نحن والتراث … إبراهيم بلفقيه اليوسفي

إبراهيم بلفقيه اليوسفي: باحث ماجستير لسانيات النص وتحليل الخطاب – المغرب

مهما بلغ عالم من العلم أو باحث من الفكر فإنه لا يستطيع إنكار ما للتراث من تأثير على حضارة أمة من الأمم اليوم، فلكل أمة تراث تفخَر به وتعُده بوابتها لمعرفة مآثر أسلافها وأمجادِ أجدادها، على أن هذا لا ينفي وجودَ أشياءَ في هذا التراث تُغَرِّد خارج سرب التحضر وتَغْرَق في الجهالة والتخلف، سواء في ذلك الحروب التي كانت لتحقيق نزوات حاكم من الحكام أو قائد من القواد، وبهذا نكون قد نفينا ما يدور حول الحضارة الإسلامية من شائعة ظاهرُها المدح وباطنُها التخريب، وهي أن تاريخ المسلمين لا مثالبَ فيه ولا معايبَ، بمعنى آخر هو تاريخ مثالي، وهذه دعوى القصد منها ذم هذا التاريخ وهدمه، إذ لا عصمة لأي مخلوق على الأرض سوى الأنبياء.
إن التراث العربي الإسلامي صار اليوم سيفا ذا حدين، إما أن يعمل المسلمون على نفض الغبار عنه واستحضارِه في قاعات الدرس وأطروحات الدكتوراه، وإما أن نتركه حتى لا تبقى منه ورقة على هذه البسيطة، منذ قرون لم يُخَرِّج العرب نظرية يفخرون بها أو علما يعتزون بإبداعه واختراعه، ولعل السبب في هذا هو أننا ضَلَلْنا الطريقَ التي كان يسير عليها أسلافُنا فصرنا مخلوقا هجينا لا يَعرِف أصلَه ولا يدري فرعَه، لقد كان التراث الإسلامي للمستشرقين مثلَ كنز من كنوز الفراعنة التي تتلألؤ ذهبا وتلمع جواهرَ ودررا، لذا هبوا لتحقيقه خدمة لمصالحهم أولا، وصُنعا ليد معروف يمنون بها على المسلمين بعدُ لتكونَ سبيلهم لهدم هذه الحضارة الجبارة ثانيا -وأنى لهم ذلك- ولِسائل أن يسأل: ماذا تقصد بالتراث؟
أما عن نفسي فالتراث عندي ليس ملابسَ أو جواهر، ولا أغانٍ أو منائر، وإن كنا لا نُنكر ما لهذه من جمال آسر، وإبداع ساحر، وعلم زاخر، لكن الأمر أكبرُ من هذا، إن التراث هو كل ما خَلَّفَته هذه الأمة منذ فجر الإسلام إلى اليوم من أفكار وعلوم وفنون وفهوم، سواء تعلق الأمر بالعلوم الشرعية المَحْضَة وما يدور في فلكها أو حاد عنه إلى باقي العلوم حقةً كانت أو إنسانية، مكتوبةً أو شفهية، ودليلُنا على إخراج الأول –أي الملابس وأدوات الزينة والعيش والمنائر- هو أن كثيرا من هذه الأشياء ما زال مُتَداولا بين الناس اليوم لكنَّ أثره فيهم ضعيف فلا يُعْلي همة ولا يَدفع نقمة، كما أن الغرب لا يسعى في هدمه وضربه ونقضه مثلَ سعيه دون المخطوطات والوثائق، إذ بهذه الأخيرة يَعْرِف المسلمون ما كان لهم من سابقة في الحضارة وأيادٍ على الإنسانية جمعاءَ، ولا أدل على ذلك من اختراعات المسلمين في الطب والفلك والرياضيات والبصريات… هذه الاختراعات والمعارف هي ما دفع الغرب إلى ترجمة كتب أسلافنا ونفضِ الغبار عنها قَبْلَنا، فظننا الأمر محض مصادفة، لكنه كما قيل: أمر دُبِّر بليل.
وَهِمَ كثير من الناس لما رأوا انصراف بعض الطلاب إلى هذا التراث في أبحاثهم الجامعية، وخالُوه قصورا في الفكر وضعفا في النظر، وما دارت الأيام دورتها حتى رأينا أعظم لسانيي هذا العصر تشومسكي وجوليا كريستيفا يُشِيدون بما كتبه المسلمون في مجال اللغة ويندهشون له، والغريب العجيب أن ما وصل إليه الخليل و سيبويه –وهما من مؤسسي العلوم في حضارتنا العظيمة- لم يصل إليه الغرب إلا في القرن العشرين، رغم أنه كان من أوائل ما أنتجه المسلمون في ميدان العلم، إنها الحضارة المعجزة هكذا أسميها، إن هذا التراث هو ضامنُ وحدة هذه الأمة بعدَ وحدة الدين، ففيه تجسدت العلاقة المتينة بين مسلم في أقصى المغرب والمسلمين في أقصى المشرق، وانظر معي -أيها القارئ الحَصيف- كيف رحل ابن بطوطة من طنجةَ عروسِ الشمال وأخذ يطوف في البلدان حتى بلغ الهند وجعلوه قاضيا على أهلها، أيُّ عظمة هذه وأيُّ وحدة تلك التي تجعل هنديا يطلب إلى مغربي أن يكون قاضيا عليه ويفرحُ بحكمه ويرضى بفصله، ولولا ما وقع بأيدينا من التراث ما علمنا ولا عرفنا شيئا لا عن ابن بطوطة ولا عن توليه القضاء خلال رحلته.
