أزمة الهوية وتعددية التخصصات في حقل الإدارة العامة … حلا أحمد حامد معلا 

حلا أحمد حامد معلا: باحة دكتوراه في قسم الإدارة العامة – جامعة الملك سعود 

الملخص: 
أجمع العديد من العلماء على أن حقل الإدارة العامة يعاني من أزمة هوية وهي تحتاج إلى أن يتم معالجتها بطريقة ما, وقد كان أكثر ما يميز مناظرات علماء الإدارة العامة منذ بداية خمسينات القرن الماضي حتى أواخر القرن العشرين هي القيام بمحاولات جادة وبناءة لبناء أطار تكاملي لصياغة فلسفة جديدة موحدة ومترابطة لحقل الإدارة العامة, فإذا كان حقل الإدارة العامة مبني على مفاهيم ضيقة ومحددة وكانت هناك محاولات لرسم حدود للحقل بناء على تلك المفاهيم فأننا لن نصل الى هوية حقيقية تعكس طبيعة الإدارة العامة مع التشديد على ضرورة فهم الإدارة العامة في بيئتها الحقيقية في عالم متسارع التغير والتعقيد, يهدف هذا البحث إلى إلقاء الضوء على حقيقة أزمة الهوية في الحقل ومدى أتساعها مع أتساع الحقل تماشياً مع طبيعته المتشعبة والمتمددة يوماً بعد يوم وكيف تم استيعاب تأثير تلك الأزمة من خلال منهج تعددية وتداخلية التخصصات كإطار عام يصف طبيعة حقل الإدارة العامة من أجل أن يتناسب المفهوم الجديد لحقل الإدارة العامة مع طبيعة وتنوع الخدمات العامة الحكومية التي تقدمها الدولة لمواطنيها .
مقدمة :
عندما نشر دوايت والدو عام 1968 م مقالته بعنوان ” نطاق نظريات الإدارة العامة” كتب والدو عبارته المشهورة ” حقل الإدارة العامة يعاني من أزمة هوية ” , أن الأزمة المزعومة هي على وجه التحديد الفجوة بين ” النطاق ” والنظرية ” المرتبطة بدراسة الإدارة العامة وهذا يعني أن الأزمة هي في فهم وتوضيح الهدف من دراسة الإدارة العامة ومن الحقل ككل (Rutgers, 2010 ) , والدو أشار إلى أن أزمة الهوية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأهداف دراسة الإدارة العامة وحدود الحقل والتي هي غير واضحة أصلا خاصة منذ فترة نهاية الأربعينات من القرن الماضي. بالإضافة إلى ذلك فإن ” النظرية ” كما ذكر والدو تحمل مفاهيم متنوعة, ونطاق النظريات يستخدم لحل المشكلات , والمشكلات تحمل بعدين أساسيين بعد نظري والآخر عملي ولكن لأجل تقديم تفسير لأزمة الهوية فأن الترابط المنطقي بين المشاكل والنظريات والأهداف والحدود وما إلى ذلك لا يساعد أيضا في تحديد هوية الإدارة العامة Rutgers,2010)), أيضا أشار (Rutgers,1998) إلى أنه من غير المنطقي البحث عن هوية أو نموذج أو تخصص أو أيا كان ما يقدم ترابطا منطقيا أو جوهرا محددا لكل الأفكار والممارسات والنظريات والمشاكل والمدارس الفكرية خاصة لحقل الإدارة العامة وإن كنا بحاجة لعبارة “أزمة هوية” لوصف طبيعة دراسة الإدارة العامة فهذا أفضل تعبير, مع الوضع في الاعتبار أيضا اختلاف وجهات النظر حول طبيعة الدراسة. أضاف (curry, 2014) أن التغيرات التي حدثت في التركيز والاتجاهات في حقل الإدارة العامة كممارسة في السنوات الماضية أنعكس أيضا كتغييرات في حقل الإدارة العامة كعلم, وقد استجاب الأكاديميون في الحقل لتلك التغييرات مع اختلاف تلك الاستجابة فالبعض ينظر للإدارة العامة كموجه يشرح ماذا يجب أن تكون عليه الإدارة العامة والبعض الآخر ينظر إليها كمرآة تعكس كل التغييرات التي تحدث في القطاع العام والحكومة والمجتمع, (Zalmanovitch ,2014 2010, Rutgers,) ناقشا أن هذا الاختلاف في الاستجابة يعكس المناقشات العديدة عن النطاق العريض والكبير للحقل وهو ما قد قاد الى التقسيم التخصصي والافتقار إلى التنسيق بين مختلف مراكز انطلاق وروافد دراسة الإدارة العامة. وأن أحد أهم أسباب عدم تحديد هوية خاصة لحقل الإدارة العامة هو اختلاف علماء الإدارة أنفسهم في أيجاد أرضية مشتركة ينطلق منها الحقل وأيضا هناك عامل مؤثر في تحديد هوية الحقل بالإضافة الى العلماء وهو المستخدمين والممارسين للمناهج والنظريات التي تتضمنه, كما أن العديد من التقاليد الوطنية في الحكم وإدارة البلاد أنعكس أثرها في تطور حقل الإدارة العامة. إن أهم مفهومين لدراسة الإدارة العامة كانا المفهومين الأمريكي والأوربي فقد اتفقا على أن حقل الإدارة العامة هو مظلة , إلا أن الأمريكيون يفهمون الحقل على انه مجموعة من التخصصات الرئيسية والفرعية تحت مظلة واحدة مثل الادارة المالية والموازنة وتقويم البرامج وتحليل السياسات العامة وإدارة الموارد البشرية لذا فأن المعرفة المكتسبة عن ادارة الحكومة قد تبعثرت خلال العديد من التخصصات, ويعتبر المفهوم الأوربي للإدارة العامة أكثر تنظيما فهو ينظر للحقل كإطار شامل يحوي بداخله العديد من العلوم والمناهج وتدرس على اساس أنها أرضية موحدة لعلوم متعددة. Raadachelders, 2011, Rutgers, 1998) ).
