حضور الوسطية في الشكل والمضمون عبر العمارة الإسلامية … ألفة خليفي

د. ألفة بن الملكي خليفي: أستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بقفصة – تونس

تمثل العمارة فضاءا معبرا عن نتاج الفكر والثقافة الإنسانية، بإعتباره وسيلة مساهمة في خلق تنوع يتجلى عبر الانتاج الشكلي المعماري الذي كان نتيجة تنوع الفكر والرؤية الإنسانية التي تتجلى من خلال الكون والحياة، الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من التيارات الفكرية المعمارية المختلفة ، و هو ما ساهم في الكشف عن وجود حالة من التناقضات في فهم العمارة التي تجمع الفكر بين التفكيك والتقليد دون النظر في فكر الوسطية.
لذلك مثل هذا المقال رؤية تبحث في تشكيل وإنتاج العمارة الإسلامية وذلك من خلال تجسيد الفلسفة الوسطية التي تتجلى من خلال حضورها عبر الشكل و المضمون بإعتبارها تمثل موقفا جديدا يشكل العمارة الإسلامية و ينحاز عن مفهومه التقليدي فهو ليس نقطة رياضية تفصل بين القطبين بمسافات ثابتة،بما لا يعني إنغلاقه و إنفصاله و إنما هي رؤية كاشفة عن سمة تجمع بين الخصائص التي تتشكل من خلال حضور مفهوم التوازن و الإنسجام.
لذلك فإن الوسطية الإسلامية تبرز كمصطلح مفتوح على أساس أنه رؤية تصور جامعة ” بمعنى أنها لا تشكل نقطة الوسط الرياضي لتحافظ على مسافات ثابتة متساوية بين القطبين بقدر ما تشكل نقطة تحمل من كلا القطبين سماتهما بكل تناسق وتناسب لتشكل موقفا ثالثا يمثل الاعتدال” الهندسي الذي يغوص في الشكل التجريدي للعمارة الإسلامية و ذلك من خلال تحليل الوحدات الزخرفية الهندسية عبر إيجاد الفكر المعماري المستمد من الفلسفة الوسطية وذلك من خلال إيجاد منهجية الفن المعماري عبر الوحدات الزخرفية الهندسية الإسلامية بإعتبارها تمثل سمة للعمارة بإعتبارها تساهم في تشكيل المحيط الثقافي المعماري كنتاج فكري معماري للإسلام فهو يمثل منهج حياة متكامل من خلال حضور مفهوم الوسطية في الإسلام بإعتبارها تمثل خصوصية تشكل للمنهج الإسلامي الذي تجلى عبر النص الديني بعبارة فصيحة و واضحة حيث يقول تعالى “وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ” صدق الله العظيم (سورة البقرة،آية 143 )، ومن هنا تتجلى الخصوصيات التي تربط بين الرؤية الوسطية وبين الفكر المعماري الإسلامي الذي يبرز كنتاج للحضارة الإسلامية.
لذلك فإن مفهوم الوسطية لا يعني بالضرورة نقطة الوسط بمفهومها الرياضي وإنما تتعدد لتبرز من خلال مفهومها الذي يعتمد على طبيعة تلك الوسطية، التي تبرز من خلال الرؤى الفقهيه أو الإجتماعية و كذلك الثقافية و المعمارية ، التي تكشف عن الوسطية الإسلامية من خلال تشكليها لرؤية معمارية تتشكل عبر هيكل متناسب متناسق لحالات ثنائية متضادة و مندمجة في فضاء حيوي يساهم في الكشف عن الفكر المعماري الوسطي عبر العلاقة بين الشكل والمضمون ، الذي تتجلى من خلاله مجموع أشكال مادية ووظيفية تكشف عن إمتداد روحاني معماري في ذات الحين.
تمثل الوسطية الإسلامية الموقف الأصعب نظرا لأنها لا تهتم بالانحياز لموقف قطبي واحد، و إنما تبرز كرؤية لها خصائصها المميزة التي تجعلها مختلفة عما ذكره الفلاسفة أمثال أرسطو بإعتباره تناول مفهوم الوسطية كوسيلة يمكن التعبير عنها بكونها تمثل نقطة رياضية تقف بين رذيلتين بمسافات متساوية وهي تمثل موقف ثابت ساكن لا علاقة له بالنقيضين، كما أن هذا المفهوم إهتم به رجال الدين و الفقهاء الإسلاميين الذين إعتبروا أن “إتجاه مدرسة الوسط أو الاتجاه المتوازن المعتدل الذي يجمع بين اتباع النصوص ورعاية مقاصد الشريعة ،فلا يعارض الكلي بالجزئي ولا القطعي بالظني…فهو يجمع بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر ” حيث أن الوسطية تشكل اتجاه يجمع الدين بثوابته و يراعي العصر المتطور بمقتضياته ومتطلباته المتغيرة حيث أن الإنسان المسلم ينظر إلى الكون نظرة إيمانية حضارية ساهمت في خلق تطور في مجالها المادي والفكري، مما يساهم في خلق الحاجة التي تؤدي إلى التطور الوظيفي للفراغات المعمارية المساهمة في البحث و الإبتكار، وذلك من خلال الكشف عن مرونة الأشكال التي تساهم في خلق حياة داخل العمارة الإسلامية بإعتبارها تساهم في خلق الأفضل والأجمل عبر نتاج فني و مادي يجسده الفنان عبر لوحات فنية معمارية تكون ذات تشكيل بالغ الدقة والإبداع ولعل هذا ما يتجلى عبر هذا العمل المصاحب

