المدارس الغمارية العتيقة في مواجهة السياسة التعليمية الإسبانية ومسألة تهريب الأطفال من التعليم الرسمي إلى العتيق

معاذ البكوري: باحث دكتوراه في التاريخ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله – فاس

مما لا شك فيه أن موقع قبائل غمارة الاستراتيجي جعل من هذه المنطقة عبر التاريخ، صلة وصل بين أوربا وإفريقيا من جهة، وبين الشرق والغرب من جهة ثانية، لذا تأثرت المنطقة بالثقافة العربية الإسلامية، كما تأثرت بالثقافة الأندلسية، فأصبحت تنافس غيرها من حواضر المغرب، وهكذا لم تمض إلا سنوات قليلة حتى ازدهرت في هذه المناطق حركة ثقافية وفكرية، وبدأت تؤتي أكلها، وبدأ يظهر في هذه المناطق علماء ومفكرون في مختلف أنواع المعرفة . ومن المعروف أن هناك تضاربا تاريخيا لدى الدارسين القدامى والمعاصرين حول مرحلة ظهورها، فهناك من يرى أن هذه المدارس قد ظهرت في القرن الخامس الهجري إبان فترة المرابطين، وهناك من يذهب إلى أن هذه المدارس لم تظهر إلى حيز الوجود إلا في القرن السادس الهجري مع سلاطين الدولة المرينية، بيد أن هناك من يذهب إلى أن ظهورها كان أقدم من ذلك بكثير، وذلك مع الفتوحات الإسلامية التي استهدفت نشر العقيدة الإسلامية واللغة العربية . هذا الإرث التاريخي للمنطقة الغمارية جعلها حصنا منيعا أمام المخططات الإسبانية. فما هي أبرز المدارس الغمارية العتيقة التي واجهت السياسة التعليمية الإسبانية؟ وما ردود فعل الأهالي اتجاه السياسة التعليمية الإسبانية؟
1–أهم المراكز العلمية العتيقة بغمارة:
بدأت منطقة غمارة تعج بالعلماء والصلحاء منذ الفتح الإسلامي للمنطقة، حيث كانت تدرس فيها الفروع العلمية بمختلف أنواعها من فقه ولغة وقراءات ورياضيات وطب وغيرها، وكان من عادة الطلاب في هذه المنطقة أنهم لا يرحلون إلى فاس إلا وقد ملئت عقولهم علما وثقافة، وفي هذا الصدد نورد كلام الشيخ أبي الحسن علي بن ميمون البوزراتي الغماري، حيث يصور لنا الحالة العلمية في هذه المنطقة حاكيا عن نفسه: “ومن نعم الله علي أن علمني كتابه العزيز قبل البلوغ، وقرأت في ذلك الزمان نظم الشيخ الخراز رحمه الله في رسم القرآن وضبطه حفظا، وحفظت نظم الشيخ أبي الحسن علي بن بري في قراءة ورش وقالون عن الإمام نافع، وحفظت الأجرومية في النحو، وحفظت نظم الشيخ أبي مقرع في معرفة حساب السنة وغيره، كما هو معلوم هذه الأشياء، وكلها حفظتها وصورتها على الشيخ، ثم بعد البلوغ، مَنّ علي بحفظ رسالة أبي محمد ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله، وصورتها على الشيخ أبي إسحاق التلمساني في الفرائض وحفظته وصورته على الشيخ، واشتغلت في مبادئ علم الحساب والفرائض حتى حصلت معرفة المناسخات وقسمة التركات والإقرار والإنكار والوصيات ومسائل الخنثى وسائر أبواب فقه الحساب والفرائض، وكنت أحفظ هذه الكتب كلها كأم القرآن شكرا لله وأنا ابن عشرين سنة، ولم أزل ببلاد غمارة التي نشأت فيها، ولم أدخل مدينة قط، بل في قبائل غمارة عمرها الله” .
انطلاقا من هذا النص يتضح أن قبائل غمارة غنية بعلمها وعلمائها ومدارسها، وكان طلابها يدرسون العلم بها، ولم يرتحلوا إلى فاس إلا بعد أن يحصلوا ما في بلادهم من علم. كما يتضح أن أهل غمارة كانوا لا يهتمون بشيء قدر اهتمامهم بحفظ القرآن ودراسة العلم، حيث لا تشرف الأسر فيهم إلا بقدر ما أنجبت من الفقهاء والعلماء، كما أن هذه القبائل كانت خلال الفترة المدروسة تعتبر الممول الرئيسي للبلاد بحفاظ القرآن الكريم. فكانت قبائل غمارة إذن تغذي القرويين بالطلاب والفقهاء، وتتجاوب مع جوها الثقافي تجاوبا تاما، لا سيما وأن المواد التي كانت تدرس بالقرويين كان جلها يدرس بمعاهد ومدارس جبال غمارة .
لقد حظيت المدارس والمعاهد الدينية في قبائل غمارة باهتمام كافة شرائح المجتمع ، حيث تسابق في ذلك المحسنون من الميسورين وحتى الفقراء بالعمل والمؤونة، فانبثت عبر أفخاد وفرق قبائل غمارة، وأشاعت العلم ونورت الأفكار، فولجها الطلبة والفقهاء معا، وكان أصحابها وأهل البلد يوفرون للطلبة بيوت الإقامة والمؤونة، وكان مشيدوها في الغالب علماء حبسوا جل وقتهم للكتابة والتدريس والإفتاء، فجعلوا في الغالب مدارسهم ملحقة بدورهم، ودرسوا بها أبناءهم على عادة فقهاء القبائل المغربية، وكان الطلبة يمكثون في هذه المدارس لشهرتها، الشهور بل السنين، فيكونون الأصحاب والمعارف، بل منهم من قام بها مقام الأستاذ.

للاطلاع على الورقة البحثية

اترك ردا