أن من أهم مبررات هذه الدراسة أن تعدد مستويات الدراسة والاهتمام وكذلك تعدد المناهج والمدارس الفكرية يجدد فهمنا واستيعابنا لحقل الإدارة العامة وفي نفس الوقت يجدد الحديث عن هوية الحقل وحدوده ويضعنا في حيرة ويدفع للكثير من البحث والتقصي, كذلك فأن حقل الإدارة العامة يمر الآن بحالة أزمة حقيقية في تحديد هويته, ففي الفترات الماضية لم تطرح العديد من الأسئلة بخصوص الحقل نظرا لأنه كان تحت مظلة العلوم السياسية , وفي وقتنا الحاضر ما زال سؤال هل الإدارة علم أم فن أم مهنة والسؤال عن نظرية موحدة للإدارة العامة يمر بالعديد من التحولات الفكرية بعيدة المدى Rutgers,1998 )) , أيضا أن الهوية الغير مؤكدة والغير محددة لحقل الإدارة العامة كما أشار (vidoga,2003) قد طرحت العديد من الأسئلة من قبل الأكاديميين والممارسين في الحقل, ما هي الأرضية العلمية التي نقف عليها عندما نتحدث عن الإدارة العامة؟ وما هي موروثات هذا الحقل المتشعب التي نتعامل معها في عصرنا هذا؟ كيف نعيد أحياء الخدمات العامة من خلال البيروقراطيات استجابة للتغيرات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ أن من أهم الأسئلة التي تحاول هذه الدراسة الإجابة عليها هي: هل حقاً أنتجت الطبيعة المتغيرة والمتشعبة باستمرار في حقل الإدارة العامة أزمة هوية ؟ وما هي حقيقة أزمة الهوية وحجمها ونواحي تأثير هذه الأزمة على الحقل؟ وهل دراسة الإدارة العامة الآن أبعد ما تكون من أن تقترب الى الوصول الى نظرية ختامية لأزمة الهوية في الحقل أم من الممكن الوصول الى مثل هذه النظرية في القريب العاجل؟ وإذا كان ممكناً التوصل الى تلك النظرية فكيف سيكون شكلها ومضامينها ؟ وإذا لم يكن ذلك ممكناً كيف يمكن أن يتطور حقل الإدارة العامة وهو يعاني من أزمة هوية ؟
طبيعة دراسة الإدارة العامة وأثرها في تكوين أزمة هوية للحقل :
لقد تم تصنيف الإدارة العامة من العلوم الاجتماعية ولا شك في ذلك, رغم أن بعض العلماء يرون رابطا قويا بينها وبين الإنسانيات كالفلسفة والتاريخ والأدب وعلماء الإدارة في بدايات القرن الماضي ( المدرسة التقليدية ) استمدوا من العديد من المسلمات العلمية مستوحاة من العلوم الطبيعية ( لمحاولة تحديد أطار خاص بالإدارة العامة ) ولفصلها عن الصراعات السياسية والدستورية التي كانت تشوه الحكم في تلك الفترة Henry, 1975, Raadachelders, 2005), Rutgers, 2010 ), خلال الفترة الماضية كان حقل الإدارة العامة يناضل من أجل موقع مستقل في العلوم الاجتماعية (curry, 2014) بينما كان في السنوات المبكرة من إنشائه من الحقول المحافظة المقاومة للتغيير مثل القانون والطب والاقتصاد لكنه اليوم تطور ليصبح حقلا فريدا مستقلا في كثير من النواحي لكنه ما زال متمتعأً بالإسهامات العديدة والمشتركة من التخصصات الأخرى في العلوم الاجتماعية وفي العقد الأخير تطور الحقل كثير نظرياً وعلمياً على نحو مثير للإعجاب مما خلق العديد من الانجازات الجديدة الجديرة بالملاحظة من نواحي مختلفة ولكن القطاع العام بشقيه العلمي والمهني كان هو المسؤول الأول عن تلك الانجازات ( vidoga , 2003 ) . أشار دوايت والدو في مقدمة الطبعة الثانية من كتابة ” الدولة الإدارية ” الى أن الإدارة العامة قد أوجدت لنفسها مرتكزات وفروع معرفية جديدة إضافة للعلوم السياسية كلها ذات ارتباط بموضوع الدراسة وهذه الفروع هي علم النفس الاجتماعي والاقتصاد وعلم الاجتماع وإدارة الأعمال والرياضيات والاقتصاد وكل هذا جعل من طبيعة وحدود دراسة الأدارة العامة إشكالية في حد ذاتها(Raadachelders, 1998 ) , ولا يوجد إلى الان اتفاق حول الطبيعة الأكاديمية للدراسة , الإدارة هل هي علم أم فن أم مهنة أم حرفة؟؟؟ , وقد كان ذلك من أسباب اختلاف وجهات نظر علماء الإدارة العامة في تحديد أطار ممنهج لها ,فهل الإدارة هي علم science أي معرفة منظمة كما ذكرها والدو أم أنها تقع في أطار المفهوم الألماني wissenschaft ” الترتيب الممنهج للنظريات والقواعد والفرضيات والأنظمة والتي يمكن من خلالها اكتساب المعرفة ” (Raadachelders, 2011), أيضاً أشار (Raadachelders, 1999) الى أن تحديد نظرية موحدة للإدارة العامة يعتمد على العديد من الاعتبارات وهي: أن دراسة الإدارة العامة هي عبارة عن تداخل العديد من التخصصات فتعدد المناهج والنماذج والنظريات يرسم خطا حول حقل الدراسة, ثانيا أن وضع نظرية للإدارة العامة يتوقف أيضا على مفهوم النظرية فالنظرية الجيدة هي التي تصنف وتوضح وتتنبأ بناء على تحليل استكشافي لحقائق محددة أو معممة وهذا ما لا يمكن تطبيقه على الإدارة العامة ككل فهناك العديد من الحقائق والنظريات التي تكمل بعضها والتي تعارض بعضها البعض, كما أن تنوع التخصصات والمواضيع في الحقل هو مصدر تعددية هذه الحقائق وهذا المبدأ يرفض النسبية في نهاية المطاف بين المناهج الثلاث ( علم , فن, مهنة). أضاف أيضا ( العوالمة , 2005) إن الإدارة العامة عبارة عن نظلم متكامل من المفاهيم والمعارف والأساليب والتراث العلمي والتطبيقي المتميز بالحيوية والانفتاح والاستجابة للمتغيرات والمستجدات على مختلف الأصعدة وتأثرت الإدارة العامة فكراً وممارسة كنظام مفتوح بالمتغيرات والخصائص البيئية المحيطة بها والتي تتميز بتغيرات جذرية حثيثة ومتسارعة تستوجب متابعة وتفكير ورؤى وسامية إستراتيجية مدروسة ومستندة إلى تحليل شامل بين الفرص والمحددات. أن تعدد العلوم التي أثرت في دراسة الإدارة العامة يمكن أن يفهم على مستوى فردي اي مستوى العالم في الإدارة العامة لأن الكثير من علماء الإدارة العامة هم في الأصل علماء في القانون أو الاقتصاد أو العلوم السياسية أو علم النفس ودخلوا لحقل الإدارة محملين بتجاربهم وخبراتهم من الحقول السابقة , أيضا تعدد العلوم يمكن أن يفهم على مستوى البحث في حقل الإدارة حيث استفاد حقل الإدارة العامة من الكثير من النظريات من علم الاقتصاد وعلم النفس التطبيقي والصناعي وعلم السياسة , لذا فأن المعرفة الأكاديمية المتراكمة للحكومة تم تقسيمها لمستويين مستوى ضمن دراسة الادارة العامة ومستوى دراسة تداخل العلوم الاجتماعية. في النصف الثاني من القرن العشرين انتقلت دراسة الإدارة العامة الى تداخلية التخصصات وتميزت بتعددية المناهج وافتقارها الى الحدود واضعة في الاعتبار التعقيد المنتظم للمستويات الحكومية في المجتمع الحديث وهذا ما لا يمكن الحصول عليه في اي محاولة تبسيط للواقع كذلك فأن حقل الإدارة العامة معرف من قبل العديد من العلماء القادمين من خلفيات علمية متعددة وعلى المستوى الفردي فأن تعددية التخصصات كانت ظاهرة في جهود العلماء لإلمامه وإطلاعه على حقل دراسة أخر لتعزيز فهمه لموضوع معين قيد البحث وعلماء الإدارة العامة إذا ألقينا نظرة سريعة على خلفياتهم نجدهم ينحدرون من العديد من العلوم والتخصصات وهذا واضح في استفادة الحقل من العديد من النظريات الاقتصادية والسلوكية والقانونية والسياسية Raadachelders, 2011) Rutgers, 2010 , ) .
