فكر ما بعد الحداثة من ثقافة النخبة إلى الثقافة الجماهيرية .. عادل بوديار

د. عادل بوديار: كلية الآداب واللغات – جامعة تبسة – الجزائر

تمهيد:
بدأ مصطلح ما بعد الحداثة (postmodernisme / postmodernité) في الانتشار بعدما تكرر استخدامه في الثلاثينيات من القرن العشرين في مجالات عديدة منها التاريخ، والحضارة، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والهندسة، وكان النقد الأدبي أحد المجالات التي وظفت مصطلح ما بعد الحداثة، غير أن معاني المصطلح ودلالاته لم تكن واضحة تماما، ولهذا فإن وضع تعريف واحد، وثابت لنظرية ما بعد الحداثة أو فكره أو زمنه أو ثقافته يعد تناقضا مع أهداف هذا الفكر الذي كثيرا ما يبني تصوراته بعيدا عن فكرة التحديد، بل إنه في نظرياته ومفاهيمه كثير الهروب من طرق الفلسفة الجوهرية في التفكير التي تحدد ماهية الأشياء، فهو نابع من تحول تاريخي شهده الغرب صوب عالم جديد تسيطر عليه الرأسمالية التي لا زالت تتطلع إلى عالم تكنولوجي ذو نزعة استهلاكية، يتم فيه صناعة ثقافة غير مستقرة سريعة التبدد والزوال.
1. مفهوم ما بعد الحداثة:
يدل مصطلح ما بعد الحداثة (postmodernisme) على ظهور سلوكيات، وأنماط، ومنتجات ثقافية جديدة أمكن لها أن تغيّر مجتمعة حياة الأفراد في المجتمع، وهو يدل أيضا على الانفصال عن الماضي، والتوجه نحو مستقبل لم نشهد له مثيلاً من قبل أو هي تلك الأفكار التي تقوم على خرق ورفض الحدود المرسومة من خلال التشكيك في محاولات تحديد ماهية الأشياء تحديدا نهائياً، لذلك يدَّعي فكر ما بعد الحداثة بمعرفة لا شيء بموضوعية وشمولية؛ أي أن الأشياء ومعانيها فوضوية في الوجود، وهذا الفكر نتج (( كردة فعل على إخفاقات المشروع الحداثي المتمثل بالعلم الحديث، وهذا ما يجعل أسئلة ما بعد الحداثة تنصب على كل مسلمات الحداثة، ومنها تساؤل ما بعد الحداثيين عن وجاهة تعالي الحاضر على الماضي، والكلام على ما قبل الحديث، ويرفضون تفضيل الحداثة للمعتقد ولأسلوب الحياة المدنية، وللفكري، والإعلاء من هذه كلها تحقير الريفي، والفطري، وبهذا فإن ما بعد الحداثيين يعيدون الاعتبار لما هو عرفي، وما هو قدسي، وما هو خصوصي، وما هو لا عقلاني )) ؛ وحجة الحداثيين في ذلك أن العقل الحداثي بات عاجزا عن تنظيم حاجيات الجسد، وإيفائه حقوقه المادية، ولكن هذا لا يعني أن ما بعد الحداثة مثلت (( نزعة غير عقلانية أو تيار فكري مضاد للعقل، ذلك أن نقد العقلانية كما مارسه مفكروا ما بعد الحداثة لا يعني نفي العقل بقدر ما يعني توسيع إمكاناته بالحفر في المناطق المستبعدة أو المرذولة من النشاط العقلي، أو استنباط صعد جديدة لعمل الفكر واستبات المفاهيم )) ، لذلك وجدنا فكر ما بعد الحداثة يُوصف بأنه فكر جمالي يُعلي من شأن القيم الجمالية بوصفها بديلاً معاصراً للعقلانية، ويقدم الجسد، والرغبة بديلاً عن العقل، والفكر، ويرى أن إخراج الإنسان من النسق الذي حوله إلى ماهية عقلية مجردة يمكن أن يتحقق خارج لغة المنطق وأسوار العقل من خلال العودة إلى الفن واللغة؛ لأن الأحكام الكلية تنبثق غالباً من منظومة فكرية مكتملة أو من تكوينات منطقية تدعي الشمول، ثم تصير سجينة النظرة المقعرة التي تشكلها هذه النظم .
