السياسة الخارجية المغربية في ضوء دستور 2011 .. دراسة تحليلية في الاضواء والأولويات

ناقشت الباحثة آمال الحواسني أطروحة في القانون العام والعلوم السياسية في موضوع: “السياسة الخارجية المغربية في ضوء دستور 2011 دراسة تحليلية للأدوار والأولويات”، يوم السبت 15 يوليوز 2017؛ بكلية الحقوق مراكش-جامعة القاضي عياض، أمام لجنة علمية مكونة من السادة الأساتذة: الدكتور إدريس لكريني رئيسا ومشرفا، والدكتور محمد سحام عضوا، والدكتور محمد نشطاوي عضوا، الدكتور محمد بنحمو، والدكتور مصطفى منار عضوا، والدكتور العربي بلا عضوا. وبعد المداولة قررت لجنة المناقشة منح الباحث درجة الدكتوراه في الحقوق، بميزة مشرف.
تحظى دراسة السياسة الخارجية المغربية في ضوء دستور 2011 بأهمية خاصة، ليس فقط من حيث الراهنية والجدة التي تتميز بهما، وإنما بسبب ما عرفته السياسة الخارجية المغربية في السنوات الأخيرة من دينامية وتحولات تفرض تحليلها وتفكيكها، كما أن دستور 2011 توسع في مجال السياسة الخارجية قياسا بباقي الدساتير التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، بتضمنه لمقتضيات نظمت مجالات تتعلق بالممارسة الخارجية للمغرب بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الحد الذي يمكن معه القول إنه شكّل خارطة للطريق بالنسبة للفاعلين السياسيين. فقد توخى وضع المعالم الأساسية لتفاعل المغرب مع محيطه الخارجي، ورصد الانشغالات البارزة التي تميز عمل الدبلوماسية المغربية.
وأمام المستجدات الدستورية في المجال الخارجي، وعلى الرغم من الصعوبات التي تعتري موضوع السياسة الخارجية المغربية في ضوء الدستور الجديد، سواء على مستوى جدة الموضوع أو قلة الوثائق والكتب التي تناولت محددات السياسة الخارجية المغربية، أو على مستوى حساسية مواضيعها، فقد حاولت هذه الأطروحة البحث في هذا المجال لعلها تساهم في إنارة بعض جوانبه الغامضة، ومحاولة المساهمة في إغناء البحث الأكاديمي لمقاربة السياسة الخارجية المغربية، من خلال توضيح وتفسير لما يجري خلال فترة زمنية أعقبت إصلاحات دستورية وسياسية.
وقد انطلقت الأطروحة من التساؤل المركزي الآتي: إلى أي حد ساهم دستور 2011 في تغيير ملامح ومرتكزات السياسة الخارجية المغربية سواء على مستوى أدوار الفاعلين أو الأولويات؟
للإجابة عن الإشكالية المطروحة، انطلقت الدراسة من فرضيتين أساسيتين:
1 ساهم دستور 2011 في إنتقال السياسة الخارجية للمغرب دستوريا، من المجال الخاص والمحفوظ للملك إلى التدبير المشترك بين الملك وباقي الفاعلين في المجال الخارجي.
2 أسهمت الإصلاحات الدستورية التي عرفها المغرب سنة 2011، في تغيير توجهات ومقاربات الدبلوماسية المغربية لتدبير قضايا المغرب الخارجية.
وللتحقق من الفرضيات وبلوغ نتائج موضوعية بخصوص الأهداف التي سبق تحديدها، ارتأينا الاعتماد على دراسة تحليلية قانونية، عبر تحليل مختلف مضامين الدستور الجديد الخاصة بالسياسة الخارجية، وتحديد أهم مرتكزاتها، واعتماد تقنيات تحليل المضمون للخطب الملكية، والقرارات الأممية الصادرة في شأن قضية الصحراء. وكذا تحليل مختلف الأحداث التي عرفتها السياسة الخارجية المغربية خلال الفترة المدروسة.
ولأنه لا يمكن الاعتماد على منهج واحد في تفسير السلوك السياسي الخارجي للدولة، فقد تم اعتماد المنهج الوظيفي للبحث في اختصاصات مختلف الفاعلين في مجال السياسة الخارجية، لإبراز مكانة وحجم أدوار هؤلاء الفاعلين في النسق الدستوري المغربي، وبالموازاة مع ذلك يبقى المنهج المقارن مفيدا في موضوع البحث، وذلك لاستنتاج الثابت والمتغير في السياسة الخارجية المغربية سواء على مستوى الأدوار أو الأولويات، من خلال مقارنة مستجدات الدستور الجديد مع مختلف الدساتير القديمة في مجال السياسة الخارجية وتوظيف هذا المنهج عند مقارنة المستوى الدبلوماسي والاقتصادي الذي يجمع المغرب مع دول أخرى قبل الوثيقة الدستورية الجديدة وبعدها، وذلك لاستنتاج الثابت والمتغير في السياسة الخارجية المغربية سواء على مستوى الأدوار أو الأولويات وتحديد نقط الاختلاف والتشابه، والاستعانة ببعض التجارب المقارنة الرائدة في مجال السياسة الخارجية لاستخلاص العبر، واستخلاص أفضل السياسات الخارجية في العالم، من خلال إبراز عناصر التمايز أو الاختلاف، ومحاولة تكييفها مع الخصوصيات الوطنية.
