج للحديث الموضوع في ظل وجود الصحيح، التعبد بالموضوع جهلا بوضعه، التحديث به رغبة في نيل الأجر والثواب، خاصة في ظل وجود التقنية الحديثة التي تمكن من نشر الحديث الموضوع في ثواني على عدد لا يحصى كثرة، وهو ما نشاهده ونسمعه كل يوم، وله نتائج سلبية، خاصة في ظل العبارة التي تختم بها الرسالة مثلا، (انشر تؤجر فإن لم تنشر فاعلم أن ذنوبك منعتك)، فكل هذه الأمور مهمتها على عاتق أهل العلم الشرعي لبذل الجهد في بيان هذا الأمر بنفس التقنية، ليكون التكافؤ بين الفعل ورد الفعل. ولتحقيق النتيجة المرجوة بوضع التكاليف الشرعية في مراتبها المناسبة، وبيان توازن وجمال هذا الدين في كل شيء، لا أن يتم التعبد بحديث موضوع يحث على عمل قليل في مقابل الأجر الكثير، ولا تكفير الآخر والحكم عليه بالردة، ولا تطبيق الحدود في ظل غياب المنظومة الشرعية التي تشرعن لها…”ما أحوجنا اليوم إلى إعادة القراءة للدين، في مصادره العذبة الصافية الجميلة! قراءة تصل المسلم بالله، قبل أن تكون قراءة ينتقم بها لنفسه، من الظلم الاجتماعي، والطغيان السياسي، فيكون بتدينه عدوا للدين! من حيث يدري أولا يدري!” .
• تعليم الناشئة مبادئ دينها الصحيح حسب السن، دون تكلف ولا إهمال، لكون الطفولة هي أهم محطة في تكوين شخصية الإنسان” فإما أن تجعل منه كائنا اجتماعيا مستدخلا معايير منظومته الثقافية متمثلا أبجدياتها… وإما أن تغرس فيه بذور التنافر والتوتر والاختلال التي تتفاعل فيما بينها، مفضية إلى بناء شخصية مضطربة معقدة تتنازعها تيارات الانحراف والاعتلال” . فإذا تم إهمال تربية الطفل على دينه، وهو في مجتمع مسلم يتغنى بكونه مسلما، وأبناؤه يجهلون كل شيء عن الإسلام، فهذا قمة الانحراف والبعد عن العدل والوسطية، فأول واجب على العلم الشرعي القيام به هو العناية بعقيدة الناشئة أولا، فهم رجال ونساء هذه الأمة مستقبلا، فإذا تربوا على الانحراف صعب تقويمهم، وصعب تواجدهم في هذا الدين لفقدانهم لهويتهم الإسلامية، وصعب انتماؤهم للأمة لنفورهم من كل ماله علاقة بهويتهم الدينية أو الثقافية، وهذا ما نبه إليه الفيلسوف طه عبد الرحمن قائلا: “أن التدين في حق المسلم ليس مجرد سلوك تعبدي يلجأ إليه لكي تَسكُن به نفسه، ويملأ به فراغ قلبه، وإنما هو طريقة تحقيق ذاته نفسها في الوجود، بحيث يوجد المسلم في الدين وجودَه في العالم، بل لا عالَم للمسلم غير دينه” . بمعنى أن كينونة ومكانة المسلم في دينه، فإن ابتعد عن هذا الدين لسبب من الأسباب، تاه واضطرب وابتعد عن عالمه الحقيقي إلى عالم ليس له، ولن يجد فيه نفسه أبدا. ومن جهة قد يتواجد في هذا الدين وفي هذه الأمة لكن بفكر متشدد يعاني الغلو والتطرف وكلا التوجهين بعيدين عن الصواب بعد السماء عن الأرض؛ لذا يجب جعل الوسطية أسلوب حياة، وفكر تتربى عليه الناشئة منذ نعومة أظفارها، ومنذ التعليم الأولي عن طريق الحرص على نبذ العنف اللفظي والجسدي بين الأطفال فيما بينهم، وبين الأطفال والأطر التربوية، وبين الأطر التربوية فيما بينها، وكذا الحرص على زرع القيم النبيلة فيهم من عدل وصدق و احترام الآخر بغض النظر عن لونه أو جنسه أو مستواه الاجتماعي…
• تجنب الحديث في المختلف فيه بين المذاهب في درس العوام أو البسطاء، كالخلاف بين السنة والشيعة أو الصوفية والسلفية، في حين يجب فتح المجال لطلبة العلم الشرعي لإعادة قراءة الأحداث التي فرقت بين هذه الفئات من المسلمين، وتحقيقها تحقيقا موضوعيا منصفا، بجمع الأحاديث الثابتة التي تخص كل حادث حادث حتى تتبين الأمة المسيء من المخطئ، فمن يعتبرها أحداثا عفى عنها الزمن واهم، فهي لا زالت سبب فرقة وتشتت أبناء الأمة، إما برفضهم للآخر ولو كان الاختلاف معه نسبيا فقط، وفي الفروع دون أن يمس الأصول المتفق عليها. أو برفض كل شيء والارتماء في أحضان الإلحاد، والشرك. أو جعله في حالة شك بحثا عن الحقيقة بسبب حدث تاريخي لم يلق له جواب أو تفسير، بل لقي من الفريق المتشدد التكفير والحكم عليه بالزندقة والخروج من الملة وإن كان في حالة شك وسؤال لم يلق له جواب.