ويبدو أن أنصار فكر ما بعد الحداثة طوروا الفكر ما بعد الحداثي أولاً، وأفكار زمن ما بعد الحداثة ثانياً، وثقافة ما بعد الحداثة ثالثا، فأما الجانب الأول فقد كان من أكثر مؤيديه الفيلسوف الفرنسي “جان فرنسوا ليوتار” (Jean Francois Lyotard) (1924-1998) الذي انتمى مثل رفيقه “جان بودريار” (Jean Baudrillard) إلى جيل من المفكرين الفرنسيين الذين خاب أملهم مع بداية سبعينيات القرن الماضي بالوعد الماركسي بثورة تجرف الظلم السائد بعيداً لصالح عالم أفضل، وصار هؤلاء المفكرين على يقين أن إحداث أي تغير دائم في الحياة الاجتماعية لن يكون بعدما فشلت مظاهرات الطلاب ضد الحكومة الفرنسية في عام 1968، لذلك نجد بعض المفكرين أمثال “ليوتار”(J. F. Lyotard)، و”ميشيل فوكو” (Michel Foucault) يتبنون توجه الفكر “ما بعد ماركسي”؛ وهو توجه غالباً ما حافظ على تمرد الفكر الماركسي وفوضويته، مع أنه نبذ ما اعتبره جوانب استبدادية خصوصاً الادعاء بأن الماركسية هي العلم الصحيح لدراسة المجتمع، وبذلك فإن تبني الفكر “ما بعد ماركسي” مثل هي المنهجية الوحيدة للوصول إلى معرفة “موضوعية” للأوضاع الاجتماعية، وبناء على هذا الرأي كانت حالة “ما بعد الحداثة” تسعى وراء “الحقائق” التي لا وجود لها فعلياً (سوى حقيقة أن لا وجود للحقائق)، ولعل مثل هذا التوجه هو جعل “جان بودريار” (Jean Baudrillard) يذهب إلى القول: بأن ما بعد الحداثة هي (( حالة من فقدان المركزية، ومن التشعب، نساق فيها من مكان إلى مكان عبر سلسلة متصلة من السطوح العاكسة كالمرايا المتقابلة تجتذبنا فيها صرخة الدال المجنون )) ، ولكن هذا التحديد لمصطلح ما بعد الحداثة وغيره من التحديدات الكثيرة لا يمكن أن تؤخذ كتحديد نهائي له؛ لأن هذا المصطلح يتشعب عبر مناقشات مختلفة تتجاوز الحدود ما بين فروع المعرفة المختلفة خاصة أن الاستشهاد به دخل حيز التعبير عن التوجهات والطوارئ المتنافرة.
2. مرجعيات ما بعد الحداثة:
يذهب “أمبرتو إيكو” (Umberto Eco) إلى فكرة نفي اعتبار ما بعد الحداثة تيارا فكريا، وهو بذلك ينفي تحديده زمنيا على اعتبار أنه أسلوب عمل نموذجي؛ أي أن كل حقبة لها ما بعد الحداثة الخاص بها، ولكن مع هذا لا بأس أن نشير أن التوظيف الحقيقي لفكر “ما بعد الحداثة” (postmodernisme) بدأ في سبعينيات القرن الماضي بعدما طرأت تغيرات في الساحة الفكرية الفرنسية على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي.. ووجد هذا الفكر المناخ النظري الملائم في أعمال “رولان بارت” (Roland Barthes)(1980-1915) ، و”ميشال فوكو” (Michel Foucault) (1926-1984)، و”جيل دولوز(1980-1915) (G. Deleuze) ، و”جاك دريدا”(J. Derrida) (2004-1930)، وفي عام 1979 صدر كتاب “وضع ما بعد الحداثي” لجان ليوتار( J. Lyotard) (1998-1924) الذي يعد البيان النظري الأول لفكر ما بعد الحداثة.
