التوظيف البصري للموروث الشعبي المادي في المنجز السينمائي المغربي – دراسة في نماذج فلمية

لقد تمت مناقشة أطروحة الدكتوراه برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن طفيل- القنيطرة، أعدها الطالب الباحث بوجمعة أكثيري بمركز الدراسات في الدكتوراه ضمن تكــوين:”المسرح وفنون العرض” تــحــت إشـــراف الأستاذ احمد الغازي فــي موضــوع: “التوظيف البصري للموروث الشعبي المادي في المنجز السينمائي المغربي – دراسة في نماذج فلمية”. وذلك يوم الاثنين 10 يوليوز 2017 بمدرج الندوات بالكلية.
وتكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة:
– دة. نورة لغزاري : رئيسة
– د. أحمد الغازي : مشرفا ومقررا
– د. حسن يوسفي : عضوا
– د. خالد أمين : عضوا
– د. عز العرب العلوي لمحرزي : عضوا
وبعد المداولة قررت اللجنة العلمية منح الباحث أكثيري بوجمعة شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدا بهذا العمل الجاد والجديد.
وفيما يلي نص التقرير الذي ألقاه الباحث أمام اللجنة العلمية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.
السيدة رئيسة اللجنة العلمية الموقرة
أساتذتي الأفاضل، أعضاء اللجنة العلمية المحترمة، أيها الحضور الكريم.
إنه لمن أسباب سعادتي الغامرة أنْ أتقدم بين يديْ لجنتكم الموقرة في هذا المحفل الأكاديمي، لأحظى بشرف مناقشتكم للأطروحة التي حضّرتها بعنوان: “التوظيف البصري للموروث الشعبي المادي في المنجز السينمائي المغربي- دراسة في نماذج فلمية”.
واسمحوا لي، أساتذتي الكرام، أن أستهل هذا التقرير بكلمة أوجّهها لأستاذي الجليل الدكتور أحمد الغازي الذي تفضّل بقبول الإشراف على هذه الأطروحة، وحرص على رعايتها علميّاً، طيلة مراحل إعدادها وإنجازها، بتوجيهات ونصائح قيّمة أغنت مضامينَها. فكم أتمنى أن تُسعِفني الكلمات لأعرب له عن خالص شكري وتقديري على ما خصني به من كريم العناية وعظيم الاهتمام. كما أشكر ثقَتَه الغالية راجيا أن يجد في نتائج هذا الأطروحة بعضا من غرسه الطيب. والشكر موصول إليكم أيضا، أساتذتي الأفاضل الدكتورة نورة الغزاري، والدكتور حسن اليوسفي، والدكتور عز العرب العلوي المحرازي، والدكتور خالد أمين (الذي لا يحضرنا اليوم لكن حضرنا بفحصه لأطروحتنا)، فشكرا أساتذتي على قبولكم قراءة هذه الأطروحة والعمل على تقييمها وإغنائها بملاحظاتكم النيرة. كما أوجه شكري لكافة أساتذة مختبر المسرح وفنون العرض على ما بذلوه من مجهودات بهدف حسن إعداد وتكوين طلبة الدكتوراه المنتسبين للمختبر. واسمحوا لي كذلك بشكر جميع الحاضرين والحاضرات، ولكل من أسهم في إخراج هذه الأطروحة إلى حيّز الوجود.
