دعوة للتفاؤل والنظر … حسن محمد أحمد محمد

د. حسن محمد أحمد محمد: أستاذ مساعد (غير متفرغ) بقسم علم النفس – كلية الآداب – جامعة أم درمان الإسلامية

لا تمضي الحياة بنا على وتيرة واحدة أو قل على نمط روتيني محدد , ولكنها تتراوح بين الحزن والفرح أو بين التعاسة والسعادة ، فحياتنا التي نعيشها متغلبة وغير ثابتة والسبب في ذلك أن حياة كل فرد منا مليئة بالخبرات والتجارب المتنوعة والمختلفة ، وهذه الخبرات والتجارب هي الباعث بل والدافع الحقيقي في توجيه انفعالاتنا الوجدانية تجاه الموقف المثير للانفعال ، فنحن نشعر بالحب حيناً وبالكره أحياناً أخرى كما يتقمصنا الخوف والقلق والتوتر في بعض الأوقات ، وفي أوقات أخر تسود حياتنا الطمأنينة ويملأ نفوسنا الأمان ،… وهكذا تمضي بنا مسيرة الحياة التي لا تتوقف من أجل فرد أو حتى جماعة من الأقوام ؛ فمسيرة الفرد مزيج من الفرح والسرور من جانب والحزن والكآبة من جانب آخر . ومن المعروف والمسلم به أن الإنسان قد عانى من الآلام ـ سواء أكانت عضوية أو معنوية ـ منذ أن وجد على هذه البسيطة.
سأقصر حديثي هنا عن الآلام والمعاناة والفوائد التي تعود على الفرد منها. وكأني قد رأيت عينيك وهما تكادان تخرجان من محجريهما دهشة وقرأت علامات الاستفهام التي ملأت رأسك ـ أيها القارئ الكريم ـ وأنت تتساءل : هل للآلام التي تعاني منها من فائدة ؟ وأيُّ فائدة في الألم غير العذاب والمعاناة ؟ … وغير تلك من الأسئلة التي يكاد لسان حالك ينطق بها وهي تدور في مخيلتك في هذه اللحظة . ولا أحسبك ـ أيها القارئ العزيز ـ إلا وقد مررت بالكثير من الآلام ـ العضوية والمعنوية ـ في حياتك وقد نظرت إلى الجانب السلبي والمظلم منها ، ولم تنتبه أو تلتفت إلى ذلك الجانب المشرق منها . فلا عجب بل معك الكثير ـ ولا أقول كل ـ من الحق فأنت مثل الكثيرين في هذه الحياة ، وقديماً قالت العرب : (من شابه أباه فما ظلم ) أما نحن اليوم فنقول : من شابه أباه فقد ظلم نفسه ظلماً شنيعاً . وهذا باب واسع لا نريد الخوض فيه ، فلدينا ما يشغلنا الآن ولعلنا نعرض لهذا الأمر في وقت آخر . ولنعد الآن إلى ما كنا فيه من ذكر فوائد الألم والتي سأحصي لك العديد منها في هذا المقال.
هناك الكثير من المآسي التي تتسبب لنا في خلق الكثير من المتاعب والآلام ، بشقيها البدني والمعنوي ، ولكن علينا أن لا نتوقف عند حد الشعور بالألم بل علينا أن نتعداه ونتجاوزه إلى تلك الفوائد الجمة التي تهل علينا منه .
ـ أولاً : الآلام تذكرنا بالله تعالى ألم يقل الله تعالى ـ في كتابه العزيز ـ (وإذا مس الناس ضُّرُّ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ) الروم :33 . كذلك قال ـ عزّ من قائل ـ : ( وإذا مسَّ الإنسان ضرٌّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضرُّه مرَّ كأن لم يدعنا إلى ضُرٍّ مسه …) يونس : 12، وقال ـ جلَّ وعلا ـ : (وإذا مسَّ الإنسان ضُرٌّ دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل …) الزمر: 8 ، ولننظر في قوله ـ تبارك وتعالى ـ : (وإذا مسَّ الإنسان ضُرٌّ دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الزمر: 49. فوالله لو لم تكن للألم فائدة غير هذه لكان حري بالإنسان أن لا يتأفف ولا يتضجر منه وكفى.
ـ ثانياً : الآلام تعلم الإنسان الصبر على المصائب والمحن وتعوده على تحمل الشدائد ومواجهة الصعاب ، والصبر يورث الإنسان الثواب وخير الجزاء من الله تعالى في الدنيا والآخرة ، يقول رب العزة ـ تبارك وتعالى ـ : ( فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل …) الأحقاف : 35.
