علم مقارنة الأديان، النشأة والتسمية … يوسف الشاطر

يوسف الشاطر: ماجستير في مقارنة الأديان من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس – المغرب

يعتبر علم مقارنة الأديان من العلوم التي أصبحت تحظى باهتمام متزايد في أوساط الباحثين والمثقفين المسلمين، بعدما كان مجرد ذكر هذه التسمية يثير السخط والغضب والنفور لدى فئة منهم بدعوى أنه لا دين يقارن بالإسلام، وأن الدين عند الله الإسلام. ولكن الواقع صار يفرض على الناس جميعا التواصل والتعارف فيما بينهم بما يسمح بإقامة علاقات إيجابية بينهم. ولا شك أن هذا التواصل لا يمكن أن يتم أو ينجح إلا من خلال ضوابط لعل أبرزها التعرف على دين الآخر واحترام معتقداته، وهذا هو دور علم مقارنة الأديان الذي يعرفنا بأديان الآخرين ويجليها لنا مما يسهم في تعميق شعورنا بالتعدد والاختلاف وتقبل الآخر.
إن الباحث في علم مقارنة الأديان سيجد نفسه أمام مجموعة من الإشكاليات من قبيل إشكالية النشأة والتسمية والأهمية، وفي هذا البحث سأحاول الإجابة عن إشكاليتي النشأة والتسمية.
النشأة:
اختلف الباحثون حول مسألة نشأة هذا الفرع العلمي “مقارنة الأديان” وحول مؤسسيه، وحول بداياته الأولى. فهناك من قال إنه بدأ منذ أقدم العصور مع الإغريق والرومان والهنود، وذهب آخرون إلى أنه علم إسلامي أسسه المسلمون وكتبوا فيه الشيء الكثير. إلا أن الذي عليه أغلب الباحثين في هذا المجال هو أن هذا العلم لم يظهر علما قائما بذاته وفق مناهج وقواعد معينة، إلا في أوربا منذ أواسط القرن التاسع عشر، فهو علم حديث النشأة، “وضع وثيقته التأسيسية عالم الفيلولوجيا ماكس مولر.” يقول الباحث كيدرنات (Kedarnath) :
إن موضوع مقارنة الأديان كدراسة علمية لسمات الديانات العالمية المختلفة لا يعدو أن يكون حديث العهد، أو ( متأخر التطور).
ويقول الباحث بولاي (Pinard de la Boullaye) – بعد أن عرف علم الأديان – :
يجب الاعتراف بأن هذا العلم حديث جدا. علم الأديان وعلم اللغة معاصران لبعضهما تقريبا، يعود ظهورهما للقرن الماضي. (أي القرن التاسع عشر)
والسبب في تأخر ظهور هذا العلم – كما يرى الباحث كيدرنات – هو أن معظم العلوم المعاصرة قد نشأت في الغرب. ومن ثم كان ينبغي الانتظار حتى يوجه الغرب اهتمامه لهذا الحقل العلمي في القرن التاسع عشر.
ورغم أن هذا العلم يعتبر علما حديثا لم يظهر بمناهجه العلمية إلا مع فجر القرن التاسع عشر في أوربا، فإن جذوره وإرهاصاته تمتد في أعماق التاريخ، ذلك أن الحديث عن العقائد البشرية – كما يرى عبد الله دراز – في جوهره شأن قديم – معاصر، لاختلاف الناس في مللهم ونحلهم، تتسع مادته حينا وتضيق حينا بمقدار تعارف أهل الأديان فيما بينهم، ووقوف بعضهم على مذاهب بعض.
فهناك من الباحثين من يشير إلى أن دراسة الأديان قد بدأت منذ أقدم عصور التاريخ، منهم المستشرق الأمريكي ألفرد جيفري (A. Jeffrey) الذي يرى أن الاهتمام بدراسة الأديان إنما يرجع إلى مرحلة موغلة في القدم، هي مرحلة الألواح المسمارية التي يتجلى فيها الاهتمام الواضح بالشعائر الدينية التي كانت تتصل بمراكز العالم القديمة المختلفة، مرورا بالإغريق الذين امتد اهتمامهم إلى وصف أديان الشعوب الأخرى ومقارنتها بالظواهر المتعلقة بما في دياناتهم. ومنهم كيدرنات الذي يرى أن المحاولات الأولى لعلم مقارنة الأديان ظهرت بالهند، غير أن الوضعية السياسية التي كانت سائدة حالت دون الاهتمام بهذه المحاولات.