• حرص العلم الشرعي على ضبط فقه المرأة وكل ما يخصها من آيات وأحاديث صحيحة لبيان المكانة اللائقة بها؛ لكي تكون المرأة المسلمة متوازنة في حياتها وفي فكرها، لا حائرة مشوشة بين كثرة الدعاوى الغربية للحرية، وفتاوى المتشددين بفرض أمور عليها ما أنزلها الله في كتابة، ولا قالها نبيه صلى الله عليه وسلم، أقحمت في الدين قسرا وقهرا للمرأة؛ لذا وجب تعليمها كل ما يخصها حتى تكون معلمة الوسطية في مجتمعها رافضة للغلو كيفما كان نوعه، بدءا من المغالاة في المهور، المغالاة في الإنفاق، إجبارها على زواج من لا ترغبه، لباسها المرفوض والمفروض، الحدود بين الحرية والانفلات …هذا لكون موضوع المرأة من أكثر المواضيع التي تثير نقاشات متكررة ومتجددة، مما يجعل فقه المرأة من أولى أولويات العلم الشرعي؛ لكي يكون المسلم والمسلمة واعيان بحقوقهما وواجباتهما، فلا يؤثر عليهما متشدد متعسف في فهم ما يخصها من أحكام، كما لا يؤثر عليهما من ينادي بحقوقها المزيفة لكي تنحل من قيود العزة والفضيلة والشرف. وما ذلك إلا لكونها هي الأم وهي المربية؛ فإذا تمت العناية بها وتعليمها أمور دينها وحقوقها وواجباتها، كانت مدرسة في الوسطية والتوازن لمن سيتربى على يديها في بيتها ومدرستها ومجتمعها ككل.
• الحرص على أن يشمل درس العلم الشرعي التركيز على قاعدة أن” حرية العقيدة مكفولة لكل الناس” وعدم أحقية إجبار من لا يرغب في الإسلام الدخول فيه جبرا، بدليل قوله تعالى: {لا إكراه في الدين}. وقوله تعالى: { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين} . وقوله تعالى: {ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُومِنِينَ}.
• التربية على الاعتراف بالخطأ ونفي العصمة عن الذات، { كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} . فالعالم الذي يخطئ ويستحيي من التصحيح تناقل خطأه المحبين من طلبة ومتتبعين ومهتمين عموما، فانتشر الخطأ من واحد إلى مجموعة كبيرة، وهذا يتحول من خطأ عادي يمكن أن يحصل لكل أحد إلى خطأ متعمد، وهذا ليس من أخلاق العلماء الذين يهتدون بهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل من التعصب والطاعة لهوى النفس الأمارة بالسوء.
• تفعيل دور خطبة الجمعة وإعادة الاعتبار للمنبر كأداة للتواصل والتعليم والتعريف بأمور الدين والدنيا، كفا تهميشا لهذه الوسيلة التي كانت أهم إعلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في لم شمل المسلمين، وتعليمهم، وتشاورهم في كل القضايا التي كانت تخص الدولة الناشئة، فكذلك يجب أن يكون للمسجد دور في نشر قيم التسامح والتعايش بين الناس، والأخلاق الحميدة التي تناقض العنف والتطرف وكل ما هو سلبي في المجتمع من شأنه الإخلال بالأمن والسلام؛ فيكون المسجد بهذا يلعب دوره كاملا لا منقوصا، العبادة والتعليم كما كان دوره في العهد النبوي وعهد الخلافة الراشدة.