السيد الرئيس؛ أعضاء اللجنة العلمية الموقرة، بعد واجب الشكر أقول إن مسالة اختيار “التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية في المنجز السينمائي المغربي- دراسة في نماذج فلمية” موضوعاً لهذه الأطروحة، أملته عدة اعتبارات، يأتي في مقدمتها قيمة وضرورة التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية في المنجزات السينمائية، نظرا لايجابية تبني هذه الآلية المُعتمدة على التوظيف البصري على مختلف المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والجمالية والفنية، خصوصا إذا ما استحضرنا أهمية هذه المواريث الشعبية المادية بالنسبة للسينما، وأهمية هذه السينما بالنسبة لهذه المواريث؛ وذلك في إطار علاقة تكاملية يمكن اعتمادها كإستراتيجية تنموية بصيغ وخصوصيات مغربية تعبّر في عمقها عن اهتمامات ومشاغل وطموحات الإنسان المغربي في الزمن الراهن. واللافت للانتباه بشأن هذه الآلية المُعتمَدة؛ هي تلك القدرة على فك الحصار عن الذات المغربية المتجلية ماديا في ثنايا هذه المواريث الشعبية الموظفة بصريا على شكل رموز ورسوم وخطوط وألوان سواء على مستوى المعمار، النسيج، الخشب، الجلد، المعادن…إلخ والتي ارتسمت مضامينها وأشكالها على مر الزمن، وهذا ليس بغريب عن السينما إذا ما استحضرنا قُدراتها الكبيرة في الإبلاغ والتأثير والإقناع. غير أن هذه العودة وكما تطرقنا إلى ذالك من داخل أطروحتنا يحتاج إلى دربة ودراية ورؤية جرِّيئة مبنية على المعرفة. وذلك حتى يستقيمَ التفكير بشكل موضوعي حول تصور بصري على المستوى السينمائي بمقومات وخصوصيات مغربية لا تنقطع عن أبعادها الإنسانية الكونية. لذلك، نرى بحظوة وأهمية دراسة التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية، ليس فقط من حيث الراهنية والحضور المرتقب تحقيقه على المستوى الإعلامي؛ من حيث الإشعاع والتسويق والكشف والتعريف بخصوصياتها الفنية والجمالية وحمولاتها ودلالاتها الرمزية المختلفة، بل، وهذا الأهم، القدرة على تغيير التفكير النمطي المتوارث حولها.
ولعلّ القيمة العلمية لهذا الموضوع ستتضح معالمُها عبر تحديدنا للأهداف المراد تحقيقها من هذه الأطروحة، والتي تتقاطع في مجملها مع ما يشكو منه البحث العلمي ببلادنا من ضعف كمي كبير في مجال التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية سينمائيا، وغياب شبه تام لرؤية واستراتيجية علمية وعَملية كفيلة بالنهوض بهذا التوافق العلمي القائم على المواريث المادية في علاقتها بالسينما على مستوى الترويج والتسويق والعائدات المنتظرة منهما في مجال الصناعة الثقافية. وذلك لأسباب موضوعية ذات صلة بندرة المراجع، وبالتحفظات المترسِّبة في الوعي الجمعي للمجتمع حيال السينما بربطها فقط بالترفيه. وقد انعكست هذه المسألة بالسَّلب على القراءة العلمية، وظل التعامل مع الموضوع تغلب عليه التعميمات، والمقربات النظرية الكلاسيكية الدخيلة أثناء فعل المعالجة، وذلك بمعزل عن الدقة العلمية. وباستحضار كل هذه النقاط، تسعى هذه الأطروحة إلى بلوغ مجموعة من الأهداف، على رأسها التأصيل العلمي لموضوع يزاوج بين الصورة السينمائية والمواريث المادية عبر آلية التوظيف البصري بحكم ما يوفره هذا الموضوع من سيولة بحثية لها آفاقها الإستراتيجية في مغرب الألفية الثالثة، على مختلف المستويات، نُجملُها في: إعطاء أفق جديد للصناعة السينمائية بالمغرب فنيا وجماليا ورمزيا، مع إغناء توجّهاتها وخصوصياتها الهوياتية. إضافة إلى إيجاد علاقة رابطة بين موضوع الصورة السينمائية والرموز الشعبية، في سبيل خلق رؤية إبداعية تعمل على توطيد القيم المشتركة وحماية التنوع الثقافي المغربي، وخدمة قضاياه التنموية والثقافية والاجتماعية والسياسية. فضلا عن فهم حيثيات وخلفيات وأبعاد هذه المواريث الشعبية الموظفة بصريا، وكشف جمالياتها الفنية والرمزية المتمثلة في نقوشها ورسومها وخطوطها ووشومها، مع القدرة على استنطاق مختلف معانيها ودلالاتها الخفية محل الدراسة بقراءتها قراءة خاصة، بغية الرقي بالذوق الجمالي للمتلقين. هذا إلى جانب الكشف عن أهمية الصورة السينمائية بالنسبة للمواريث المادية وأهمية المواريث الموظفة بالنسبة للسينما، دون إغفال ما سوف ينجُم عن هذا الكشف من إبراز لقيم روحية وإنسانية وجمالية وفنية تحوزها هذه المواريث الموظفة بصريا. إضافة إلى الانفتاح على الثقافة المحلية من خلال السينما وإعادة رسم معالم وتصورات جديدة عنها.