ويرى بولاي أنه إذا أخدنا كلمة علم بمفهوم واسع يدل على كل معرفة تعتمد على سلسلة دقيقة من الأدلة، فإن علم الأديان يجد جذوره في جهود الفلاسفة الأوائل الذين سعوا لتقديم شرح شامل للكون، مما أدى بهم إلى الإقرار بوجود الإله، وضرورة العبادة.
التسمية:
علم الأديان Science des religions ، تاريخ الأديان Histoire des religions ، مقارنة الأديان religions comparée ، التاريخ المقارن للأديان Histoire comparée des religions، أسماء يواجهها الباحث في هذا الحقل العلمي الواسع، فيختلط عليه الأمر: هل تلك الأسماء تدل على علوم متنوعة ومستقلة بذاتها؟ أم أنها جميعها مسميات لعلم واحد؟
بما أن هذا العلم ظهر في أوربا فإن تلك الأسماء السابقة هي من صنع البيئة الغربية، وهذا ما أكده جل الباحثين في هذا المجال. يقول عبد الله الشرقاوي: “إن مصطلح مقارنة الأديان، أو الدين المقارن، قد صكه علماء الغرب في نهاية القرن التاسع عشر، ليدل عندهم على الدراسة العلمية للأديان، للتفريق بين هذا النوع الجديد من الدراسة وبين الدراسات اللاهوتية التي عرفتها المسيحية منذ نشأتها.” وقال عبد الله دراز: “كلمة تاريخ الأديان كلمة معربة عن لغة الفرنجة، والتسمية بهذا الاسم مستحدثة، لم تعرفها أوربا إلا عند فجر القرن التاسع عشر.” وكان ماكس مولر أول من استعمل مصطلح علم الأديان الذي هو الترجمة الحرفية للكلمة الألمانية : « Religionswissenchaft » وذلك سنة 1867 . أما في فرنسا فقد ظل التقليد الجامعي يرجح تسمية تاريخ الأديان، ثم التاريخ المقارن للأديان . في حين نجد دائما مصطلح مقارنة الأديان عند الدول الناطقة بالإنجليزية.
وجوابا عن السؤال السابق نقول: إن كثيرا من الباحثين في هذا المجال لم يميز بين التسميات السابقة، فهي عندهم كلها تدل على علم واحد، ويظهر ذلك واضحا من خلال استعمال الحرف “أو، ou” عند ذكرهم لهذه التسميات. فنقرأ مثلا :
– “حتى ظهر في إطار هذه العلوم علم الأديان أو تاريخ الأديان المقارن أو تاريخ الأديان”
– “علم مقارنة الأديان أو علم دراسة الأديان علم حديث النشأة في الغرب” .
– « Le premier à employer l’expression Science des religions ou Science comparée des religions… fut Max Muller»
أول من استعمل عبارة علم الأديان، أو علم مقارنة الأديان… كان هو ماكس مولر.
– « Dans ses premières années, il était connu comme religion comparée ou la science de la religion. »
في سنواته الأولى عرف باسم الدين المقارن، أو علم الأديان.
– « …Histoire ou science des religions, le discours politique et scientifique hésite encore sur la dénomination exacte de cette jeune discipline. »
تاريخ أو علم الأديان، الخطاب السياسي والعلمي لا زال مترددا حول التسمية الصحيحة لهذا الحقل الجديد.
فاستعمال حرف الاختيار ” أو” يعني أنه لا فرق بين تلك الأسماء، وأنه يصح استعمال أي منها للدلالة على هذا الحقل العلمي.
ويظهر عدم التمييز هذا كذلك من خلال تعاريف بعض الباحثين لتاريخ الأديان، والتي تجمع بين الدراسة العلمية للأديان، والتأريخ لها، والمقارنة بينها. ومن هؤلاء مثلا (Royston Pike) الذي يعرف تاريخ الأديان بقوله: “إنه دراسة علمية موضوعية، تتناول ديانات العالم الماضية والحاضرة، وهذه الدراسة تتوخى دراسة الديانات في ذاتها، واكتشاف ما يقوم بينها من نقاط تشابه واختلاف، واستخلاص مفهوم الدين بوجه عام عبر ذلك، وإيضاح السمات المميزة للشعور الديني” . ومنهم أيضا (Jean Baruzi) الذي يقول: “إن تاريخ الأديان هو دراسة علمية موضوعية تتناول أديان العالم المختلفة – الغابرة والحاضرة – غرضها تقديم صورة واضحة عن هذه الأديان – أولا – ، والعمل – ثانيا – على كشف ما بينها من تشابه وتباين بغية الوصول إلى دراسة الدين بذاته، أي مميزات العاطفة الدينية” .