• العناية بالخطاب الإسلامي وسبل التواصل، لأن أساليب التواصل أصبحت علما، والعلم الشرعي هو الواسطة بين النص الديني سواء كان قرآنا أو سنة وبين التطبيق العملي له، فلا مناص لدرس العلم الشرعي من إتقان هذا الفن والارتقاء به، حتى نتمكن من التعارف والتواصل الوارد في قوله تعالى: {إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، والتعارف لا يقوم أبدا على لغة سوء الظن، والأحكام المسبقة الجاهزة، ولغة التبخيس لمجهودات الآخرين، بل يقوم التعارف على حسن الخلق والمودة، وحسن الظن بالناس، والإنصاف حتى مع المختلفين معهم والمخالفين لهم، لذا على المختصين في هذا العلم امتلاك سبل التواصل من خلق حسن حتى يكونوا قدوة، فالقدوة الحسنة درس عملي تطبيقي. بالإضافة إلى التمكن من معرفة التعامل مع الوسائل الحديثة، ذلك كله لامتثال أمر الله الوارد في الآية الكريمة: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} مع المسلمين، ومع المخالفين قوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن}.
• التربية على الحوار مع الموافق والمخالف لكي يكون المتخصص في العلم الشرعي لا ينتظر فعلا ليقوم برد فعل، بل ينبغي أن تكون المبادرة منه دائما، لنشر قيم الإسلام الرائعة في هدوء وسكينة، وليس تحت تأثير ضغط الظروف المعاكسة لتوجهات هذا الدين. فالعلم الشرعي في حاجة إلى علماء مدربين على الحوار والنقاش وأساليب الإقناع؛ لكي يتمكنوا من تقديم فكر سليم ينبذ العنف والتطرف بأشكاله، فالتطرف والغلو أنواع، فمن يظن أنه مقتصر على النموذج الداعشي واهم.
• خلق إعلام بديل يشرف عليه خريجو العلوم الشرعية المتخصصين في الإعلام الدعوي؛ لمواجهة فقه الانترنيت الزارع للكراهية والحقد والمغذي لخطاب العنف. واستعمال كل أنواع الإعلام الجديد لنشر قيم الوسطية والاعتدال بعرض قصص من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، تظهر تصرفاتهم في قضايا مهمة نحتاجها في كل تفاصيل حياتنا اليومية، بدءا من فقه الأسرة من زواج وطلاق، فقه البيوع، فقه الحرف والصنائع، فقه التعايش والتعامل مع الآخر في حالتي السلم والحرب…من أجل كشف وتأكيد عدالة ووسطية هذا الدين، وفق رؤية إعلامية مواكبة للتطور الحاصل في هذا النوع من الإعلام، تمكن شريحة عريضة من المتابعين من مختلف الأعمار والتوجهات من معرفة دينها عن طريق التركيز على أمور منها:
 إعادة الثقة بجمال هذا الدين الحنيف، والمتمثل في عدالته ووسطيته التي دلت عليها آيات عدة وأحاديث كثيرة جدا، شملت كل مناحي الحياة من عبادة وعمل ومعاملة؛ لتكييف التدين وتجميله انطلاقا من أصل جمال الدين.
 التعريف بأن ما ينسب إليه زورا وبهتانا هو نتيجة تديننا وليس ديننا، والفرق شاسع، فالأول مصدره رباني خالص وأدلته متعددة، منها قوله تعالى:{ حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} . والثاني خليط بين ما هو مصدر إلهي، واجتهاد علمائي، بالإضافة إلى الفهم الشخصي للمسلم ومدى تطبيقه لما سمع وأوعى.
الثالث: محاذير غياب هذا العلم
1 نتائج غياب العلم الشرعي أو تهميش دوره:
إذا كان العلم الشرعي هو السبيل لفهم كتاب الله، فلا شك أن غياب هذا العلم له نتائج كارثية لا تحمد عقباها، يمكن تلخيصها كالآتي:
• انهيار المجتمع المسلم دينا وأخلاقا، وتحوله إلى مجتمع غارق في الماديات، متلهف إلى الحضارة الغربية الغارقة في الملذات لتغليبها أحقية الجسد على الروح. عكس الإسلام الذي هو دين شامل لكل جوانب الحياة، حث على العناية بأمور الدنيا والآخرة، دون تغليب جهة على جهة لتداخل الجهتين، فالأولى مزرعة للثانية وهذا قمة الوسطية بأمر من الله عز وجل: { وابْتَغِ فِيمَا آتاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرةَ ولاَ تنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا وَأَحْسِنْ كمَا أحْسَنَ اللهُ إليْكَ ولاَ تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} ؛ أي في كل سعيك على وجه الأرض ابتغ به وجه الله، وابتعد عن الإفساد بشتى أنواعه، لكونه انحراف وغلو في أي جهة كان؛ لذا كان للعلم الشرعي دور في تربية المجتمع المسلم، تربية شاملة للعقول والنفوس والقلوب والأبدان، بتطهيره من الموبقات والمحرمات.