حيث تميزت الإدارة في بداياتها بالتركيز على البناء الهيكلي والشكلي والسلوكي للمؤسسات وشمل البحث في الإدارة العامة كحقل علمي عدد كبير من النظريات والمفاهيم والمداخل الفكرية التي تناولت الجوانب التنظيمية والسلوكية للبيروقراطيات الحكومية , وقد ركزت الدراسات في حقل الإدارة العامة في بداياتها على الجوانب الرسمية في التنظيم ونظم العمل والهياكل والإجراءات ثم تطورت البحوث لتشمل مفاهيم وقضايا سلوكية وإنسانية الى أن وصلت الى مداخل بحثية أشمل في نظرتها للمنظمات كنظم اجتماعية مفتوحة تستجيب نسبياً الى المتغيرات البيئية المحيطة , وقد تميزن فنره خمسينات وستينات القرن الماضي بظهور مداخل فكرية متطورة لدراسة الإدارة العامة والبحث في ظواهرها وإشكالاتها وتمثلت هذه المداخل في حركة الإدارة العامة الجديدة التي اعتبرت بمثابة فلسفة جديدة ومتقدمة في فهم الإدارة العامة ( فكراً وممارسة ) حيث تتطلب تغييرات جذرية في مفاهيم وهياكل وسلوك وقيم وأخلاقيات البيروقراطيات الحكومية , تابعت الإدارة العامة مسيرتها التطويرية في السنوات الأخيرة حيث ظهرت حركة إعادة اختراع الحكومة وهي بمثابة فلسفة إدارية شاملة تقوم على خلخلة الصورة التقليدية للإدارة العامة من خلال تغيير جذري في المفاهيم والنظريات والهياكل حيث تقلص الفجوة بين حقلي الإدارة العامة وإدارة الأعمال من خلال طرحها لبدائل فكرية وسلوكية وتقنية تجعل من المنظمات العامة منظمات عمل حكومية (Business like ) أو (Government business organizations ) وتهدف الى تعزيز استجابة الإدارة العامة الى المستجدات البيئية وتحسين فعاليتها وكفاءتها وقدرتها على البقاء والاستمرارية ( , Uwizeymana and Kealeboga,2014 العوالمة , 2005) .
أن تعدد العلوم وتجزئتها وتخصص مصادر المعرفة وتعقد المجتمعات والمنظمات خلال العقود الماضية ساهم في عدم وضوح حدود دراسة الإدارة العامة وعدم تحديد هوية خاصة بها. Raadachelders, 2011)). كذلك تراكم التراث المعرفي للإدارة العامة بما في ذلك مفاهيم ونظريات وفكر إداري ودراسات تطبيقية هو محصلة لجهود فردية ومؤسسية متواصلة فلقد تطور الحقل الإدارة العامة عبر حلقات تاريخية مترابطة وبشكل تدريجي ملائم للإطار البيئي المحيط به بحيث تميزت المرحلة الراهنة للحقل بالسرعة والجذرية في التغيير مما يعني إعادة صياغة متجددة لهوية الإدارة العامة وهذا يتطلب جهوداً مميزة ويضع مسؤوليات جمة على عاتق الباحثين والمؤسسات الأكاديمية والحكومات وغيرهم من المعنيين بتكيف الإدارة العامة مع بيئتها الجديدة ( العوالمة , 2005) لذا فأن البحث عن هوية لحقل الإدارة العامة قد لا ينتهي طالما كان منصبا في وصف وتصنيف المعرفة (Rutgers, 2010). وقد يقدم شرح الطبيعة الديناميكية المتجددة والمتغيرة باستمرار والمتشعبة لحقل الإدارة العامة على مدى مراحل تطورها إدراكا لحقيقة أزمة الهوية التي يعاني منها الحقل .