ويعتمد أسلوب ما بعد الحداثة النظرة المعقدة الساخرة للأمور، وهو ما يعطي ثراء في المعنى بدلاً من الوضوح فيه، والذي يتحقق عن طريق المزج والمواءمة بين الأنماط المختلفة التي كانت منفصلة بعضها عن بعض، لتشكل فناً تجميعياً يتسم بالفوضى بدلاً من الانسجام، ويذكر أن فن الهندسة المعمارية بقيادة روبرت فينتوري (Robert Venturi) كان الملهم لقيام نموذج هندسي معماري يرفض النظام ويحمل طابعاً ساخراً في أسلوب بناء الكازينوهات في مدينة لاس فيغاس الأمريكية (Las Vegas)، إذ يعتمد هذا النموذج على فكرة الخلط بين الأنواع، والأشكال المختلفة، والمتنافرة للتصاميم للنزول إلى مستوى “الذوق الجماهيري”، و”الثقافة الجماهيرية”؛ لأن ما بعد الحداثة أسلوب في الثقافة يعكس شيئا من التغير التاريخي الذي حدث في الفكر الغربي، (( وذلك في فن بلا عمق، ولا مركز، ولا أساس، فن استبطاني متأمل لذاته، ولعوب، واشتقاقي، وانتقائي، وتعددي، يميع الحدود بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية، كما يميع الحدود بين الفن والتجربة اليومية. وما تبقى مسالة خلاف وسجال هو مدى سيطرة هذه الثقافة أو انتشارها، أي إذا كانت قد قطعت كامل الشوط أم أنها تمثل نطاقا محددا وحسب ضمن الحياة المعاصرة )) ، التي فرضت أنساقا جديدة للثقافة.
ويقوم فن ما بعد الحداثة على الخلط بين أنماط موجود مسبقاً بدلاً من تشكيل أنماط جديدة تماماً، ويصاحب هذا الرأي عادة رأي آخر يتسم بالتشاؤم، وهو يرى أن الإبداعات الأصيلة الحقيقية كلها ميتة الآن، وأن جل ما يستطيع الفرد فعله هو التلاعب بالقطع الموجودة وإعادة بنائها بطرق متعددة، لذلك نجد أن مفكري ما بعد الحداثة يثمّنون غالباً صنيع الفنانين الذين ينتجون مثل هذا النوع في الفن، وينظرون إلى أعمالهم التي قد تبدو غريبة أو غير منسجمة أو غير متناسقة أو مبتذلة في بعض الأحيان على أنها نوع من التمرد على المألوف وطريقة لكسر الحواجز بين الفن بالمفهوم المطلق وبين الثقافة الجماهيرية، ومثال ذلك “فن البوب” الخاص بالفنان آندي وارهول (Andy Warhole) الذي استمد صورة من “الثقافة الجماهيرية” التي تنحو نحو تقديس الجسد في شقه الجنساني، ليتحول إلى شاغل شديد التواتر من شواغل الفكر ما بعد الحداثي، فامتلأت المكتبات بالأعضاء المشوهة، والجذوع المجلودة، والأجسام الموشومة .
ويعدّ فتح مجالات صنع الثقافة للجميع بمختلف لمستويات من أهم أفكار السياسة الثقافية لفكر ما بعد الحداثة، وذلك بدلاً من التخلي عنها لمجموعة من الفنانين الطليعيين ونقاد الحداثة، وبالنسبة للمشككين في مثل هذه الادعاءات فإن مثل هذا الرأي يجعل من إنتاج الفن أكثر تبعية للحركة التجارية مما يجعلها سلعة في السوق الرأسمالية بشكل أكبر مما مضى، ويقلص من إنجازاتها الفنية لتصل إلى درجة تطوير الصور الجديدة الخاصة بالإعلان.
