المعارف العقلية عند العرب … حسن محمد أحمد محمد

د. حسن محمد أحمد محمد:  أستاذ مساعد (غير متفرغ) بقسم علم النفس – كلية الآداب – جامعة أم درمان الإسلامية

يتهم كثير من المؤرخين وكتاب الأدب، العربَ ـ قبل الإسلام ـ بالجهل وعدم التحضر والرقى. والمتأمل لهذا الاتهام لا يجد له مبرراً واضحاً، ولا أساس له من الصحة، كما أنه اتهام لا يجد ما يعضده، بل تدحضه الأدلة والبراهين. ولكن الأمر المستغرب له هو أن من بين القائلين بهذا الرأي بعض العرب المسلمين، أما الشئ الأدهى والأمر الأكثر غرابة هو أن تجد كثيرًا ممن نسميهم بالمثقفين ـ في عصرنا ـ وهم يرددون ذلك القول دون أن يسعوا إلى معرفة الغرض والهدف من تلك المقولات المسمومة؛ والتي تهدف ـ بالتأكيد ـ إلى وصم العرب ـ في السابق والحاضر، والمستقبل كذلك ـ بالتخلف وعدم التحضر والرقي.
ـ رأي شوقي ضيف:
هذا هو شوقي ضيف ( الناقد المصري) يقول:… و لم تكن عندهم ( العرب) ثقافة ذات معالم بينة، وحتى من جهة التنظيم السياسي كان يعمهم النظام الإقطاعي … فهم في جمهورهم بدو ليسو بأصحاب علم ولا نظر علمي مؤسس على أسلوب علمي … و كل هذا يدل على أن التسبب العقلي عندهم كان ضعيفاً .
من السهل واليسير جدًا الرد على مثل تلك التهم التي يكثر تداولها لدى الكثير من الكتاب والأدباء، وهي تسيل مع ذلك المداد المتدفق من أقلامهم المسنونة، من أجل التقليل من شأن العرب والعروبة ـ لاسيما في بدء عهدم ـ:
ـ أولاً: تلك الصفات لم يتصف بها العرب وحدهم في ذلك العصر وتلك الفترة، فقد كان العرب مثلهم مثل غيرهم من أمم ذلك الزمان التي يِسِمونها بلفظ التحضر والحضارة مثل الفرس و الروم، ولم يتوفر لديهم جانب عقلي واحد لم يتوفر لدى العرب.
ـ ثانياً: لقد جاء الإسلام وكانت لدى العرب آثار وثنية كثيرة تدل على مقدرتهم على تذوق الجمال و ربما كانت تنم عن حس وشعور فني عال، ولكن الإسلام حرم عبادتها (هبل, اللات، العزة) فلو أنها بقيت لكانت أشبه بما تركه سكان أثينا وروما من التماثيل والآثار.
ـ ثالثاً: كانت لدى العرب معرفة واسعة فاقوا فيها غيرهم من الأمم من ذلك – مثلاً – معرفتهم بالنجوم ( كان للعرب معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغائبها وعلم بأنواء الكواكب وأمطرها ).
ـ رابعاً: نشأت في جنوب الجزيرة العربية حضارة ذات شأن عظيم، هي حضارة مملكة سبأ التي ورد ذكرها في القرآن العظيم, وأيضاً قامت في شمالها مملكة الغساسنة ومنطقة شبه الجزيرة العربية عموماً غنية بالآثار والمخطوطات. إلا أن من سمات العرب وطبائعهم كانت الترحال الدائم وعدم الاستقرار الأمر الذي لم يمكنهم من الاحتفاظ بتلك الثروة الضخمة.
ـ خامساً: لقد أطلق الغرب وصفاً يحط من مقدرات العرب العقلية – وليس هذا بمستغرب منهم، إلا أن الأمر الغريب والمثير للدهشة هو، أن ينعق بذلك بعض من العرب أنفسهم – ليؤكدوا للعالم أن الغربيين هم صناع الحضارة الإنسانية، و صدَّق كثير من العرب تلك المقولة وصاروا يرددون ما يقوله الغرب عنهم . ومن المستحيل أن تكون الحضارة الإنسانية من صنع أمة أو جنس واحد ؛ وإنما هي من صنع البشرية جمعاء، عربها وعجمها.