حقيقة أزمة الهوية في حقل الإدارة العامة :
يمتد النقاش المتعلق بهوية حقل الإدارة العامة إلى جذورها التاريخية وطبيعة الحقل الأكاديمي الذي ينتمي إليه وتعدد مجالات عملها كمهنة تطبيقية حيث تميز النقاش الفكري والأكاديمي والعلمي حول هوية الإدارة العامة بطابع الجدلية المزمنة أي تواصل النقاش على مختلف الأصعدة دون نتيجة حاسمة (Haque,1996 ) , وقد شمل النقاش تساؤلات تقليدية أساسية ما زالت مطروحة إلى الآن أهمها: إلى أي حقل معرفي تنتمي الإدارة العامة؟ وهل لها هوية علمية مستقلة بحيث أن لها خصائصها العلمية المميزة عن غيرها من الحقول العلمية ؟ وهل للإدارة العامة حدود فاصلة واضحة المعالم ومحددة بوضوح ؟ وهل لها منهجية علمية في البحث والدراسة بحيث يمكن اعتبارها علم حقيقي؟ وهل هي مهنة لها قواعدها القانونية والأخلاقية المميزة ؟ وما طبيعة علاقة الإدارة العامة بغيرها من الحقول المعرفية الأخرى؟ (العوالمة , 2005)
إن من أثار بدايات أزمة الهوية هم عدد من العلماء في الحقل من خلال كتاباتهم وأفكارهم وتقييمهم المستمر لحقل الإدارة العامة , حيث أشاروا أيضا الى أن أزمة الهوية في حقل الإدارة العامة تدور حول الحاجة الملحة لتحديد تعريف راسخ للإدارة العامة يصل الى كل التطلعات التي يأملها علماء الحقل. (Brillantes and Fernandez,2013)
في نهاية الستينات من القرن الماضي كان هناك اعتراف عالمي بأن حقل الإدارة يعاني من أزمة هوية وهذا ما ابقى السؤال التالي قائما كيف يمكننا وضع تصور وإضافة شرعية لهذا المشروع الكبير ( ايجاد هوية موحدة لحقل الادارة العامة) البعض يحاول اعادة تأسيس تصور جديد للإدارة العامة والبعض يركز على تطوير منهجية تستطيع توحيد كل المناهج المتباعدة في الادارة العامة . أن معظمنا يؤمن بشكل صريح أو ضمني أنه ومن أجل أن يستعيد حقل الإدارة العامة تقديره لذاته فأنه يجب على دراسة الإدارة العامة أن تكتسب التماسك الأساسي عن طريق استعادة نموذج عام موحد ومتشارك ومقبول , وأن تشخيص وعلاج أزمة الهوية في حقل الإدارة العامة تكمن في السؤال التالي : هل يمكننا استعادة ذلك النموذج. (Rutgers, 2010). فإذا أخذنا فكرة ” فرع معرفي ” أو ” نموذج” أو أي مسمى أخر يوحد مفهوم أو تصور باعتباره الأساس الشرعي الوحيد للدراسة فأن النتيجة ستكون دائما هي أدراك لأزمة الهوية في دراسة الإدارة العامة ومع ذلك فأن دراسة الإدارة العامة لا تشكل حقل موحد للدراسة ومن الصعب أن تجد أي فرع من الدراسات الاجتماعية يلبي هذا المطلب , فإذا أخذنا بعين الاعتبار وجهة النظر التاريخية والمعرفية نجد أن الإطار الموحد لا يبدو أنه يوضح طبيعة الدراسة أو يشكل الشرط الأساسي لاستمرارية الحقل , باعتباره دراسة تكاملية تمتاز بتعددية التخصصات فمن الأفضل أن يتم تعريفها كدراسة مميزة تعتمد على الهدف من التساؤل واستخدام معاني مختلفة من الدمج والتكامل كذلك منعت هذه التعددية وتداخل التخصصات في تطوير فهم موحد شامل للنظرية الحكومية, وانطلاقا من مصطلح الفرع المعرفي فأن الدراسة التكاملية للإدارة العامة لديها أزمة حقيقية لكن ليس كمشكلة يجب تجاوزها أكثر منها لإيجاد نموذج موحد أو كإعادة معالجة بعض الجوانب في هذا الفرع المعرفي المزعومcurry, 2010) 1998, ( Rutgers, كذلك أدى الشعور بالأفتتنان الذي ظهر مؤخراً من أكاديميين من حقول معرفية أخرى خاصة علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع والقانون والرياضيات وعلم النفس بكل فروعه جذبهم بقوة الى الدخول الى حقل الإدارة العامة , مما قاد علماء الحقل أنفسهم الى الحديث أن الحقل ما زال يراوح محله منذ خمسينات القرن الماضي على وجه التحديد (Brillantes and Fernandez,2013), أن من أهم المفاهيم التي بلورت أزمة الهوية في حقل الإدارة العامة هي أولا استمرار جدلية الإدارة هل هي علم فن أم مهنة وازديادها تعقيدا مع تشعب الحقل , إضافة الى اختلاف النظرة للحقل نفسه بين الممارسين والأكاديميين والذي خلق نوعا من الصراع الفكري بينهما ,وأيضاً طبيعة المواضيع التي تدرس في الحقل والتخصصات المتداخلة فيه والمتفرعة منه لفهم كيفية ادارة الحكومة واستيعاب كافة المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. Raadachelders, 2011)),
أزمة الهوية في حقل الإدارة العامة تتجلى في التأثير الكبير والمبالغ فيه أحيانا لنظريات الإدارة العامة الأمريكية ومفاهيمها وعدم مناسبتها أحياناً للمحتوى الثقافي والاجتماعي والسياسي لبعض المجتمعات والحكومات مما دفع بالكثير من العلماء الى محاولة خلق أدبيات أدارة عامة خاصة بكل مجتمع ودولة وتناسب أهدافها وتحقق سياساتها المعلنة مما خلق كماً هائلاً من النظريات والمناهج ووجهات النظر والأفكار المتعارضة أحياناً والمتطابقة في البعض الآخر. (Brillantes and Fernandez,2013), ففي السنوات الأخيرة شهدت العديد من المدارس الخاصة بالإدارة العامة زيادة مطردة تدعو لعولمة الإدارة العامة في المناهج الدراسية. على الرغم من أن الهدف الأساسي من المناهج الخاصة بتدريس الإدارة العامة في الولايات المتحدة هو التركيز على الممارسات المحلية فقط إلا انه ألتحق بها العديد من الطلاب من دول مختلفة بتلك الكليات. هذا الالتحاق للطلاب غير الامريكيين ادى إلى بروز اتجاه مفاده ان المنهج لا يخدم هؤلاء الطلاب لأنها بنيت على نموذج خاص بالولايات المتحدة الأمر الذى لا يخدم احتياجاتهم بما فيه الكفاية بسبب ان الممارسات في الولايات المتحدة قد لا تنطبق على مجتمعاتهم لاختلاف البيئات. تعرض طلاب الولايات المتحدة منذ وقت مبكر نتيجة للدور الريادى للولايات المتحدة الى تجارب دولية الأمر الذى كان له الاثر الفعال فى نمو وتطور شخصياتهم على الصعيد الشخصي و الوظيفي والمهنى,ان التعليم فى الإدارة العامة من منظور عالمي أدى الى تعميق فهمهم للإدارة العامة الأميركية ، ورفع وعيهم بالقضايا العالمية، وتعزيز قدراتهم في تحليل وإدارة مشكلات السياسة العامة. الحاجة الماسة لتلبية الاحتياجات التعليمية دعت العديد من الباحثين فى المناهج الدراسية الخاصة الإدارة العامة لضرورة تصميم مناهج دراسية ذات منظور عالمي يرتكز على نماذج ومفاهيم وأمثلة دولية مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الثقافية والاجتماعية الخاصة بكل دولة (Hou et al, 2011).