ـ ثالثاً : الألم يدفع الإنسان نحو البحث عن العلاج الناجح والدواء الناجع الذي يعينه على تسكين آلامه التي يعانيها ، وفي هذا البحث أعظم الفوائد التي تدفع بالعلوم والمعارف المختلفة إلى التقدم مما عاد على البشرية بمنافع لا تقدر بثمن ، إذن فلو لا الألم لما تقدمت كل تلك العارف والعلوم في حياتنا اليوم. جزى الله أولئك العلماء الذين يسهرون الليالي وهم يتعبون عيونهم بالنظر في سطور وصفحات الكتب في المكتبات ويقفون في المعامل ويفنون زهرة شبابهم من أجل أن يفيدونا بعلمهم الغزير وليجعلوا لنا الحياة سهلة ممهدة حتى يسعد أولئك الذين يغطون في النوم العميق . وفي ذلك يقول الشاعر ـ ولعله المتنبئ ـ :
ذو العقل يشقى في الحياة بعقله * وأخو الغباوة في الجهالة ينعم
ـ رابعاً : عند ما تصيب الإنسان منا المصائب والمحن فهو دائماً ما يجد من يقف بجانبه ويواسيه في مصيبته من الأقارب والخلان بل ومن جميع معارفه ؛ مما يخفف ويقلل الكثير من الألم الذي يعانيه الفرد ويدفعه للتماسك والتجلد أمام تلك الكارثة فلا يشعر باليأس ولا ينهار ، فيستأنف مسيرة حياته من جديد وهو يقول قدر الله وما شاء الله فعل .
ـ خامساً : تعمل الآلام ـ لاسيما العضوية منها ـ على تنبيه الفرد إلى أن هناك بعض المتاعب التي ستظهر في حياته فالألم هنا هو بمثابة إنذار مبكر للفرد ليتدارك الخطر الذي يوشك أن يقع فيه . فالإرهاق البدني يساعد المرض على الانتشار في الجسم والتمكن منه ، والصداع هو مقدمة أو عرض لأحد الاضطرابات الجسدية ، كذلك التوتر أو القلق النفسي يضعفان من القدرات العقلية لدى الفرد ؛ مما يجعله بطئ الحركة والفهم لما يجري حوله من مثيرات .
ـ سادساً : الآلام لا تنتهي فوائدها ولكننا سنختم حديثنا هذا بفائدة كبرى تعود على الفرد من الألم ـ إن هو نظر إليه نظرة إيجابية من جانبه المضيئ وليس المظلم ـ حيث تتجلى في الآلام قدرات الفرد أو الجماعة سواء أكانت عقلية أو بدنية ، فكم من محنة صنعت لنا بطلاً لا يشق له غبار فالحروب تعد لنا الكماة من القادة الحربيين , والأمراض تصنع لنا العلماء من الصيادلة والأطباء وكل من يعمل في مجال مكافحة الأوبئة التي تفتك بالبشرية … ، ولن تستطيع الإنسانية جمعاء أن تنسى ذلك الدور الذي قام به الطبيب الألماني المعروف (د/جون هنتر) حينما عمل على تجربة مصل الجدري في ابنه الذي لم يتجاوز عمره العامين ، فقضى على مرض الجدري إلى الأبد ـ إن شاء الله ـ فهل هناك أعظم من تلك البطولة التي قام بها ذلكم العالم الذي خدم العلم والمعرفة فاستفادت البشرية جميها من تجربته تلك . ولو لا الآلام لما كان هناك علماء مفكرون يساعدوننا في القضاء على كل ما تشعر به من أسى .
جزى الله الشدائد عني كل خير * فقد أرتني غثي من ثميني
فهذه دعوة للتفاؤل وتحدي الآلام والمحن حتى نتأسى بقول الشاعر :
لا أعرف الشكوى الذليلة والبكا * وضراعة الأطفال والضعفاء
ولا ألمح الظل الكئيب ولا أرى * ما في غرار الهوة السوداء
وحتى لا نكون مثل ذلك المتشائم الذي :
يرى الشوك في الورود ويعمى * أن يرى فوقها الندى إكليلا




رأي واحد حول “دعوة للتفاؤل والنظر … حسن محمد أحمد محمد”

  1. رائع المقال يا دكتور حسن
    ما شاء الله عليك
    كتبتَه بمدادٍ وردي يشيع في النفوس الأنس بالأمل والبهجة بالتفاؤل
    وتجاوزت منهجية الوعظ الرومنسي إلى التدليل العملي لتثبيت الفكرة
    مع عدم الإخلال بالأسلوب الرشيق والصياغة الأدبية الراقية
    فجزاك الله خير الجزاء
    ملحوظة طفيفة، جرى بها لسان بعض أشقائنا في السودان والصومال وبعض دول الخليج وهي إقلاب القاف غينًا؛ وقد ورد في السطر الثاني من مقالك كلمة متغلبة، وفهمنا من السياق أن المقصود “متقلبة”، شكرًا جزيلاً.

اترك ردا