وهناك من يجعل المقارنة جزء لا يتجزأ من تاريخ الأديان، أو أن تاريخ الأديان يقوم أساسا على المقارنة . يقول الباحث روديكا شلسيا(Rodica CHELCEA) :
ميدان بحث تاريخ الأديان هو العناصر القديمة، والآليات التي عفا عنها الدهر… من خلال بحث مقارن، لأن المقارنة جزء لا يتجزأ من تاريخ الأديان.
وقال عادل العوى: “ومن شأن تاريخ الأديان أن يدرس الوقائع الدينية دراسة مقارنة انتقادية ترمي إلى استجلاء نقاط الافتراق والاختلاف، مثلما ترمي إلى الكشف عن نقاط الاتفاق والنماء”
انطلاقا مما سبق يبدو أن الاختلاف هو اختلاف تسميات فقط، لا اختلاف جوهر. ورغم ذلك وجدنا من الباحثين – خصوصا العرب – من يميز بين التسميات السابقة، معتبرا تاريخ الأديان ومقارنة الأديان حقلين دراسيين منفصلان يجمعهما اسم علم الأديان. يقول عبد الله دراز: – بعد أن تحدث عن تاريخ الدراسات الدينية إلى أن وصل إلى أوروبا الحديثة – “ومنذ ذلك اليوم أصبح علم الأديان ذا شعبتين اثنتين: شعبة جديدة مبتكرة، وشعبة قديمة نالها شيء من التجديد” ويقصد عبد الله دراز بالشعبة القديمة تلك الدراسات الوصفية التحليلية الخاصة بملة ما، والتي يمكن أن تعرفنا نشأة ديانة ما وحياة مؤسسها، ومقومات عقائدها، وعباداتها، وأسباب انتشارها، وألوان تطورها، إلى غير ذلك من المعاني، وهذه الشعبة هي المشهورة باسم تاريخ الأديان. أما التجديد الذي لحقها فهو تنوع وسائل البحث وأدواته حتى شمل علم اللغات المقارن، وعلم طبقات الأرض، وعلم التصوير والتمثيل الرمزيين، وعلم الأجناس البشرية، وسائر ما يمت بصلة إلى ظاهرة الدين. أما الشعبة الجديدة المبتكرة فهي مقارنة الأديان وهي – حسب عبد الله دراز- ضرب من الدراسات النظرية والاستنباطات الكلية التي تهدف إلى إشباع نهمة العقل في التطلع إلى أصول الأشياء ومبادئها العامة من خلال دراسة الأديان دراسة مقارنة.
وفي نفس السياق يرى إبراهيم تركي أن علم الأديان إنما ينقسم أساسا إلى قسمين: أحدهما هو تاريخ الأديان، والأخر هو مقارنة الأديان، أما بالنسبة لتاريخ الأديان فإنه يتناول دراسة نمو وتطور أديان تاريخية معينة، حيث يكون محور الدراسة متمركزا حول مظاهر هذا التطور، مع محاولة تفسير صلة هذه المراحل بالعقيدة الأساسية أو الأصلية، كما يتناول البحث في هذا المجال التطور النفسي لمجتمعات دينية خاصة، إضافة إلى دراسة المسائل الخاصة بالعقيدة، سواء ما يتعلق منها بمؤسسي هذه الأديان أو ما يتعلق بالممارسات التعبدية التي تسمى الشعائر. أما مقارنة الأديان فإن الاهتمام فيه يكون متمركزا في المحل الأول حول دراسة وتحليل أنواع متعددة ومختلفة من التجربة الدينية من حيث أصولها النظرية وممارساتها الواقعية، وذلك عن طريق المقارنة بين الأديان محل الدراسة، بحيث يمكن القول: إن الهدف الأساسي من الدراسة في هذا المجال إنما يتمثل في معرفة التطورات النمطية، والسمات المميزة، والقوانين المتبعة التي تحكم التجربة الدينية بمختلف جوانبها.
انطلاقا من كل ما سبق – وبغض النظر عن عدم التمييز أو التمييز بين الأسماء السابقة – يمكن القول إن علم مقارنة الأديان، أو علم الأديان هو اسم جامع لمختلف الدراسات العلمية التي تهتم بالأديان والدين عموما، فهو يدرس المعتقدات والطقوس الدينية، مؤرخا وواصفا، ومقارنا، ومحللا، ومناقشا، ومنتقدا بناء على أسس وضوابط علمية.

اترك ردا