كذلك كان الفرق الواضح بين نظريات الإدارة العامة التي تدرس في الجامعات والواقع الحقيقي في البيئة الخارجية والذي طرح تساؤلات مهمة حول علاقة نظريات الحقل بتحديات البيئة الواقعية للممارسة مما دعا المهتمين الى سد تلك الفجوة بين النظريات والممارسة عن طريق التشاور المستمر والتكامل فالنظرية بدون ممارسة تكون حبيسة برج عاجي والممارسة بدون أساس نظري تكون ضرباً من التخبط والعشوائية , لذا فقد شدد المهتمين بضرورة وجود رابط قوي وصحيح بين النظرية والممارسة ووضح الكاتب أن أزمة الهوية تتضح في تدريس الإدارة العامة الذي يجب أن يكون أكثر ارتكازا على أرضية معرفية صلبة وأكثر واقعية وأقل نظرياً وأكثر تطبيقياً, وكل ذلك يطرح تساؤلاً قوياً عن أي فرع معرفي سوف يحقق للإدارة العامة كل هذه المتطلبات الملحة والتي يفرضها الواقع بقوة . (Brillantes and Fernandez,2013) , أن أزمة تحديد هوية للإدارة العامة تكمن بين اختلاف وجهات النظر في ( علم , فن , مهنة) , نظرية الإدارة العامة يمكن تصنيفها في مجموعات تضم ثلاث محاور هي المحور الهيكلي والمنطقي والمحور الخدمي وقد كانت كل مساعي الأكاديميين هي في وضع نظرية للإدارة العامة في أطار ( علم , فن . مهنة) أو تصنيف النظرية ضمن فرع محدد من المعرفة ( العلوم الطبيعية , العلوم الاجتماعية , الإنسانيات ) Raadachelders, 2005)).
أيضاً استمرار الشعور بالإحباط بسبب إدراك أنه بالرغم من الإصلاحات العديدة للمنظمات الحكومية فأنها ما زالت تعاني من العديد من المشكلات المعقدة التي تؤثر في أدائها وتحقيق أهدافها, وهذا يعد أحد أسباب أزمة الهوية في الإدارة العامة الذي يكمن في إدراك أن للحقل تأثيراً ضئيلاً تجاه الجهود الرامية الى الإتيان بهياكل وإجراءات وسلوك إداري أكثر استجابة للمجتمع في البيروقراطيات الحكومية , فخلال السنوات الماضية كان يتوقع من تدريس الإدارة العامة أن يدعم برامج الخدمة العامة وتداخلاتها المتعددة والمتنوعة وهذا لم يساعد فقط في صياغة وتصميم سياسات وإجراءات وهياكل مناسبة بل وساعد أيضاً في تغيير عقلية وأخلاقيات الموظفين العموميين , مثال لذلك أنه ومن أجل محاربة الفساد في المنظمات قامت العديد من مدارس الإدارة العامة لدعم جهود الخدمة المدنية في ذلك بتطوير مناهج تتضمن تنمية القدرات وبرامج تدريبية في الأخلاقيات والمسائلة والشفافية ومحاربة الفساد في نظام الخدمة العامة , والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تسهم هذه الجهود الجبارة في محاربة الفساد في بيئة العمل الواقعية في المنظمات , وهنا يكمن تأثير أزمة الهوية فالمعرفة التراكمية الخاصة بإدارة الحكومة قد تبعثرت في العديد من التخصصات الفرعية والمدارس والمناهج المتنوعة مما حدا من تشكيل تصور كامل ووافي لكل المشكلات المعقدة والمتشابكة التي تواجه المنظمات العامة. (Brillantes and Fernandez,2013).
أيضاً أشار ( vidoga , 2003 ) أنه في العقود الأخيرة استمر الصراع الخاص بتحديد هوية و طبيعة الإدارة وقد استمر هذا الصراع منذ عقود مضت الى يومنا هذا فى حالة جدلية تدور حول “الإدارة”، و”العامة”، من خلال تسائل البعض هل يمكن دمجهما لإنتاج مفهوم تكاملى مفيد بين الكلمتين يعبر عن الحقل. ولكن هذا التساؤل اصطدم بعدة وقائع وإن كانت معظم الاطراف تؤمن بضرورة التوافق على إيجاد هذا المفهوم التكاملي. الادارة العامة تحتاج الى بيروقراطية فعالة وأكثر مرونة تعمل بكفاءة عالية تمكنها من تحقيق الاهداف بسرعة مع سرعة الاستجابة لمتطلبات الناس واضعة فى الحسبان الاختلاف فى الاوضاع الاجتماعية، المسئولية والقيم الاخلاقية وهذا ما أنتج أزمة هوية فكرية لحقل الإدارة العامة من أجل تلبية كل هذه لمتطلبات . وقد واجهت الإدارة العامة نوعا من تجدداً في أزمة الهوية في السنوات الخمس الماضية , فقد كان للأزمة المالية العالمية تأثير عميق على إعادة التفكير المسؤولين و الأكاديميين على حد سواء فيما يمكن وما ينبغي أن تكون عليه دراسة وممارسة الإدارة العامة . ومع ذلك، هناك بعض التساؤلات عن مدى تحقيق بعض التغييرات في الواقع ، وما إذا كانت تمثل في الواقع شيئا جديدا أو مجرد أعادة تصور من الأفكار الموجودة مسبقا . البيانات والخبرات في مختلف البلدان الأوروبية لا تساعد على الإجابة على مثل هذا التساؤلات بينما دول مثل المملكة المتحدة قد نفذت إصلاحات كبيرة وهامة في قطاعها العام بعد الأزمة المالية، والقطاع العام لا يزال يلعب دورا هاما في البلدان دون استثناء . وقد نتج عن التعامل مع هذه القضايا مزيداً من التفكير و التأمل في حقل الإدارة العامة ، بين الأكاديميين والممارسين في دراسة الآثار العملية والنظرية للتعامل مع هذه القضايا مستقبلاً . وقد وجدت هذه التكهنات حول مستقبل الإدارة العامة في الحقل على الأقل منذ خمسينات القرن الماضي مما خلق مزيداً من التحديات للحقل . (curry, 2014) إن الجدلية الفكرية المزمنة المحيطة بهوية الإدارة العامة والتي وصفت في مراحل سابقة بأزمة هوية أو الأزمة الفكرية قد جعلت الإدارة العامة تشهد بشقيها المتكاملين الأكاديمي والمهني تحولات فكرية وهيكلية وسلوكية في العقود الأخيرة خاصة منذ بداية الألفية الجديدة حيث فتحت هذه التحولات مجدداً باب الجدلية الفكرية على مصرعيه بهدف أعادة صياغة وتشكيل الهوية الجديدة الناشئة لحقل الإدارة العامة أن كان ذلك ممكناً في ظل العالم الرقمي وظواهر العولمة والتخصصية وجملة المتغيرات السياسية والإدارية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية المتسارعة , وقد حظي موضوع أزمة الهوية باهتمام واسع لدى الأكاديميين وراسمي السياسات العامة وخلصت العديد من النقاشات الى ضرورة أعادة النظر في هوية الإدارة العامة كحقل أكاديمي وكمهنة رغم وجود اختلافات جوهرية واضحة حول كيفية عمل ذلك. ( العوالمة , 2005) أن حقل الإدارة العامة تميز الآن باستمرارية فقدانه لهوية واضحة ومحددة الى حد ما (Brillantes and Fernandez,2013) و تصورنا لنظرية موحدة لحقل الإدارة العامة يجب أن يبنى على أساس أدراك أنه لا يمكن لحقل الإدارة العامة ان يكون فرعا معرفيا متكاملاً. (Rutgers, 2010), والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو وهل دراسة الإدارة العامة الآن أبعد ما تكون من أن تقترب الى الوصول الى نظرية ختامية لأزمة الهوية في الحقل أم من الممكن الوصول الى مثل هذه النظرية في القريب العاجل؟ واذا كان ممكناً التوصل الى تلك النظرية فكيف سيكون شكلها ومضامينها ؟ وإذا لم يكن ذلك ممكناً كيف يمكن أن يتطور حقل الإدارة العامة وهو يعاني من أزمة هوية ؟
هل يمكن الوصول الى نظرية ختامية للإدارة العامة تنهي أزمة الهوية في الحقل :
أن الإجابة على سؤال عن اختلاف طبيعة أصل كل من ( علم , فن , مهنة ) في دراسة الإدارة العامة في يومنا هذا وكيف يؤثر على طبيعة نظرية الإدارة العامة, أن ( علم ومهنة ) يمكن أن نجدهما في العديد من التخصصات بينما دراسة الإدارة العامة عبارة عن تركيبة من العديد من النظريات والمفاهيم عن الحكومة وتستخدم بنجاح من قبل علماء الإدارة العامة, لا يجب أن نغفل أن محدودية المعرفة لا توضع في الاعتبار في التخصصات الأخرى عند تطبيقها في العالم الواقعي, وللإجابة على تساؤل ما إذا كان تحديد نظرية للإدارة العامة قد يساعد في تحديد نظرية عن الحكومة الجواب أنه لا توجد إلى الآن نظرية عن الحكومة ومثل هذه النظرية أن وجدت فما زالت بعيدة عن التطبيق بسبب قناعة قوية عن أن الإدارة العامة هي ( علم , فن , مهنة) بالرغم من أمكانية تكوين نظرية عن الحكومة عندما نضع في الاعتبار كيف أن المعرفة يمكن أن تتولد وتتشكل عن طريق علم الإدارة ومهنة الإدارة وفن الحكم وكيف يمكن أن يكملوا بعضهم البعض Raadachelders, 2011) ). أن نظرية الإدارة العامة تختلف مع وجهة نظر (الإدارة هي علم وفن ومهنة ) لأن اختلاف أصل كل من ( علم , فن , مهنة ) في دراسة الإدارة العامة في عصرنا هذا يطرح سؤال عن ماهية وطبيعة ونظرية الإدارة العامة , وهل إذا كانت هناك نظرية للإدارة العامة قد تم تحديدها افتراضا فهل ستساعد في تكوين نظرية عن الحكومة Raadachelders, 1999) ) . ايضا فأن تحديد نظرية للإدارة العامة يتفاوت فيما يجب أن تركز فيه هذه النظرية هل هي نظرية عن الحكومة في المجتمع ؟ أم نظرية عن المواطنين والحكومة ؟ أم نظرية عن التنظيم الداخلي والوظيفي أم هي نظرية عن الهيكلة والعمليات الإدارية ؟ Raadachelders, 2011) , وقد طرحت في الآونة الأخيرة وفي ظل مستجدات العولمة والعالم الرقمي والإلكتروني تساؤلات عديدة أهمها : هل هناك جدوى من دراسة الإدارة العامة كحقل علمي؟ وهل يجب إلغاء تخصص الإدارة العامة من البرامج الأكاديمية للجامعات أم يجب تعديل خطط وبرامج الإدارة العامة لتلائم المستجدات؟ وهل يجب اقتصار البرامج الأكاديمية للإدارة العامة على مستوى الدراسات العليا فقط؟ وما هي الخصائص المميزة التي تميز الإدارة العامة في الحاضر والمستقبل؟ وماهو دور أجهزة الإدارة العامة في العالم الرقمي المتغير ؟ وماهي حقيقة العلاقة بين حقلي الإدارة العامة وإدارة الأعمال وهل يمكن أن تحل أحدهما محل الأخرى؟ ( العوالمة, 2005) ), ويواجه الحقل العديد من المتطلبات والمشاكل المعقدة التي لا يمكن حلها بمنهج أحادي ويتميز حقل الإدارة العامة الآن بالشمولية والواقعية وتعددية التخصصات وهذا يفسر من خلال النظريات والمناهج وأسئلة البحوث ومن المهم التأكيد على أن تعددية التخصصات تعود الى العمليات والإجراءات مثلها مثل المواضيع والمشاكل مركز الاهتمام (Zalmanovitch ,2014, Brillantes and Fernandez, 2013).
