في التربية على الحب والدعوة لنشره .. عزيز أمغار

عزيز أمغار: ماجستير العقيدة والفكر في الغرب الاسلامي – كلية أصول الدين (المغرب)

الإنسان بطبعه يتأثر بمن حوله سلبا أو إيجابا، فالذي منَّ الله عليه ببيئة نظيفة متآلفة متعاونة حريصة على سعادة أفرادها يكون دائما سعيدا، وتقل أتراحه. وأما الذي وجد في بيئة خشنة متنافرة متناحرة يطبعها الجفاء والأعرابية تجد أبناءها يتخبطون في جميع أنواع المشاكل والمصائب، وكذا تنتشر الأمراض العضوية والحسية، وتنتقل العدوى جيلا فجيل. هنا نتساءل كيف السبيل إلى مجتمعات نظيفة مليئة بالحيوية والحب والإخاء، وخاصة المجتمعات التي يجمعها دين واحد وعقيدة واحدة كأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وماذا فقدت الأمة بعد رحيل رسولها صلى الله عليه وسلم ورحيل خلفاءه الراشدون؟ فهل يمكن أن تعيش الأمة السعادة بعد طول هذا الجفاء الذي جعل منها أشقى الأمم على المستوى الإنساني بسبب الحروب المستعرة بين أبناءها؟ وما هي الوسائل الناجعة التي يمكن أن نستعين بها على تحقيق هذه الغاية العظمى؟ وإلى أي حد يمكن للغة الحب أن تعيد الأمل وتشعل فتيل الحياة السعيدة وسط المجتمع المسلم؟
لا يختلف اثنان ولا يتناطح عنزان على رحمة وإنسانية (أقول إنسانية الدين الإسلامي، كونه جعل الإنسان وخلاصه الدنيوي والأخروي في قلب الاهتمام وأولوية من أولوياته) الإسلام، وعقيدة الإسلام، فالله تعالى هو خالق الإنسان وهو الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، وذلك وفق الغاية التي أرادها الله تعالى من الإنسان. والقيم والأخلاق التي يدعوا إليها الإسلام كلها رحمة ومحبة وخير للإنسان، إنما شقي الإنسان بسبب طاعته لعدوه (“إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ” فاطر الآية6) واتباعه لوساوسه ظنا منه أنه بذلك سيلقى الراحة التي يريد، وسيتخلص من الهموم التي يتخبط فيها الإنسان الغافل عن ربه المخالف لعهد فطرته.
ومن هنا يمكن القول بأن دين الإسلام دين محبة، كونه يتماشى وعهد الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان، وسعادة الإنسان وخلاصه لن يكون إلا فيه، كونه ينفي الأغيار التي يشقى الإنسان بسببها الإنسان كحب الأنا، وطاعة الشيطان الذي يأمر بكل شر وينهى عن كل خير، وينشر البغض والكراهية بين بني الإنسان، ولا غرابة من ذلك كونه ينجز وعده الذي قطعه منذ أنزله الله من الجنة، ولكن الغرابة من نسيان الإنسان ومخالفة للوعد الذي قطعه مع ربه.
دعونا نضيق الخناق على الشيطان بنشر الحب:
رغم شهادتنا التوحيدية، وكذا اتياننا للفرائض والسنن والانتهاء عند النواهي والائتمار بالأوامر، إلا أننا نجد الجفاء والغلظة، وانتشار العنف والقتل بين بني الدين الواحد والبلد الواحد، وذلك بسبب قسوة القلوب وجفاء الطباع، والتداوي من هذه الأمراض لن يكون إلا بنشر الحب وتداول لغة الحب، وذلك على جميع المستويات والمجالات. بدءا من المدارس والمؤسسات، وكذا في وسائل النقل وباقي الأماكن التي يتجمهر فيها الإنسان.