• غياب البوصلة في مجال العلوم الأخرى؛ بدليل المقارنة بين حضارة المسلمين في مرحلة الريادة، والتي أكدت أن ربابنتها كانوا هم علماء انطلقت معارفهم من كتاب الله، فجاءت علومهم التي أبدعوا فيها متوافقة متصالحة معه، لا تناقضه فكانت النتائج مدهشة، الانطلاقة من كتاب الله بحفظه في الصغر، وتدبر معانيه في سن الاستيعاب، ثم الانطلاق في ملكوت الله للملاحظة والمقارنة والتجريب لما استنبطوه وما أعملوا فيه عقولهم، فكانت الثمرة علوما في خدمة البشرية لا المسلمين وحدهم، فكانت حضارة ذات مقومات متينة جمعت الدين والدنيا و”كان العلم الشرعي لحمتها وسداها، وكان سائقها وقائدها، كما كان علماء الشريعة ربابينها وروادها” . ونموذج ذلك مثلا العالم المسلم ” ابن الهيثم” الذي عرف بالزهد والبعد عن شرف الدنيا وجاهها، حتى أنه ترك الوظيفة في عهد الخليفة الفاطمي “الحاكم بأمر الله” ليتفرغ للعلم، فامتازت بحوثه بالملاحظة والتجربة والاستقراء والقياس، ورائده في ذلك منهج الأصوليين، وغرضه في كل ذلك “استعمال العدل لا اتباع الهوى، ويتحرى في سائر ما يميزه وينتقده طلب الحق الذي به يثلج الصدر، حتى يصل بالتدرج واللطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، وتظهر الحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم الشبهات” ، ومثله كثير من علماء المسلمين. لكن لما أصبحت الريادة لعلوم انحرفت بوصلتها عن كتاب الله كانت النتائج مختلفة اختلط فيها الخير بالشر، والنافع بالضار، والسعادة بالتعاسة ” لأن سعادة الإنسان ومستقبله لن يتوقف على مزيد من الكشوفات المخبرية والتقنية وتكنلوجيا المعلومات، ولكنه سيكون منوطا بمدى إيمان المرء بمبادئ صحيحة وقيم عليا، وتأثير هذا الإيمان في ترشيد سلوكه وتعديل مواقفه واتجاهاته في الحياة” .
• استمرار حالة الأمة على ما هي عليه من تدهور أو زيادة تدهورها أكثر فأكثر مالم تتم العناية بهذا العلم وأهله، لأن الحضارة الإسلامية ما قامت إلا بريادة علماء الشرع فكان العلم الشرعي قائدها وكان أهله ربابنتها، ولما تم تهميشه بتهميش أهله انتهت وتراجعت بتراجع روادها، والدليل مصنفات هذا العلم وكتب التراجم بشكل خاص التي تظهر عددهم الكبير في مقابل قلة عددهم في هذا العصر، هذا إلى جانب قلة وهزالة منتوجهم بسبب تهميش دورهم منذ الاستعمار الذي عمل بجد من أجل تبخيس دور هذه العلوم بتدخله في المناهج شكلا ومضمونا. قال صلى الله عليه وسلم: {لا ينزع الله العلم انتزاعا من الناس ولكن يقبض الله العلم بقبض العلماء، فإذا ذهب العلم اتخذ الناس رؤوسا جهالا سئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا}. وبالتالي فقدان الأمة للمرجعية الشرعية بتبخيس أدوار العلماء في حياة المسلمين وإضعاف منتوجهم الفكري بسبب التضييق عليهم. فكانت النتيجة ظهور أدعياء جهال يفتون الناس بغير علم، فوقع التناقض والاضطراب وكثر الهرج والمرج بسبب إسناد الأمور لغير أهلها، فضاعت حقوق الأمة في الأمن والسلام بتغييب الأكفاء في المجال. ولو كان ممكنا الاستغناء عن علماء الشرع لكان الاستغناء عن علماء تخصصات أخرى من باب أولى. فدور العلم الشرعي مهم ولا يمكن التخلي عنه أو تهميشه، لكون علمائه هم قواد هذه السفينة إلى النجاة بإذن الله، فهذا لا يعني أن ما يقومون به كاملا تاما، بل عملهم اليوم في تراجع وتناقص مستمر، وهم في أمس الحاجة لمراجعة مناهجهم حتى يتمكنوا من القيام بدورهم على أكمل وجه. فالأمة في أمس الحاجة للعالم المجتهد الحر ذي الفكر المتنور، الملتزم بالثوابت دون رفض لمستجدات العصر، بل يقبل منها ما كان متوافقا للشرع حتى ييسر على الأمة التي تنتظر رأيه بفارغ الصبر، فعالم الشرع المخلص في علمه لله عز وجل هو طريق من طرق نشر الهداية والأخلاق الحميدة بين المسلمين، وطريق من طرق نشر الإسلام وتعليم المسلمين الجدد أمور دينهم، وهذا دور لا يمكن أن يقوم به عالم آخر إلا إذا جمع بين علم الشرع وعلم آخر. فعلماء الشرع هم ورثة الأنبياء في نشر ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من نور وهدى، وإذا غابوا غاب العلم وساد الجهل بالدين، وساد الانحراف بنوعيه: الانحلال والتشدد وكلاهما مذموم يحتاج إلى علاج، وعلاجه بيد المخلصين من العلماء.
