الأنا في مرآة الآخر … ربيع عبد العزيز

د.  ربيع عبد العزيز: أستاذ بقسم النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن، كلية دار العلوم، جامعة الفيوم

برغم أن الإسلام يقدس الإتقان ، وأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) فالواقع المشهود يسطع دلالة على أننا بعيدون عما أوصى به النبي الكريم، وأن أكثرنا لا يعرف للوقت قيمة حتى إننا إذا تواعدنا على لقاء أو مقابلة نعجز عن ضبط وقت اللقاء بالساعة ونتواعد على اللقاء بمواقيت الصلاة( بعد الظهر، بعد العصر، بعد المغرب) ولا يعرف أكثرنا أنه يلحق بإهدار الوقت أفدح الأضرار بالأوطان والمواطنين ، وأنه حين يضيع العمر في توافه الأمور والتسكع على الطرقات والجلوس لساعات طويلة أمام التلفاز وفي الفيسبوك، إنما يسدي إلى الدول المتقدمة أجل الخدمات المجانية؛ إذ يبقي علينا متخلفين، عاجزين عن الإسهام في الحضارة الحديثة إسهاما يليق بأمة قادت العالم في القرون الهجرية السبع الأولى نحو الحق والخير والسلام.
ومن أشر الأدواء التي ابتلينا بها أننا نسمي من يتقن عمله معقدا، ومن يتراخى في عمله نسميه (فهلويا) أو غير معقد .. والأفدح أن علماء النفس والاجتماع والتربية والإعلاميين تركوا هذه الأدواء تنخر كالسوس في عظام الأمةل، وانكفأ أكثرهم عى نفسه مؤثرا السلامة .
ولقد أساء عدم الإتقان إلى صورة العربي بصفة عامة والمسلم بصفة خاصة؛ ففي حديث لألفريد ليل مع اللورد كرومر نجد العربي مرتبطا في التصور الإنجليزي بكل ما هو فوضوي؛ يقول اللورد كرومر فيما أثبته المقارن العربي أدوارد سعيد في كتابه الاستشراق: ( قال لي سير الفريد ليل مرة: إن الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقي، وعلى كل إنسان أنجلو هندي أن يتذكر هذا المبدأ الأساس. والافتقار إلى الدقة الذي يتحلل بسهولة ليصبح انعداما للحقيقة هو في الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي).
ومن أسف أن المقارنين الشرقيين عربا وغير عرب تركوا هذه المعاني تسري في التصور الغربي، واكتفوا في أفضل الأحوال بمناقشتها وتفنيدها لمواطنيهم وبلغات أوطانهم، مع أن الأحرى أن تفند مرتين: مرة تفند تفنيدا نظريا باالتأليف باللغة الإنجليزية أو كتابة مقالات في الصحف الإنجليزية أو التحدث إلى الإنجليزعبر الإذاعة .
ومرة أخرى تفند عمليا بإلحرص على الدقة في كل ما نقول وعلى الإتقان في كل ما نفعل، وليكن هذا ديدن حياتنا في بيوتنا وشوارعنا ومؤسساتنا، بل فيما نخصصه من ساعات للسمر واللهو.
ولو أتقن كل ملحق ثقافي، في بعثاتنا الدبلوماسية، عمله لألف من بقية الملاحق والمتخصصين في الإنجليزية، فرق عمل تكلف بمراجعة صورة الشرقي في كتابات الإنجليز ، ثم يتولي كل فريق كتابة ردود تفند المزاعم التي يروج لها غلاة المستشرقين والتي تظهر العربي شخصية معادية للدقة، متمردة على النظام، ميالة للفوضى.
وفي المقابل يتولى علماء الدين والنفس والاجتماع والتربويين والإعلاميين حملات ممنهجة للتبصير بأضرار عدم الإتقان، وكيف أنه يخدم أهداف الدول التي تريد الإبقاء علينا لا نحن أحياء ولا نحن أموات.
وبوسع جامعة الدول العربية -أيضا-أن تنسيق مع وزراء الخارجية العرب من أجل عقد مؤتمرات في الدول الأجنبية تقدم فيها تاريخ الحضارة العربية ودورها في بناء الحضارة الإنسانية، وهناك مستشرقون منصفون يمكن الاستدلال بما كتبوه على بطلان مزاعم غلاة المستشرقين من أمثال الفريد ليل وغيره .
وبوسع الخارجية المصرية بالتعاون مع جامعة الدول العربية أن تقدم حرب أكتوبر بوصفها نموذجا لما تتمتع به الشخصية العربية من دقة في التخطيط والتنفيذ .
نحن اليوم أمس ما نكون حاجة إلى تغيير صورتنا في العقل الغربي ، لأنها للأسف صورة تزداد تشوها مع كل عملية إرهابية ينفذها مسلمون حتى لو كانوا متجنسين بإحدى الجنسيات غير العربية.
نحن أمة تحدق بها مخاطر التقسيم ونيران الحروب ومطامع الطامعين، ونترك الآخر الغربي يفكر لنا ويسوي خلافاتنا وكأننا عاجزون عن إدارة أمرنا وعن قبول وجهة نظر مخالفة لما نعتقده
وإذا لم نبادر إلى الدفاع عن صورتنا المشوهة فإننا نخدم أهداف المتربصين بأمتنا، وسوف نثبت صحة ما وصفنا به السير الفريد ليل.

اترك ردا