وأولى هذه الخطوات التي يجب اتباعها، هي النظر إلى بني الإنسان بعضهم لبعض نظرة رحمة ومحبة، حتى وإن اختلفوا في الدين واللسان واللون، كون كل إنسان مولود على الفطرة وهي الإسلام. فإن غطى هذه الفطرة عامل التربية، فواجب كل محافظ كشف غشاوة الشيطان على الفطر التي استحوذ عليها بعامل من العوامل حتى تصفوا وتتذكر عهد ربها (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا). وعملية التنظيف لا تكون إلا بوسائلها الملينة التي تحافظ على الإناء فلا تكسره، وتستعمل في ذلك صابون المحبة، ورقعة الرحمة والإخاء. فالقلوب ثلاثة أنواع كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه: القلب السليم، وهو أنقى القلوب وأروعها، كونه لا يحمل الضغينة والأحقاد على عباد الله نتيجة لمحبة الله تعالى وانعكاس هذه المحبة في حياة صاحب هذا القلب. والقلب الثاني هو القلب المريض وهو الذي اختلط فيه مادتان، مادة الإخلاص لله تعالى، ومادة الغفلة، فمتى ما غلبت مادة واستحوذت يكون عليها أمر صاحب القلب. وهذا يحتاج لمزيد علاج وتنقية، وذلك بذكر الله والتقرب إليه وقتل الشهوات المردية قال تعالى:” ألا بذكر الله تطمئن القلوب”.
والقلب الثالث وهو القلب الميت، وهو الذي استحوذ عليه الشيطان تمام الاستحواذ، هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه ولا نجاة لصاحبه إلا إن من الله عليه وخلصه من قيود الشيطان. فصاحب القلب الأول يجب عليه مساعدة القلب المريض حتى يتعافى، والتخطيط لإحياء القلب الميت بالتلطف والتعهد وإسماعه كلام الله تعالى، حتى تسمع الفطرة الخطاب المخلص لها من غشاوة الشيطان وقيوده “وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ”.
التغيير يكون بخطاب الحب.
وهنا أذكر بحديث عظيم جليل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه منبها متبعيه ومحبيه إلى ركن عظيم في بناء العلاقات وتقويتها، قال صلى الله عليه وسلم :” … وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ” فدخول الجنة مرهون بالحب، فالذي لا يحب لن يدخل الجنة حتى وإن قام ظاهرا بالفرائض والنوافل، كون الحب شرط للإيمان. وبانتشار هذا الحب بين أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيل بتغير واقع هذه الأمة وإخراجها من المستنقع الذي أدخلها إليها أصحاب القلوب القاسية التي لخصت الدين في الحرب والقتل وزرع الكراهية. ومن أركان الحب التعاون وتعهد المؤمنين بعضهم لبعض، وذلك بمختلف لغات الحب، سواء كانت بالكلمة أو بالهدية أو المساعدة وغيرها من التعابير التي يعبر بها الإنسان عن حبه. وقد جسد ذلك رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وكذا مع الأطفال والحيوان، ومتتبع سيرة رسول الله صلى الله عليه سيجد أنه كان رسول محبة وعطف وحنان، ولا أجد مثالا يلخص ذلك إلا بحديثه صلى الله عليه وسلم حين قال:” إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها” وهذا مثال ينم عن مدى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم للخلق، وحرصه على عدم سقوطهم في النار بسبب كفرهم وشركهم واتباعهم للشيطان الذين أقسم بعزة الله أن لا يألوا جهدا في إدخال بني آدم النار.
لغة الحب وأثرها في تأليف القلوب المتنافرة:
لا شك أن النفوس والطبائع والمطالب تختلف من شخص لآخر، وبسبب هذا الاختلافات تتناحر الإنسانية كون كل صاحب نفس وأطماع يرى أنه منَازَع عليها، ويعمل جاهدا على الحفاظ على مكتسباته، وذلك يؤدي إلى العداوة والكراهية بين بني الإنسان. فأول الخطوات إلى المحبة هو إفشاء السلام ونبذ الحرب، وقد تقدم الحديث النبوي في شرط الإيمان وسبيل نشر الحب، وهو إفشاء السلام.
فإفشاء السلام طريق لانتشار الحب بين بني الإنسان، ولذا من الواجب على المؤسسات باختلاف تخصصاتها التربية على الحب والدعوة لنشره.

اترك ردا