ويبدو أن مدينة لاس فيغاس الأمريكية (Las Vegas) لم تجذب مهندسي العمارة الذين تبنوا أفكار ما بعد الحداثة بسبب تأويلها الفوضوي للأنماط المختلفة فحسب، بل كذلك لأن هؤلاء المهندسين رأوا أن فنها المعماري يمثل تحد للافتراضات الحداثية حول المعنى، حيث أخفت واجهات الكازينوهات المبهرجة والبراقة خلفها بنايات حداثية مملة تماماً والتي لم تكن في الواقع سوى فنادق ونوادي ألعاب، وهذا يعني أن كل شيء كان سطحياً فلم يكن هناك أي معان خفية تحتاج إلى الاكتشاف أو فك التشفير، وأن معاني الأعمال الثقافية التي يصنعها الإنسان معان سطحية، وليست عميقة، وأن لا وجود للمعنى على أرض الواقع، وهذا يعد من النزعات الأكثر تشاؤمية في فكر ما بعد الحداثة؛ لذلك نجد ريتشارد رورتي (Richard Rorty) (( يعتبر أن منشأ ما بعد الحداثة يكمن في الوعي التام بما قدمته الحقيقة المطلقة للوقائع أو تتيح لنا تحديد ماهية الأشياء )) التي عجزت العقلانية في ما مضى تحديد ماهيتها.
3. الصورة وفكر ما بعد الحداثة:
إن تعدد مفاهيم مصطلح “ما بعد الحداثة” وتغير مدلولاته تبعا لمجال استعمالاته المتنوعة في ميادين مختلفة (الفن الهندسة، الفلسفة، النقد الأدبي ..) جعل مدلول هذا المصطلح يتشظى ضمن دائرة الثقافة الإنسانية الواسعة، وينفتح على ميادين ثقافية عديدة ليست بالضرورة منضوية تحت معيار العقلانية أو صرامة النزعة العلمية التي حددت الثقافة بأطر تمييزية، وفرضت مقاييس ومعايير مزعومة في الفن، والأدب، والفكر؛ لذلك فإن (( “ما بعد الحداثة ” تبحث بآليات عقلانية، وأخرى لا عقلانية ( الوجدان، القلب، الخيال..) عن آفاق جديدة مألوفة وغير مألوفة يسمح لها باحتلال مراتب متقدمة في واجهة الثقافة كالشعر، الرسم، الفنون المتعلقة بالسمعي البصري كالسينما والتلفزيون، وهي أدوات كفيلة بإظهار معاناة الإنسان، وبؤسه، وتأثيرها في نفسية الكائن البشري، ودفعه، وتحفيزه على التضامن أفضل مما تفعل أشكال التعبير الإنساني التقليدية التي تتجه ناحية العقل )) ، الذي لا يستطيع التملص من ثقافة النخبة التي تفرض نمطا خاصا من أنماط التحليل النقدي الذي وجد نفسه عاجزا أمام الأفكار الابتداعية التي تكون مخالفة للمنطق، والعقل أحيانا، بعدما تآكل الفاصل القديم بين الثقافة العليا وبين ما يسمى بالثقافة الجماهيرية أو الشعبية، ذلك أن (( تيار ما بعد الحداثة [ يتطلع ] إلى الأشكال المفتوحة، والمرحة، والطموحة، والانفصالية، والمهجورة أو غير المحددة لتكوين خطاب مؤلف من شظايا، أو تكوين إيديولوجيا التصدع التي تعمد إلى الحل، والفض، وتستنطق الصمت )) ؛ لأن الأمر يتعلق بدلالات مكتسبة تسعى الصورة إلى انتزاعها من الواقع من خلال التمثيل التشخيصي وإعادة تشكيلها ضمن أبنية أخرى تمنحها خصوصية فتغني من أبعادها.