صورة عدد 1 : تمثل الأنظمة المشكله للنظام الزخرفي.
تعتبر الزخرفة عالم صوري حاملا لنظام رياضي يساهم في تحقيق التجليات الروحية التي تتحرر من كل القيود الزمنية والمكانية مما يساهم في الكشف عن العلاقات التشكيلية و المبادئ الهندسية التي تربط الأجزاء ببعضها البعض من خلال تشكيل تصورات روحية تساهم في خلق نظام هندسي يتشكل عبر العناصر التي تساهم في خلق نظام ذو علاقات تحقق الإستقرار من خلال الغوص في وجوهر الإبداع والخلق، و ذلك من خلال التجديد والإبداع المعماري الذي يكشف عن روحانية معمارية وفنية تحملها العمارة الإسلامية بإعتبارها تعد أحد روائع العمارة حيث أنها حملت في طياتها الروحانية الرمزية التي تبرز في الشكل و المضمون حيث أنها تتجاوز البعد الوظيفي لتغوص في مكنونات معنوية عقائدية تبرز من خلال التشكيل الفراغي الذي يسعى الفنان المسلم إلى لتحقيقه ضمن الزخرفة التي تمثل عنصرا أساسيا في التشكيل المعماري الإسلامي و ذلك من خلال توظيف تشكيلات زخرفية تتكون من الداخل والخارج و تتشكل من خلال حضور ألوان قوية وجريئة، تكشف في طياتها عن الحضور المكاني والروحي الذي يساهم في تحقيق البعد الجمالي و الحسي المعبر عن حضور البعد الوظيفي الأمر الذي يساهم في خلق عمارة إنسانية، تحقق بعدا توافقيا للشكل والمضمون في الزخرفة الإسلامية.
لذلك فإن إنتاج فكر معماري وسطي يساهم في الكشف عن الحيوية المعمارية التي تتميز بها العمارة الإسلامية و التي تجمع بين حضور المادة والروح في العمل الذي يشكله الفنان المسلم و هو ما يساهم في تحقيق فهم وإنتاج يتجلى من خلال الشكل والمضمون الذي تحمله التركيبة الهندسية للفضاء المعماري و ذلك من خلال التعبير والتكوين الفني الذي يجعل من الشكل الفني أداة أساسية تبرز من خلال التعبير والتشكيل المعماري الذي يساهم في الكشف عن المكونات المادية و الروحية للعمارة الوسطية الإسلامية .
بالتالي لقد ساهمت الزخرفة الإسلامية في تحقيق معنى الوسطية الذي يتجلى من خلال الشكل و المضمون و ذلك عبر التشكيل الفني الهندسي بإعتباره يمثل نظام رياضي هندسي و تشكيلي و ذلك عبر حضور الوحدات الزخرفية من خلال نظام متناسق و متوازن، يحقق الإنسجام بين عالم الخالق وعالم المخلوق الذي يبرز من خلال حضور المادة والروح التي تتأرجح بين الثابت الأصيل و الذاتي الذي يتشكل عبر فلسفة الوسطية التي تحاول بلوغ الدوام و الخلود في ذات الوقت.

رأي واحد حول “حضور الوسطية في الشكل والمضمون عبر العمارة الإسلامية … ألفة خليفي”

اترك ردا