• فقدان الهوية الإسلامية للأمة بسبب إهمال دينها بإهمال علومه الموصلة لفهمه وتدبره، مع العلم أن الدين هو قوام خصوصيتها ونموذجيتها التي تفردت بها وميزتها عن الهويات الأخرى، إذ الهوية الإسلامية خليط متجانس مزج بين العقيدة، والشريعة، واللغة والثقافة، والتاريخ، والجغرافية الخاصة بها. فإذا فقد عنصر العقيدة أو الشريعة الإسلامية مثلا فقد أهم عنصر مميز لها، فيصبح أبناء الأمة في مهب الريح، حيث يضعف إحساسهم بهويتهم، فيسهل استلابهم وانغماسهم في هوية بعيدة عنهم، فتفشل وتعجز عن علاج كل ما يعترضها من أزمات ومشاكل، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، وحتى الدول مع بعضها البعض. فبتخليها عن العلم الشرعي تصبح مستهلكة لحلول أخرى تناقض بيئتها ومبادئها ودينها، لأنها حلول نشأت لبيئة مغايرة تدين بدين غير دينها، وستبقى تائهة مالم يعمل أبناؤها على تتبع المشاكل لاستقراء الحلول المناسبة لبيئتهم وثقافتهم، وإلا غرقت هذه الأمة في التبعية أكثر مما هي فيه، وازداد تنقصها بنقصان علمها، كما أشار الدكتور الشاهد البوشيخي قائلا “وحين نقص العلم نقصت الأمة وتنقصت من أطرافها” ، فهي في حاجة إلى بناء الشخصية الاجتماعية المتعاونة، المتوازنة من أجل وقف نزيف الأمة كما وكيفا، أي: وقف تدهورها وانحدارها علميا حتى ترتقي مكانتها بين الأمم، ووقف تنقص أطرافها بسبب الاستعمار الناتج عن ضعفها.
ختاما يمكنني أن أقول أن الوسطية بالنسبة للأمة الإسلامية هي مسئولية وتكليف وتشريف في الوقت ذاته، وذلك لقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، فلقد شرفها الله أن جعلها أمة وسطا في كل شيء حتى تكون قادرة على أداء مهمة الشهادة على غيرها، فحينما تُكذب الأمم أنبياءها بعدم التبليغ سيتم استدعاء خير الأمم للشهادة لصالح أنبياء الله ورسله بأدائهم الأمانة لأقوامهم كما أمروا؛ وستكون هذه الشهادة اعتمادا على مكانتها وأمانتها التي تحملتها من نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الذي لن يشهد على صدقها إلا بعد شهادتها لصالح أنبياء الله قبله؛ ليتحقق دورها في الشهادة على الناس كأمة وسطية واعتدال كما أشار ابن كثير في تفسيره للآية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير ما أتانا من أحد، فيقال لنوح من يشهد لك. فيقول محمد وأمته، قال: فذلك قوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} قال: والوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم” . فالأمة كي تكون شاهدة ينبغي أن يتحقق فيها شرط العدل والمساواة والعلم، لذا وجبت العناية بكتاب الله لأنه روح هذه الأمة، فلا عدل لها بدونه ولا شهادة لها إلا بالإيمان بكل ما ورد فيه، ومن خلال العناية بعلومه وعلمائه الصادقين، مشاعل النور والهدى، ورثة الأنبياء حقا وصدقا، ليكونوا طريقا لشهادة العدل والحق، كشرط أساسي كي نتمكن من شهادة رسول الله الذي لن يشهد علينا إلا بتحقق شرط الشهادة على الأمم قبلنا، فهل يا ترى سننهض لتحقيق المطلوب بأن نكون أمة عدل وتوازن واستقامة ووسطية حتى نحظى بشرف الشهادة فيشهد علينا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟.