والأكيد أن هذه الأهداف لا تخرج عن الإشكالية المركزية التي تحاول هذه الدراسة أن تلامسها، والمتمثلة في التساؤل الإشكالي الآتي: كيف يمكن للموروث الشعبي المادي المغربي الموظف بصريا في المنجز الفلمي المغربي، أن يُفيد وأن يستفيد من السينما؟ وكيف يمكن للسينما المغربية أن تستحدث نظرة جديدة ومبتكرة، ذات خصوصية إبداعية؛ انطلاقا من هذه المواريث الشعبية المادية الموظّفة بصريا؟
وبغية إثراء هذه الإشكالية المطروحة وتفتيتها على سبيل الإيضاح، قمنا بطرح مجموعة من التساؤلات التي تُعتبر بمثابة ركائز أساسية ضمن هذه الإشكالية وتتمثل فيما يلي: ترى إلى أي حد تعكس التّجربة السينمائية بالمغرب الثقافة والحضارة المغربيتين؟ وكيف يستطيع الفلم المغربي، أن يكون ناجحا في مختلف التظاهرات الوطنية والدولية، انطلاقا من خصوصياته المحلية المبثوثة في هذه المواريث الشعبية المادية الموظّفة بصريا؟ وما هي أهم نتائج هذا التوظيف البصري لهذه المواريث الشعبية المادية سينمائيا؟
للإجابة عن الإشكالية المطروحة، إلى جانب الأسئلة الفرعية التي تثيرهاـ انطلقت الدراسة من فرضيات أولية ضابطة، أبرزها تلك القائلة بأن:
• السينما من بين أهم الوسائط البصرية للتعريف والترويج والتسويق للمواريث الشعبية المادية عبر آلية التوظيف البصري.
• التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية، من شأنه أن يُعزز موقع السينما المغربية ضمن باقي السينمات العالمية، من حيث الأسلوب والخصوصية البصرية.
• التوظيف البصري للموروث الشعبي المادي، آلية من آليات الرقي بالذات المغربية وذوقها الجمالي وغناها الثقافي والحضاري والرمزي..إلخ. إضافة إلى كونه آلية لفتح آفاق تنموية كبرى بالمجتمع المغربي على مختلف الأصعدة والمستويات.
للتحقق من هذه الفرضيات، وبلوغ نتائج موضوعية بخصوص الأهداف التي سبق تحديدها، ترتكز هذه الأطروحة في منهجيتها على الأطر التالية:
 الإطار النظري العام للدراسة: (استخدام المنهج التاريخي)
يتضمن تكوين مجموعة من المعلومات النظرية عن موضوعة “السينما”. وذلك ابتغاء تحديد وتأطير موقع السينما المغربية ضمن باقي السينمات العالمية، وإعطاء فرش نظري يمكّننا من فهم مساراتها، وبالتالي إمكانية فهم أهم حيثياتها. ينضاف إلى هذا الإطار، التطرق لبعض المفاهيم والرؤى المتعلقة بالجوانب التقنية والفنية للّغة السينمائية؛ المرتبطة ارتباطا وثيقا بموضوع الدراسة.
 الإطار العلمي والمعلوماتي للدراسة
ويتمثل في جمع المعلومات عن المواريث المادية (معمار، أزياء، إكسسوارات الزينة، أدوات خشبية، جلدية، نسيجية، معدنية، طينية…) الموظفة بصريا في الأفلام المختارة، وذلك على شكل “فوتوغرامات” مأخوذة من الأفلام المراد تحليلها؛ وهي ثلاثة نماذج فلمية لمخرجين مغاربة، وهي كالآتي: (فلم “باب السماء مفتوح” لمخرجته فريدة بن اليازيد، وفلم “موشومة” لمخرجه لحسن زينون، وفلم “زهرة أغمات” لمخرجته فريدة بورقية).