ـ سادساً: كانت للعرب معارفهم العقلية التي اعتمدوا فيها على التجربة و الخبرة – وهي معروفة، فمن تلك المعارف ـ مثلاً- معرفتهم ببناء السدود ( سد مأرب ) . والزراعة في مملكة سبأ والطب، كذلك برع العرب في الحكمة والأدب و يتجلى ذلك في ديوانهم الأدبي الضخم (الشعر) الذي خلدوه لنا، يقول عمر بن الخطاب ( رض ) الشعر ديوان العرب، و كان عمر (رض) يحث على تعلم الشعر و يحب سماعه و يطرب له و يستشهد به. والشعر ليس عاطفة فقط وإنما هو نتاج فكرى و عقلي أيضاً، يقول زكريا بشير: لا شك أن العرب قبل الإسلام كانت لهم حياة فكرية تبدو مظاهرها في أشعارهم و حكمهم والأمثال العربية التي اشتهروا بها كل ذلك يشير إلى وجود حياة عقلية عند العرب قبل الإسلام.
ـ الابداع اللغوي:
يكفي العرب والمسلمون فخراً لا يدانيه فخر في مجال الإنتاج العقلي أنهم استطاعوا أن يبدعوا إبداعاً عظيماً يتمثل في عظمة اللغة العربية وفي ذلك يقول العقاد: إن جهاز النطق الإنساني عبارة عن أداة موسيقية وافية، لم تحسن استخدامها على أوفاها أمة من الأمم القديمة والحديثة كما استخدمتها الأمة العربية؛ لأنها انتفعت بجميع المخارج الصوتية في تقسيم الحروف . بل إن من العلماء ـ أمثال (whorf) صاحب نظرية (النسبية اللغوية ـLinguistic Relatiuity ) ـــ من اعتبر أن خصائص اللغة التي تتحدثها جماعة معينة هي التي تحدد وسائل تفكير تلك الجماعة وتصورها للواقع الذي تعيش فيه . كذلك وصف المستشرق آرنست رينان ـ صاحب كتاب (التاريخ العام للغة السامية ) ـ اللغة العربية فقال: من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية (العربية) وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى وعند أمة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، ولقد كانت تلك اللغة مجهولة بين الأمم و لكنها من يوم أن عرفت ظهرت لنا في حلل الكمال. إلى درجة أنها لم تتغير أي تغيير يذكر، حتى أنها لم تعرف لها في طور من أطوار حياتها، لا طفولة و لا شيخوخة ولا نكاد أن نعرف من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، و لا نعلم شبهاً لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة .
إن اللغة إذن تمثل نظاماً أساسياً للتفكير، الذي يعد من أبرز السمات العقلية؛ مما يؤكد وجود مقدرات ذهنية ومعارف عقلية لا ينكرها إلا منكر، فهي واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار. حتى أنه لا يكاد يخلو حجر في الجزبرة العربية من نقش تذكاري نقشه كتاب محترفون أو غير محترفين من الرعاة و رجال القبائل … . و قد أتاحت هذه الآثار والنقوش لعلماء الساميات اكتشاف تاريخ هذه الأمم ودراسة اللغات السامية ومقارنتها بغيرها من اللغات، فكان في ذلك مساعدة كبرى لأولئك العلماء مكنتهم من الوقوف ـ وبدقة ـ على حقائق هذه اللغات و حضارات أهلها وثقافتهم … وكل ما اتصل بهم من رقى. ولكن لماذا كل هذا الفخر بهذه اللغة ؟ والسؤال الصائب هو ولماذا لا يفخر العرب ويتيهون على الأمم بهذا الشرف, الذي يدعيه سواهم ـ وفي ذلك سلب للحق العربي ـ؟ يقول العلامة الروماني بلينوس ـ صاحب كتاب (التاريخ الطبيعي) ـ: إن الشعب الفينيقي حظي بالشرف العظيم لاختراعه حروف الأبجدية. وكان حق لهذا الشرف العظيم أن يدعيه العرب، إذ إن أصول هذه الجماعة الفينيقية تعود إلى الجزيرة العربية؛ كما ثبت من دراسة الخرائط الجغرافية القديمة، التي أكدت أن أصولهم ( الفينيقيون) جاءت من منطقة الخليح العالية الواقعة بين شط العرب ورأس أبي مشيط و رأس العرق، وهي الآن المنطقة المنحصرة بين دولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة .
يقول العالم الفرنسي ميشيل شال ـ بخصوص دور العرب في تطوير العلوم ـ : … لقد كان حب العلوم وثقافتها موجود خلال هذه الفترة الطويلة لدى شعب واحد: عرب بغداد وقرطبة … والفضل يعود لهؤلاء في إطلاعنا على المؤلفات الإغريقية التي ترجموها بغرض استخدامها, … . ولا شك في أن عرب بغداد ما هم إلا سلالة عربية انحدرت من أجدادهم الذين قدموا من الجزية العربية (مكة المكرمة).
وقد مدح الشاعر المصري حافظ إبراهيم، اللغة العربية بقصيدة تعد واحدة من روائع الشعر، والتي قل أن يوجد لها نظير، نذكر منها:
رَجَعتُ لِنَفسي فَاِتَّهَمتُ حَصاتي * وَنادَيتُ قَومي فَاِحتَسَبتُ حَياتي
رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني * عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي
وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي * رِجالاً وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي
وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً * وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ * وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ * فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني * وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي
فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني * أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحينَ وَفاتي
أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً * وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ
أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً * فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ
أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ * يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
وَلَو تَزجُرونَ الطَيرَ يَوماً عَلِمتُمُ * بِما تَحتَهُ مِن عَثرَةٍ وَشَتاتِ
سَقى اللَهُ في بَطنِ الجَزيرَةِ أَعظُماً * يَعِزُّ عَلَيها أَن تَلينَ قَناتي
حَفِظنَ وِدادي في البِلى وَحَفِظتُهُ * لَهُنَّ بِقَلبٍ دائِمِ الحَسَراتِ
ـ الأدب والشعر:
وإذا انتقلنا إلى جانب آخر نجد أن العرب في جاهليتهم تلك قد ابدعوا في مجلات الأدب فخلفوا لنا تراثًا أدبيًا وشعريًا، يعد من أرقى أنواع الفنون الآدبية الباقية حتى يومنا هذا سواء أكان ذلك في مضمونه أو شكله، وبلغ العرب مستوى عاليًا ورفيعًا في مضمار الشعر والخطابة والأمثال، وتجلى كل ذلك التراث في ما نقله إلينا الرواة الذين عملوا على حفظ تلك الثروة من الضياع، عندما حفظوا السِيَر الأحداث والحروب التي كانت تندلع بين القبائل والعشائر، أو بين العرب وجيرانهم من الفرس. وعن طريق هؤلاء الرواة الذين كانوا يتعاقبون جيلاً بعد جيل أمكن حفظ الكثير من التراث العربي والأآداب في العصر الجاهلي، وأصبح جزءًا مهمًا من المعارف الأدبية والإنسانية التي سُجِّلت في عصر التدوين في كثير من المؤلفات.