قائمة المصادر والمراجع
 القرآن الكريم برواية ورش
 أحمد بن الصديق الغماري.” الإقليد في تنزيل كتاب الله على أهل التقليد”. مخطوط في مجلد. خزانة خاصة
 أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. “هدي الساري مقدمة فتح الباري”. المكتبةالسلفية.
 بركات محمد مراد. “كيف نربي أبناءنا “. حراء، العدد 40،(السنة التاسعة ، يناير فبراير 2014).
 الترميذي، سنن الترمذي. بيروت لبنان: طبعة دار الفكر.(1425- 14426/ 2005م).
 ابن الجوزي، الموضوعات، (بلا تاريخ).
 بركات محمد مراد. “ابن الهيثم مؤسس علم الطبيعة في العصور الوسطى”. مجلة حراء، ص 46. (العدد 38، السنة التاسعة شتنبر أكتوبر 2013).
 عبد الحميد عشاق. “التربية على قيم النقد والتقويم”. مجلة حراء. ( العدد 39 السنة التاسعة نونبر – ديسمبر 2013).
 طه عابدين طه” فقه القراءة من منظور قرآني” نسخة لبحث على pdf
 طه عبد الرحمان ” من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر”. بيروت لبنان: المؤسسة العربية للفكر والإبداع.2016.
 محمد بن إدريس الشافعي. “ديوان الإمام الشافعي”. تأليف جمع وترتيب وتحقيق صابر القادري. المكتبة العصرية – بيروت. الطبعة الأولى 1424/ 2003م.
 محمد بن إسماعيل البخاري. “صحيح البخاري”. الدار البيضاء: مكتبة الوحدة العربية. الطبعة الأولى 1431ه/ 2000م.
 ابن منظور. (بلا تاريخ). لسان العرب.
 ابن كثير الدمشقي. تفسير القرآن العظيم. مكتبة النور العلمية. بيروت
 عبد الله إبراهيم الطريقي. “علماء الشريعة وبناء الحضارة”. الرياض: دار المسلم للنشر والتوزيع. (1318 / 1997م).
 فريد الأنصاري. “جمال الدين معارج القلب إلى حياة الروح”. دار السلام للنشر والتوزيع.
 الشاهد البوشيخي، “حاجة الدعوة إلى العلم”، مجلة حراء، العدد36، السنة الثامنة، ماي – يونيو، 2013
 يحيى بن شرف النووي.” المجموع شرح المهذب”. رقم الطبعة : د.ط: د.ت: مطبعة المنيرية .
 يوسف القرضاوي. كلمات في الوسطية الإسلامية ومعالمها”. دار الشروق. الطبعة الأولى 2011.”

رأي واحد حول “العلم الشرعي أساس ترسيخ الوسطية والاعتدال … أسماء غيلان”

  1. أشكر الباحثة الفاضلة على الجهد الراقي المبذول في البحث
    البحث أوسع بكثير من عنوانه وهذه إيجابية من الزاوية التوعوية
    لأنها تعطي جرعة ثقافية كبيرة للقارئ والدارس
    ولكن ربما كان من الأوفق التركيز على الفكرة المستهدفة من البحث
    وإعطاء المزيد من الأدلة والشواهد التي تدعم الفكرة بالنسبة لجزئيات البحث
    وهذه الملاحظة (تحسينية) كما يقول الأصوليون
    ولا تعني قط الانتقاص من قيمة البحث القيم
    شكرًا جزيلاً .. جزاك الله خيرًا

اترك ردا