ومن ثم دعا “جيل دولوز” (G. Deleuze) المفكر والمثقف إلى تبني نظرة جديدة للحياة تكون أكثر واقعية، وأكثر، وصفا للحياة التي يعيشها البؤساء بعيدا عن العقلانية، والمثالية؛ لأن المثقف ظل طيلة عقود حبيس المثل والقيم العقلية بعيدة المنال في الحياة، فخرج بذلك عن فلك الحياة الحقيقية وراح (( يتقلب بين أمكنة نوعية، وبين نقاط فردية… وبات قادراً على أن يتكلم لغة الحياة، بدل لغة الحق )) ، وأما “ميشال فوكو” (Michel Foucault) في بيانه لطرائق اكتشاف البنية المعرفية أو الخطاب المعرفي السائد خلال كل فترة زمنية، فإنه تحدث عن المؤسسات الاجتماعية والثقافية المهيمنة، أو ما كان يسميه بالسلطة المهيمنة في المجتمعات الحديثة، وكشف ذلك في كتابه “المراقبة والمعاقبة” حين تحدث عن الفحص، فقال: (( إنه يدمج التقنيات التي تراقب وتقنيات العقوبة التي تضبط. إنه نظرة ضابطة وهو رقابة تتيح التوصيف والتصنيف والعقاب. إنه يقيم على الأفراد رؤية يمكن من خلالها المفاضلة بينهم ومعاقبتهم )) .
وليس من شك في أن مفهوم الفحص عند “ميشال فوكو” (Michel Foucault) يغطي كل ما يحدث خلال عمليات فحص المرضى في العيادات، والمستشفيات أو فحص المساجين في السجون أو فحص التلاميذ في المدارس أو فحص الجنود في معسكرات الجيوش، وهي عمليات تجربية حسية تُحوِّل الإنسان إلى شيء (مادة) أو رقم أو موضوع يخضع للملاحظة، والتقييم، وكشف “فوكو” أن تحليل عمليات الفحص هذه يوضح العلاقة بين الضوابط أو القيود الاجتماعية، والسياسية، وسلطة النظرة المحدقة أو قدرتها الخاصة على تحويل البشر إلى موضوعات تجري مراقبتها وعقابها عند الضرورة.
وهذا يقودنا إلى الإشارة إلى أن البحث في علاقة بغيرها بدأ من خلال تلك المحاولات التي سعت إلى إيجاد تواصل بين ما هو مرئي وما هو مكتوب، وكان قدماء المصريين السباقين في هذا المجال، وأما إسهامات الحضارة الغربية الكلاسيكية فقد توصلت إلى أن التصوير الزيتي والأدب يشتركان في أداء وظيفة واحدة ألا وهي التصوير، سواء أكان ذلك بالكلمات المكتوبة أم الصور المرئية ، ولكن هذه العلاقة لا تعني تطابق نظام المرئيات ونظام العبارات إذ لكل منهما عالمه المستقل والمتمايز، وليس هناك أولوية لأحدهما عن الآخر، وأن ما بين الكلام والرؤية انفصال، فما يُرى قد تعجز اللغة في وصفه، ليس لقلة الألفاظ أو العبارات ولكن لأن نظام الصورة يختلف عن نظام الكلام، ومثل الطرح لا يتفق مع ما ذهب إليه “بارت” في (( أنه من الصعب تصور نسق من الصور أو الأشياء تستطيع مدلولاتها أن توجد خارج اللغة، فلا وجود للمعنى إلا باللغة، وعالم الدلالة ما هو إلا عالم اللغة .. إذن كل نظام دلالي يمتزج باللغة، والماهية البصرية تعضد دلالتها من خلال اقترانها برسالة لسانية؛ كالسينما والهزليات والصور الصحفية )) .
لذلك نجد “جيل دولوز” (G. Deleuze) ينفي نفيا قاطعا إمكانية أن تحل اللغة محل الأشياء، ويرى أنه لا يمكن للصورة أن تحل محل اللغة، وأنه لا توجد علاقة من أي نوع بين الصورة والنص، أو بين ما هو مكتوب وما هو بصري ؛ لأن لكل منهما مجال بلاغته الخاص، وجمالياته التي يتمتع بها وتميزه عن الآخر، ويذهب “دولوز” إلى هذا الرأي مؤكدا أنه في مرحلة ما بعد الحداثة لم ترتبط الصورة بأية واقعة أو حدث محدد؛ لأنها امتلكت قدرة ذاتية على العمل دون الارتباط بموضوع أو سياق معين، فما هو موجود من صور ما هي إلا نُسَخ لا ترتبط بأي أصل محدد.

اترك ردا