لقد فخر الغربُ بأناس يُعدون على رؤوس الأصابع وفيهم السفاح والكذاب والأفاك المنتَحِل لإبداع غيره، أفلا يحق لنا الفخرُ بتراثنا؛ وما أكثر أهرامه! وما أقوى أعلامه!
ما مقدار معرفتنا بما خَلَّفَه السابقون الذين أخلصوا لهذا الدين؛ فبورك في أعمالهم وخُلِّدت آثارهم؟ ولا يغرَّنَّنا ما نسمع أنه حُقِّق من كتب هذا التراث، لأن ما يوجد في الخزائن العامة ما هو إلا نهر من بحر، وأما ما يوجد في الخزانات الخاصة سواء ما عُرف منها وما لم يُعرف أضعاف أضعاف ذلك، وإلا كيف نفسر ما وصلنا من أخبار عن خزانات الملوك والأمراء، والقضاة والوزراء، والسادة العلماء، فهذه خزانة السلطان أحمد المنصور الذهبي (ت1012ه) كان بها اثنان وثلاثون ألف عنوان، ودار العلم في طرابلس كان بها حوالي ثلاثة ملايين كتاب، وخزانة سيف الدولة الحمداني (ت356ه) حوت عشرة آلاف مجلد، وخزانة الشريف المرتضى (ت436ه) نقيبِ الطالبيين كان بها ثمانون ألف مجلد، وخزانة خلفاء الأمويين في الأندلس بلغت ستمائة ألف مجلد…. هل يعقل أن تكون هذه الخزائن كلها أحرقت، ونحن إنما ذكرنا أنموذجا من خزانات الملوك والخزائن العامة، ولم نتعرض لمكتبات العلماء والزوايا والرباطات ومكتبات أولي اليَسار من المسلمين؛ الذين كانوا يتباهون بكثرة الكتب أيام كان الكتاب مظهرا من مظاهر الرقي والوجاهة –خلاف عصرنا الذي أضحت فيه الكتب مثلبة- وهناك أماكن توجد فيها المخطوطات لم تُكْتشَف إلا في هذه السنين الأخيرة، في القرى التي هجرت أو المدن التي خربت جراء الحروب وما حل بالأمة من نكبات، وبطش الاحتلال الغربي، وهنا لا يفوتنا التذكير بأن في خزائن المستشرقين والغرب الخاصةِ ما يحار فيه العقل مما نهبوه، لأنهم دخلوا بلادنا في غفلة من أهلها وكانت سوق العلم كاسدة، وسياسة الحكام فاسدة، فاشتروا تراثنا بأبخس الأثمان، وطَوَّفوا لجمعه في البلدان، وغيرُ هذا كثير، ويكفينا منه النزر اليسير.
ونحن إنما سقنا ما سقنا للدلالة على فساد دعوى أن ما حقق من هذا التراث كاف شاف، كلا، وحتى لو فرضنا صحة هذا الزعم؛ فإن حق الوفاء يفرض علينا إحياء ما اندرس، وترميم ما انطمس، حتى تشعر الأجيال المقبلة بعظمة تاريخها، وبراعة أسلافها، فتعيدَ للأمة ريادتها، وتكسوَ الحضارةَ عباءتَها، وما ذلك على الله بعزيز.
ولئن قلنا ما قلنا فبدافع الغيرة لهذا الدين، وهذه الأمة المكلومة التي تُراقُ دماؤها، وتُهتَك أعراضُها، وتستباح أرزاقُها، ومَأْتَى هذا كلِّه من الجهل الذي رُبِّيَ عليه أبناؤها، وما أُدْخِل في رُوعِهم من أن هذه الأمة وليدة اللحظة، وموطنُ الأزمة، فاعتقد أبناء المسلمين هذا –إلا قلةً- وجعلوه وحيا لا يُمارى، وفرسا لا يُجارى، فأسلموا قيادهم لغيرهم، وظَنوا السوءَ بأعلامهم؛ وليت شعري متى نصح الذئبُ للغنم، ولم يوردها موارد الحِمَم! وقد قالوا قديما:
وخالف النفسَ والشيطان واعصهما …. وإن هما محضاك النصح فاتهــمِ
ولا تُطِــع منهما خصـما ولا حكمـا ….. فأنتَ تعرف كيد الخصم والحكمِ
وإن قست عبارة هذا المقال، فبلغت صلابةَ الجبال، فأقول ما سُبِقْت إليه:
فإذا صرختُ في وجه من أحببتهم فلكي يعيش الصرفُ والإعرابُ

رأيان حول “نحن والتراث … إبراهيم بلفقيه اليوسفي”

  1. بارك الله فيك. كم نحتاج إلى موقظات كهذه لنفض الغبار عن العقول، وتوعيات لشباب الأمة. وفقك الله لكل خير.

اترك ردا