تعددية وتداخلية التخصصات (Interdisciplinary study) كطبيعة مميزة وفريدة لحقل الإدارة العامة :
أن رؤية تعددية التخصصات تسعى لتقديم رؤية ثاقبة الى التعقيد في حقل الإدارة العامة المترافق مع مختلف مستويات التحليل الى تكاملها ككل وهذا ما أتق عليه في أرض الواقع , هذه المعرفة تستخدم فهمنا لكيفية ادارة الحكومة بكل فروعها والعقبات التي تواجه تقديم أداء حكومي أفضل , أن المهمة الأساسية هي في توضيح مبادئ تقاطع التخصصات لكفاءة وفعالية أكبر في الإدارة العامة للأجيال القادمة مع ازدياد التأثير البيئي في النمو وازدياد أعداد المواطنين ومتطلباتهم واحتياجاتهم . أن منهج تعددية التخصصات في الإدارة العامة قد يكون مثار جدل في الحقل إذا وضعنا في الاعتبار التغييرات السريعة التي قد تطرأ على الحقل , وهذا قد يكون حافزاً لتفكير جديد قابلاً للتطبيق قد يقود الى أبتكارات جديدة في البيروقراطيات القديمة . ( vidoga , 2002 ) , أضافت تعددية التخصصات العديد الى حقل دراسة الإدارة العامة فتفسير أي ظاهرة مثلا يعطي فهم أشمل وأوضح لها من أن يتم من خلال علم محدد والبعض ذهب الى أن هذه التعددية أثبتت أنها جديرة عندما تأتي بحلول للمشاكل في العالم الواقعي وتؤدي الى إجراءات فعالة أو تؤدي الى تنبأ أفضل للمشاكل الاجتماعية. Raadachelders, 1999, Hall, 2015)) واجهت العولمة تحديا غير مسبوق للنظرية والممارسة في الإدارة العامة حيث ان قضايا السياسات العامة الرئيسية الوطنية لا يمكن حلها إلا من خلال تعاونى دولى حتى القضايا المحلية يمكن تحليلها وعلاج مسبباتها اذا تم تشخيصا بمنظور دولى. لوضع منظور دقيق يمكن من خلاله فهم نظرية الادارة العامة نحتاج الى دراسة ظاهرة الانقسامات التى تحدث على المستوى الوطنى وعلى مستوى المكونات السكانية متعددة الاعراق لمعرفة التفسير المنطقى العلمى لها حتى نتمكن من معالجتها. للتأكد من علاقة الإدارة العامة بالممارسة، يجب التواصل مجتمعات الإدارة العامة على المستوى الاكاديمى والمستوى الابتكاري على الصعيد الدولى لخلق منصة تعاونية يمكن من خلالها نشر افضل النتائج (Hou et al, 2011).
كما يتوقع أن تقوم الإدارة العامة القائمة في دراستها على تعددية التخصصات على تنمية وتقوية مهارات الإداريين ،التى تمكنهم من تقديم خدمات ذات جودة عالية ينتج عنها أفضل السلع العامة والتى يمكن تسليمها إلى جميع قطاعات المجتمع في وقت وجيز بأقل الاسعار . وهذه الأهداف بلا شك طموحة ولديها القدرة على حماية تماسك وتناسق وتكامل المجتمعات الديمقراطية وهذا المنطلق الفكري يعتبر النموذج الامثل لنظم الادارة العامة ويمكن تطبيقه فى العصر الحالى.اذن من الواضح أن الإدارة العامة في عصرنا تتمتع بسلطة كبيرة ونفوذ قوى يتحكم في صياغة ، وصنع ، وتنفيذ السياسات. نتيجة لذلك تتعرض وتخضع لضغوط متزايدة من الجماعات السياسيين، والكيانات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية. على الرغم من التشابهات الأساسية، في عصرنا الحالى تختلف الإدارة العامة بصورة واضحة عن الخدمات العامة في الماضى و يمكن تلخيص هذه الاختلافات في النقاط الرئيسية التالية: اصبحت أكبر من أي وقت مضى، وأنها لا تزال فى حالة اتساع, اصبحت أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الماضي، وأصبحت تتزايد يوم بعد يوم, لديها العديد من المسؤوليات تجاه المواطنين ولا تزال تعمل بصورة حثيثة لتلبية الزيادة المطردة لمطالب المواطنين , تعمل على الحصول على مزيد من التوافقات، ولكن يتوجب على ذلك كبح جماح عملها من خلال الالتزام بمعايير الإنصاف والعدالة، العدالة الاجتماعية والشفافية والمساءلة , الإدارة العامة المعاصرة تعتبر من العلوم الاجتماعية، هذا التصنيف يضع عليها التزامات وقيود حازمة صارمة, كما أن من الأفراد قررو أن يصبحو موظفي قطاع عام من خلالها ايضا عملو على تكريس حياتهم العملية والمهنية بصورة احترافية , وأخيراً تعتبر الإدارة العامة هي واحدة من المؤسسات القوية ذات النفوذ فى الديمقراطيات الحديثة. ( vidoga , 2003 ) , أن تحديد هوية لحقل الادارة العامة من خلال دراسة الطرق والمناهج المتعددة والمتنوعة ذات الطبيعة السياسية والاجتماعية والإدارية والاتفاق حول الهوية الذاتية للحقل هو مطلب اساسى قبل العلماء والممارسين, ويقال إن بعض الاسس والتعاليم تحتاج الى ثقافة ادارية وقيم ديمقراطية يتم من خلالها اكتشاف المستويات العليا لنظرية التركيب الاجتماعية والتى بدورها تؤدى للتكامل المنشود للعمل الحكومي الفعال والأمثل. ( vidoga , 2002 ) , أضاف (Hou et al, 2011) أنه يجب اعتبار الادارة العامة مجال تطبيق متعدد التخصصات، لذلك يجب تطوير نظريات مفيدة لكل من العلماء والممارسين من أجل البقاء على صلة وتوافق بين هذه التخصصات. المشاكل العامة المعقدة تتزايد بصورة مستقلة مطردة عبر الحدود الوطنية. لم تعد الادارة العامة الامريكية التقلدية ملائمة وغير قابلة للمقارنة. فى مؤتمر مينوبروك والذى يمثل منتدى علمى للمهتمين بالإدارة العامة، تمت الدعوة للنظر اليها من منظور عالمى لتحسين مفهوم الإدارة العامة لتعزيز بناء المعرفة ومعالجة القضايا العملية لتصبح اكثر ملائمة. شدد المؤتمر على ضرورة بناء جسر يربط الخصوصية مع الشمولية فى اطار ثقافى، عرقى وسياسى للوصول الى تفسير منطقى للآثار العملية على نحو اوسع يعمل على خدمة المجتمع الدولى. كانت اهم اهداف المؤتمر هى الخروج بنتائج تحقق مستوى قبول لنظرية المطروحة يلتف حولها المجتمعين بأطيافهم ومدارسهم الفكرية المختلفة. أضاف (العوالمة , 2005) بأن إذا كان من الممكن الوصول الى هوية جديدة موحدة لحقل الإدارة العامة يجب أن تتضمن تغييرات ملموسة في جانبيها المتكاملين وهما الحقل الإكاديمي والأجهزة الحكومية التي ثمثل الوجه التطبيقي للإدارة العامة , حيث تستوجب جملة المستجدات البيئية إعادة نظرة شاملة وقائمة على التحليل البيئي لإستراتيجيات وبرامج التعليم والتدريب جنباً الى جنب وإعادة هيكلة مؤسسية وتشريعية وبشرية في مجال الإدارة العامة , أي أن هذه المستجدات تتطلب مراجعة تحليلية شاملة لكافة جوانب حقل الإدارة العامة وإعادة هيكلة للقطاع العام ورسم حدوده الوظيفية وتحديد علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني في مختلف المجالات.