 الإطار التحليلي للدراسة
يتناول هذا الشق تحليل المعلومة التي سوف يتم الحصول عليها من خلال “الفوتوغرامات” المأخوذة عن اللقطة الفلمية الموجودة في العروض الفلمية المراد دراستها، والتي سيتم تحديد سُلّمها وزوايا تصويرها وحركات الكاميرا داخل إطارها مع جردها وتصنيفها وتنظيمها حسب طبيعة المواريث التي تنقلها بصريا. ثم وصفها وتحليلها اثنوغرافيا وانثربولوجيا باعتماد الملاحظة الدقيقة لتفاصيلها، واستكشاف أصُولها ودلالاتها العميقة سميوطيقيا التي ستعمل على إغناء القصد الرسالي والدلالي للمادة الفلمية؛ وذلك من خلال ما تحُوزه أو تشمله ثناياها من زخارف ورموز وألوان وتشاكيل وأحجام، وما يصحبها من طقوس تربطها آليا بالفضاء الحياتي للمجتمع المصور فلميا. ما سيسمح بإعطاء نظرة عن أسلوب الحياة لهذا الفضاء المغربي المصور سينمائيا، وكل ما يتصل بثقافته وسلوكياته. بما معناه أن الدراسة تهتم بالبعد التحليلي التأويلي للعلاقات الخفية والضامرة في تفاصيل المواريث المادية الموظّفة داخل اللقطة الفلمية المختارة من المتن الفلمي، والمدلل عليها “فوتوغراميا” عن طريق الشرح والتفسير لأنساقها الدلالية؛ وتحويلها من لغة فلمية بصرية إلى لغة نصية مكتوبة.
وتوخياً للإحاطة العلمية الشاملة التي يقتضيها موضوع بهذا الحجم، تم تقسيم هذه الأطروحة إلى خمسة فصول متسلسلة، وذلك حتى يُمكنها أن تستوفي أكبر قدر ممكن من المعلومات، وتحقق نوعا من التكامل المنطقي فيما بينها؛ فعلى المستوى النظري، تمّ في الفصل الأول تناول نبذة تاريخية عن الثقافة البصرية وبداياتها الأولى، كما قدمنا في الفصل الثاني فرشا نظريا لعناصر ومكونات اللغة السينمائية وأبعادها الخطابية. أما الفصل الثالث فخصّص للحديث عن جاذبية الصورة السينمائية، وإمكاناتها كسلطة توجيهية وتسويقية وتواصلية وأيديولوجية في التأثير على المجتمعات والثقافات من حيث القيم وأنماط العيش، والسلوك والذوق. وعرجنا بعد ذلك للحديث عن أهمية توظيف الموروث الشعبي المادي في المنجزات السينمائية المغربية على مختلف الميادين الحيوية (الثقافية، الاجتماعية الاقتصادية، النفسية…)، مع التأكيد على دور هذا التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية بمختلف أبعادها الدلالية والرمزية، في تثمين البعد الاستيطيقي والهوياتي القادرين على تمييز التجربة السينمائية بالمغرب أسلوبيا عن باقي التجارب السينمائية العالمية. أما على المستوى التطبيقي؛ أي: الفصل الرابع فعمدنا فيه إلى تبني نهج الجرد والتصنيف والتحليل المبني على الملاحظة الدقيقة، للقطات الفلمية المدلل عليها “فوتوغراميا” على مستوى المضمون الدلالي؛ للأفلام الثلاثة داخل الدراسة. والمُتمحور بالأساس حول ما يُشاهد داخل الإطار الفلمي من مواريث مادية متنوعة، مع وصفها وتحليل أدواتها ومكوناتها الرمزية والدلالية، وقيمتها الجمالية والفنية وأبعادها المعرفية والثقافية والحضارية المبثوثة في زخارفها ونقوشها ومواد صنعها. في حين أن الفصل الخامس والأخير، فتطرقنا فيه إلى الآليات الكفيلة بالنهوض بمشروع سينمائي مغربي نهضوي ذي أبعاد ورهانات وتطلعات تقدمية وتنموية وإبداعية، صيغته وآليته التوظيف البصري للمواريث الشعبية المادية المغربية سينمائيا.