لمعالجة هذا الموضوع واستجلاء كل معطياته، فقد تم تقسيمه تقسيما ثنائيا، خصص القسم الأول من الأطروحة لإبراز المرجعيات الأساسية التي تستند إليها السياسة الخارجية المغربية، من خلال تخصيص الفصل الأول من هذا القسم؛ للحديث عن ثوابت ومرجعيات السياسة الخارجية المغربية، في حين تمحور الفصل الثاني حول تحديد دور الهيئات السياسية والدستورية في صنع السياسة الخارجية المغربية، وذلك من منطلق أن تحليل السياسة الخارجية للمغرب يتطلب الكشف عن الفاعلين الأساسيين في صناعتها.
أما القسم الثاني، فقد عالج التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية المغربية تجاه محيطها الإقليمي والدولي بعد دستور 2011، من خلال تقسيمه إلى فصلين أساسيين؛ الفصل أول تم تخصيصه للحديث عن أولويات السياسة الخارجية المغربية بعد اعتماد دستور 2011، عن طريق الحديث عن قضية الصحراء ورصد أهم التطورات التي عرفتها القضية الوطنية، وتعامل الدبلوماسية المغربية مع مقترح الحكم الذاتي، مركزين في ذلك على الفترة التي أعقبت دستور 2011، كما تم التطرق خلال هذا الفصل إلى مكانة التكتلات الإقليمية في السياسة الخارجية المغربية. في حين خصص الفصل الثاني لإبراز استراتيجيات عمل السياسة الخارجية المغربية، في علاقاتها الثنائية والمتعددة، وكذا التطرق إلى التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية المغربية سواء على مستوى بناء شراكات جديدة أو على مستوى العمل على تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية.
وقد مكنتنا فصول هذه الأطروحة من الوقوف على مجموعة من الاستنتاجات التي تهم السياسة الخارجية المغربية في الفترة المدروسة، سواء على مستوى الأدوار أو الأولويات.
فعلى مستوى الأدوار: خلصنا إلى أن السياسة الخارجية ما زالت تدخل ضمن المجال المحفوظ والخاص للملك، فرغم توسيع دستور 2011 لاختصاصات السلطة التنفيذية، وكذا التشريعية في المجال الخارجي، إلا أنه لم يحدث قطيعة مع النسق السابق فيما يخص بنية تدبير السياسة الخارجية. فلم يحدث تغيير جوهري في مكانة الملك قياسا بالدساتير السابقة، إذ ظلت المؤسسة الملكية تتمتع بمجمل الصلاحيات والسلطات اللازمة لقيادة البلاد وضمان استقرارها واستمرارها، وتسمو على باقي المؤسسات السياسية والدستورية الأخرى، التي تكتفي بالمساهمة في بلورة القرار الخارجي، وبالتالي فالسياسة الخارجية المغربية كانت وما تزال تمثل ترجمة لفلسفة وتصورات الملك في هذا المجال، مما يجعلها تتخذ بشكل عام طابعا ثابتا ومستقرا ولا تعتريها تغيرات كبيرة.
على مستوى الأولويات: خلصنا إلى أن دستور 2011 لم يغير ملامح ومرتكزات هذه السياسة بل إن التغيرات الإقليمية والدولية وخدمة المصالح العليا هي التي أسهمت في إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية المغربية، ببروز أولويات جديدة بالموازاة مع قضية الصحراء، كالاهتمام بتعزيز العلاقات المغربية-الإفريقية، والانفتاح على فضاءات جديدة لم تكن حاضرة بقوة في أجندة الدبلوماسية المغربية السابقة، إلى جانب بروز العامل الاقتصادي كمحدد أساسي في السياسة الخارجية المغربية؛ فقد شهدت فترة تولي الملك محمد السادس الحكم حركية دبلوماسية واقتصادية نشطة ومكثفة نحو مختلف المناطق الجيو-استراتيجية للمغرب كآسيا، وأمريكا اللاتينية، ودول الخليج…، مع التركيز على قوى كبرى، كروسيا، الصين، الهند، وإيلاء الأهمية للقارة الإفريقية بحيث راهنت السياسة الخارجية المغربية على الاستثمار فيها وتعزيز العلاقات المغربية-الإفريقية في كافة المجالات، مع ربط الاقتصاد بالتنمية.

اترك ردا