خاتمة :
أن أزمة الهوية كانت بمثابة الموضوع الذي قاد إلى تطور الإدارة العامة منذ خمسينات القرن الماضي (Brillantes and Fernandez,2013), لذا فالبعض يعتقد أنه يجب التركيز في حقل الإدارة العامة على المرجعية الأخلاقية في خدمة المواطنين وتصريف الشؤون العامة بدل من التركيز على ضعف المرجعية العلمية الموحدة لدراستها. Raadachelders, 2011)), العديد من المشكلات الاجتماعية ما زالت في انتظار اهتمام الدولة ونظامها الإداري والسؤال عن استقلالية الإدارة العامة كعلم يبدو أقل أهمية مما مضى وبدلا من ذلك هناك العديد من الدعوات من أجل الاستفادة من الاتجاه نحو تعددية التخصصات في العلوم الاجتماعية وإيجاد أفضل طريقة لدمجهم في روح الإدارة العامة. أيضا تم اقتراح فكرة استخدام أفكار وأدوات ومناهج تداخلية التخصصات التي يمكن أن تساعد في تجاوز المشكلات الاجتماعية واستحداث حلول فعالة للأنماط الجديدة من المشكلات التي تواجه الحكومة, أيضا تداخلية التخصصات تضمن انتقال المعرفة والمعلومات عن طريق المشاركة والتعاون والتنسيق بين مختلف التخصصات , أن تعددية المستويات وتعددية المناهج وتعددية الأنظمة مع نظرة ثاقبة للمستقبل هي أفضل ما قد تصل أليه الإدارة العامة المعاصرة . ( vidoga , 2003 ), في المجتمعات الحديثة قد تكون طريقة دراسة الإدارة العامة على أساس أن الحقل مظلة للعديد من العلوم ويمتاز بتعددية وتداخلية التخصصات معلما بارزا يمكن من خلاله ايجاد ارضية مشتركة تؤدى الى تحسين الشراكة والتعاون بين القادة والإداريين والمواطنين. هنا يكمن التحدي الرئيسي للإدارة العامة في السنوات القادمة: اختراع جيل إداري حيوى متعدد التخصصات محكوم بنظم وقوانين مستمدة من روح العدالة والقانون والأخلاق وخدمة العامة والديمقراطية الحديثة. ( vidoga , 2002 ) , تحتاج الإدارة العامة إلى جهود أكاديمية جادة تنطلق من تفكير وتحليل وتخطيط إستراتيجي شامل يمكن من الانتقال بها إلى آفاق مستقبلية تعزز قدرتها على الاستمرارية والبقاء وتعطيها دورها الوظيفي المتميز والمتكامل مع الحقول والقطاعات الأخرى وتوجه الإدارة العامة نشاطاتها المتكاملة في البحث والتدريس واستخدام الإمكانيات المسانده لها لتحقيق أهدافها المعرفية والأكاديمية والتطبيقية (العوالمة , 2005).

الهوامش: 
العوالمة , نائل عبد الحافظ , ( 2005) , هوية الإدارة العامة في القرن الجديد : دراسة إستطلاعية , مجلة جامعة الملك سعود, مجلد 17, العلوم الإدارية , العدد الثاني , ص ص 149- 185.

Brillantes JA, Alex B. & Maricel T. Fernandez, (2013), Theory and Practice of Public Administration in the Philippines: Concerns for an Identity Crisis, Asian Journal of Political Science, volume 21, issue 1, pages 80-101.
Curry, Dion, (2014), trends of the future of public sector reform: a critical review of future looking research in public administration, COCOPS project (Coordinating for Cohesion in the Public Sector of the Future), European Union.
Hall, Michael, (2015), Knowledge transfer and teaching public administration: the academy model, journal of teaching public administration, pages 1-14.
Haque, Shamsul, (1996), the Intellectual Crisis in Public Administration in the Current Epoch of Privatization ,Journal of administration and society, volume 27, pages 510-536.
Henry, Nicholas,(1975), Paradigms of public administration, Journal of public administration review, volume 35, issue 4, pages 378-386.
Hou, Yilin, Anna Ya Ni, Ora-orn Poocharoen, Kaifeng Yang, Zhirong J. Zhao, (2011), MINNOWBROOK III: A SPECIAL ISSUE, The Case for Public Administration with a Global Perspective, Oxford University Press on behalf of the Journal of Public Administration Research and Theory, volume 21, issue 1, pages i45-i51.
Raadschelders, Jos C. N., (1999), A coherent framework of the study of public administration, journal of public administration research and theory, volume 9, issue 2, pages 281-303.
Raadschelders, Jos C. N. (2005), government and public administration challenge and need to connecting Knowledge, journal of administrative theory and Praxis, volume 27, issue 4, page 602-627.
Raadschelders, Jos C. N., (2010), Identity without Boundaries: Public Administration’s Canon(s) of Integration, journal of administration and society, volume 42, issue 2, pages 131-159.
Raadschelders, Jos C. N., (2011), Public administration: the interdisciplinary study of government, Oxford university press.
Rutgers, Mark R., ( 1998), Paradigm lost, crisis as identity in study of Public administration , international journal of review of administration, volume 46, pages 553-564.
Rutgers, Mark R., ( 2010), Theory and Scope of Public Administration: An Introduction to the Study’s Epistemology, The Foundations of Public Administration Series, University of Amsterdam.
Uwizeyimana, Dominique E, Kealeboga J Maphunye, (2014), the changing global Public administration and its theories and practices implication for Africa, Journal of public administration and policy research, volume 6, issue 4, pages 90-101.
Vigoda, Eran, (2002), Public administration an interdisciplinary critical analysis, Marcel Dekker, Inc . New York.
Vigoda, Eran, (2003), Rethinking the identity of public administration: interdisciplinary reflections and thoughts managerial reconstruction, an interactive journal of public administration and management, volume 8, issue 1, pages 1-22.
Zalmanovitch, Yair,(2014), Don’t reinvent the wheel: the search for an identity for public administration, International Review of Administrative Sciences, volume 0, issue o , pages 1-19.

اترك ردا