وقد سمح لنا هذا التقسيم، بتسجيل مجموعة من الخلاصات والنتائج، أبرزها: أن السينما والمواريث الشعبية المادية وجهان لعملة واحدة، وذلك عندما يتعلق الأمر بأي مشروع وطني تحديثي نهضوي قصده التقدم والتطور على مختلف الأصعدة والمجالات، سواء منها تلك المتعلقة بخلق مشروع ثقافي ينطلق من أسس وثوابت وطنية هوياتية تمتح بثقة عناصرها ومكوناتها من عمق الثقافة المغربية تطلعا إلى مستقبل أفضل. أو الدفع بمشروع سياسي يهم القضايا الوطنية من خلال تعبئة الرأي العام بعدالة ومشروعية القضايا الوطنية. أو اقتصادي يهدف إلى الترويج والتسويق سياحيا لما يحوزه المغرب ثقافيا وحضاريا وتاريخيا على مستوى: المعمار، المناظر الطبيعية، الحرف والصناعات التقليدية…إلخ. أو اجتماعي من خلال القدرة على تعميق الاندماج عبر التعبير السينمائي الموظّف للمواريث المادية عن الهوية المغربية.
تنضاف إلى كل ما قيل من نتائج مستخلصة، التوعية بأهمية وضرورة العمل على إكساب السينما بُعدها الوطني على المستوى الفني؛ بالابتعاد عن النظرة التقزيمية المُستخلصة من مخلفات الكولونيالية، مع العمل على نزع الطابع الفولكلوري (بمعناه الفرنكفوني) عن المواريث المادية، عبر توظيفاتها المرئية داخل إطار شاشة العرض السينمائي؛ تثمينا لها وتفكيكا لتفاصيلها المميزة التي تُبين عبقرية ثقافتها المنتجة، وتوثيقا لعناصرها وجزئياتها الصغيرة الطافحة بالمعنى؛ من حيث رسومها وزخارفها ونقوشها ووشومها…إلخ، التي تزيد مسارات الأحداث الدرامية بالفلم عُمقا. هذا إلى جانب توعية المُشاهد بقيمته فلميا؛ لأنه يُحس أن جزءا من ذاته، والذي تمثله هذه المواريث الشعبية المادية، التي ما زالت لحد الآن مصدراً مدراً للثروة في العالم المتقدم، يتحرك بصريا، ثم يعاد تشكيله عبر الصورة السينمائية، وتشكيل تمثلاته من جديد؛ بأسلوب إبداعي يحتكم للمعرفة والخيال.
فثقافة الصورة السينمائية الحاملة للمواريث عبر آلية التوظيف البصري، وما يصحبها من ثقل فني وجمالي ورمزي ودلالي، هي سعي نحو إثبات الأنا، وسعي مشروط –في عصرنا الراهن- بالمستقبل؛ الذي هو “الخيال”، إضافة إلى تلك القدرة الجبارة لدى السينمائي الوطني على الترافع على قضية الإنسان والهوية، والقضايا الإستراتيجية للمغرب والمغاربة في محكمة الصورة السينمائية، وهذا ما أوضحناه داخل دفتي هذه الأطروحة، وأكدنا أهميته في إكساب هذه القضايا مجتمعة قدرتها على نيل حقها في تحقيق رهان الذات عبر آليات التوظيف البصري؛ المؤطرة دراسيا ضمن المساحة البصرية للعروض السينمائية. إلا أن هذا الجانب المتعلق بالمستقبل والتطوير في حاجة إلى تطوير وإعداد أطر سينمائية متخصّصة، وواعية بأهمية هذه التوظيفات البصرية للمواريث المادية في المنجزات السينمائية المغربية؛ بصيغ إبداعية تُعيد استثمار معطياتها البصرية إيحائيا داخل العمل الإبداعي، مع القدرة على استنطاقها بصريا بشكل يحقق عملية التماهي بين المتلقي والمعروض داخل الإطار الفلمي. غير أن هذا رهين بتبني الجهات المعنية إستراتيجيات أساسها المعرفة والرؤية. إضافة إلى إحداث مكتبات سينمائية داخل الجامعات، وتنظيم تظاهرات ومهرجانات تُعنى بالمنجزات الفلمية التي توظف أشكال المخيال الشعبي المغربي ضمن المساحات البصرية لعروضها الفلمية، وتوظّفُه توظيفا جماليا وإيحائيا وفق قواعد اللغة السينمائية. وهذا من شأنه أن يصحح الرؤية المتوارثة عن هذه المواريث ويعيد تفعيلها بفاعلية بنّاءة ومنتجة.
السيد الرئيس، السادة أعضاء اللجنة العلمية الموقرة، أساتذتي الأفاضل، الحضور الكريم، شكرا لكم على حسن التتبع والإصغاء. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اترك ردا