ـ الفروسية عند الهرب:
هي شكل ابداعي يتمثل في حسن وفن استعراض الفارس لمقدراته في ركوب الخيل، ولا تتوقف على مهارة الفارس في ثباته على ظهر الحصان فحسب، وإنما تتضمن الجوانب المعنوية للفارس، وتتجلى تلك السمات المعنوية في روح الفروسية بكل ما لهذا اللفظ من مفهوم القيم والأخلاق، وتعد الفروسية مظهرًا طبيعيًا من مظاهر حياة العربي منذ نشأته، فنسبة للبيئة الطبيعية القاسية الظروف والاجتماعية والاقتصادية، وبجانب ما كان يشعر العربي به من تحدي الآخرين، اتخذ الفروسية وسيلة لمقابلة هذه التحديات. وترتبط الفروسية بالحرب ارتباطًا وثيق الصلة؛ وذلك منذ أن وعى الإنسان الدور الكبير الذي تؤديه خيل، ولا شك في أن أيام العرب قد حفلت بحروب عديدة نشبت بسبب عوامل تتعلق بطبيعة الحياة الصحراوية، بما فيها من قسوة المناخ، وطبيعة الفكر العربي المتمثل في حب القبيلة، وحماية الجار، والثأر. ونتيجة لتعوّد البدوي على مشاهدة حياة مليئة بالأخطار، ظل طوال حياته يعيش في حالة تأهب لمواجهتها، إذ شكلت الشجاعة المعنوية والقوة البدنية شرطًا من شروط وجود العربي في تلك البيئات الشديدة الصلابة، وغدت عاملاً من العوامل التي تؤدّي دورها الفاعل في مجتمعه؛ ولذا كان الفارس مكرمة من مكارم قومه، ومفخرة من مفاخرهم، يعتزون به، ويشيدون ببطولته، فهم قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يَكِلُونها إلى سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم. إن طبيعة البيئة وطبيعة الحياة الاجتماعية جعلتا العربي فارسًا بالضرورة؛ لأن الفروسية عنصر مهم من عناصر الحفاظ على المكانة الاجتماعية الرفيعة التي يطلبها العربي على الدوام، بل تمثل العنصر الحيوي فيها، فتكون الفروسية بذلك ظاهرة طبيعية في حياة العربي ينشأ عليها ويعايشها طوال حياته. ولا تنحصر خصائص الفروسية ومفهومها عند حد القوة العضلية؛ وإنما تتعداه إلى حماية الضعيف من القوي، ونصرة المظلوم على الظالم، والفارس لا يُحجم عن إزالة المظالم أيًا كان مرتكبها، وهو من ـ أيضًا ـ يفتح صدره للبائسين، ويمدُّ ذراعيه لخدمة الضعيف، ويتطوّع لمحاربة الشر، ومن تقاليد الفروسية معاملة الأسرى بالحسنى، وهذا يصور مدى الشهامة والسمو الإنساني في معاملة شخص يقع تحت رحمة شخص آخر أقوى منه، قادر عليه ولكنه يرفق به، ويحسن إليه.
يقول امرئ القيس:
مكرٍّ مقبلٍّ مدبرٍّ معًا * كجلمود صخر حطه السيل من عل
وقال عترة بن شداد:
لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ * بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
ماءُ الحَياةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ * وَجَهَنَّمٌ بِالعِزِّ أَطيَبُ مَنزِلِ
ـ علوم العرب:
للعرب قبل الإسلام بعض العلوم والمعارف، منها أنهم كانوا يعرفون الأنساب ويعتنون بحفظها، وكانوا يعرفون عن الفلك بسبب كثرة تجوالهم وترحالهم في الصحراء، وقد برعوا في القيافة، وهي معرفة اقتفاء الأثر بدقة فائقة، وأضافوا إلى ذلك معرفتهم بتطبيب الحيوان لاسيما أمراض الإبل وأدويتها، وينسب إلى العرب اكتشاف القار علاج يمنع من انتقال وانتشار عدوى الجَرَب بين الإبل ويساعد في شفائها من هذا الداء، كذلك اهتم العرب بالعاية بتربية الخيل وبنسلها ويقدرونها حق التقدير، ونرى ذلك في كثير من أشعارهم سواء أكان ذلك في الجاهلية والإسلام. وأجادوا ركوب الخيل والفروسية المختلفة، وقد ارتبط ذلك عندهم بصنع الأسلحة من سيوف ورماح ونبال وأقواس وسهام، كيف لا وهم أهل حرب وغارات وثارات.
ـ الطب:
كانت للعرب في تراثهم القديم العديد من التجارب في مجال العلاجات الطبية، وقد أضافوا ـ فيما بعد ـ إلى تلك التجارب والخبرات، ما اكتسبوه من الأمم المجاورة كالفرس والهنود وغيرهم، وقد سلكوا في أساليب علاجهم طريقتين للعلاج وهما الكهانة والعرافة، بالإضافة إلى ما خبروه من معرفة ثرة بالنباتات، كما أنهم استخدموا الكي والحجامة والفصد، بقصد التداوي والعلاج، ومن أبرز أطباءهم في الجاهلية زهير الحِمْيري، وابن حزيم، والحارث بن كلدة صاحب كتاب المحاورة في الطب، والنضر بن الحارث.
ـ الفلك:
عرف العرب في أيام جاهليتهم الكثير عن النجوم أو ما يعرف بعلم الفلك بالإضافة إلى ما أخذوه من الأقوام المجاورين لهم كالكلدانيين والفرس والسريان. فقد ألموا بمواقع النجوم وسيرها التقريبي بالملاحظة اليومية واستدلوا بذلك على فصول السنة، وأطلقوا على الشهور أسماء مأخوذة من صفات هذه الفصول، كما عرفوا عددًا كبيرًا من الكواكب والنجوم بأسمائها العربية أو الفارسية أو الكلدانية مثل المريخ الذي عرّبوه من الاسم الكلداني البابلي مردوخ، ثم في فترة لاحقة استعاروا أسماء بعضها من الفارسية مثل كيوان؛ برجيس؛ بهرام؛ أناهيد التي أطلقوها على زحل والمشتري والمريخ والزُّهرة على التوالي. وقد استفادوا منها كثيرًا عندما نقلوا الثقافة العربية والحضارة الإسلامية للعالم.
ـ الجاهلية:
سمى فترة ماقبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية بعصر الجاهلية، وهي كلمة لم تكن معروفة بين سكان شبه الجزيرة العربية (العرب)في الفترة التي سبقت طهور الإسلام، إلا أنها وردت في بعض سور القرآن الكريم المدنية ـ منها سور آل عمران والمائدة والأحزاب والفتح، وتحمل كلمة الجاهلية كثيرًا من المعاني التي تعني التعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، مثل الجهل بوحدانية الله، والكفر بها والتعصب وعدم الامتثال إلى المثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وعدم الوحدة أو الاحتكام إلى العقل أو اتِّباع أحكام القرآن الكريم. إن العرب لم يكونوا أصحاب جاهلية لعدم معرفتهم أو تطورهم في مجال العلوم؛ وإنما جاءت هذه التسمية لما عرف عنهم من تسافه وحمية وظلم للآخرين … وكلمة جاهلية ليست من الجهل الذي هو ضد العلم أو المعرفة، بل يحمل هذا اللفظ ( جاهلية) معان متعددة فهو يعنى التسافه والنزق والغضب والظلم … يقول عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلين
وكذلك قال الآخر :
أحلامنا تزن الجبال رزانة *** وتخلنا جناً إذا ما نجهل
فالجهل ينصب على السلوك المنافي للعقل والمنطق ، وهو ـ كما يفهم من سياق الاستخدام في الشعر العربي ـ العدوان الذي لا مبرر له من جهة العقل والمنطق . يقول زهير بن أبي سلمى :
ومن لا يزد عن حوضه بسلاحه *** يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وفي الحديث الشريف أن الرسول ـ الكريم عليه أفضل صلاة و أتم تسليم ـ قال لأبى ذر ـ و قد عير رجلاً بأمه ـ (إنك امرئ فيك جاهلية) فالكلمة بهذه المعاني تعنى أنها علم على فترة زمنية محددة، و ما ساد فيها من سفه و نزق و ظلم و…، كذلك برعت العرب في معرفة الأنساب وحفظهم لتراثهم فقد تمتعوا بحافظة لا تبز. و فوق كل هذا و ذاك لا يمكن تجاهل معرفتهم بأن هناك قوة إلهية فوقهم، على الرغم من تلك الأصنام التي عبدوها في جاهليتهم، فيقولون عنها ـ كما ذكر القرآن العظيم ـ : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ، كما علمتهم حياة الصحراء كيف يهتدون في سيرهم بالنجوم ومعرفة مواقعها وتأثيرها على المناخ، يقول تعالى: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) . ونختم حديثنا هذا بحديث المستشرق الأمريكي جب gipp)) الأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية الذي يقول في كتابه المحمدية (mahammedanism): إن (مكة) كانت فيها حضارة وزعامة… ولم تكن أرضاً جرداء, ولم يكن سكانها حفاة غلاظاً بل كانت فيهم فطنة، وسياسة ومعارف واسعة بالناس والمدن على السواء.

اترك ردا