جدل الخطاب والواقع: قراءة نقدية في تصورات الاتجاه الحداثي اليساري العربي

د. عزوز بن عمر بن سليمان الشوالي: أستاذ محاضر بجامعة الزيتونة تونس

خطاب الوحي: التأويل/ الواقع
من المسلَّم به أن تأثير الواقع على فهم النص الديني وتأويله هو حقيقة موجودة لا ينكرها أحد، وما اجتهادات علماء أصول الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبهم منذ العصور الإسلامية الأولى إلى الآن إلاّ دليل على تنوع النظر في تأويل النص بما يخدم الواقع ويعالج متغيراته، ولكن هذه الحقيقة لا تتساوى بإزائها الأفهام ، فالعلاقة بين الشريعة والواقع قد تحولت اليوم إلى إشكالية فكرية مفادها أن الجدل بين النص والواقع ليس حركة تبادلية بقدر ما هو استجابة حتمية لجعل الواقع أساسًا للنظر والاجتهاد عبر تأويل النص مهما كانت قطعيّة دلالته بغية تنزيل الواقع عليه مهما كانت تقلباته، وقد تبنى هذا الموقف العديد من النقاد العقلانيين الحداثيين المعاصرين على تنوع مشاربهم الفكرية، كل حسب الأدوات والمناهج والمرجعيات التي استعارها لهذا الغرض. ولا تقتصر الإشكاليات على تلك الاستعارات فقط، بل تتجاوز ذلك إلى المحاولات النقدية التي تصدت لقراءة النصوص الشرعية ومنها بالخصوص تلك التي تبنّت الدفاع الأصم عن التراث الإسلامي لأنّ الدفاعات الصّماء تناولت الوافد على أنّه حقيقة مسلمة وكل متجانس لا يختلف عن بعضه بعضا ولعلّ ذلك قد حدث بسبب التباس الأمر عليهم نتيجة اجتماع النقاد الحداثيين رغم اختلاف مرجعياتهم ومشاربهم الفكرية حول أسس عامة مشتركة مثل:
• نسف المنجز التراثي الإسلامي لأنه قراءة لاهوتية للدين. ([1])
• استبدال المناهج الإسلامية الجارية في تحليل الفكر الإسلامي وتطبيقاته على الواقع بقراءات منهجية عقلانية فلسفية معاصرة. ([2])
ومن أجل هذا التوجه سأتكلف السبر والتقسيم، وسأحاول إلغاء وجوه الشبه بين العقلانيين الحداثيين وذلك من خلال لفت الانتباه في هذه المقاربة المتواضعة إلى قطب واحد منفرد بمرجعيته وأدواته الفكرية والمنهجية وهو قطب النقاد العقلانيين اليساريين، واستبعاد غيرهم من دعاة الحداثة من العقلانيين العلمانيين الليبراليين إلى حدّ ما، من أجل الفصل البيّن بين المرجعيات وتبين الخلفيات الكامنة وراء النقد التفكيكي للفكر الإسلامي بكل ما تعنيه التفكيكية المعاصرة من معاني الهدم والتقويض. وذلك من خلال الجدل بين النص والواقع كما تبنّته (المدرسة العربية الماركسية) ممثلة في ألمع نقادها، مثل حسن حنفي من خلال نقده لعلم أصول الفقه الإسلامي بآلية المنهج الفينومينولوجي، ونصر حامد أبو زيد من خلال تصوره للمنهج الهرمينيوطيقي وأثره في إعادة التعرّف على النص الديني وتأويله انطلاقا من الواقع.
وبإزاء هذا المنوال من الأطروحات سألمّـح لآلية المناط عند علماء أصول الفقه بوصفها المقاربة الأكثر كفاءة في المنجز التراثي التي اشتملت على الجدل التفاعلي بين النص والواقع، وهي المعبّر عنها بالتفاعلية التراثية بشقيها النصي والعقلاني وذلك بغض النظر عن دعوى التجديد بين تلامذة المدرسة التراثية من المعاصرين فهم في نظري لم يخرجوا البتة من سياج مدرستهم سواء في نقد الأطروحات الحداثية أو في دعوى التجديد التي أعلنوها بغير فعل.
تجلّى مشروع حسن حنفي في النقد والتجديد لعلم أصول الفقه الإسلامي في كتابه “من النص إلى الواقع “، ومثّل ذلك المشروع محاولة لإعادة بناء أصول الفقه”، بمقاربات فلسفية، وكان ذلك نهجه في جميع كتبه الأخرى ومن بينها على وجه الخصوص: التراث والتجديد، من العقيدة إلى الثورة، الدين والثورة، من النقل إلى الإبداع، وغيرها. وتدور طروحات حسن حنفي في كتابه “من النص إلى الواقع «حول نقد علم أصول الفقه الإسلامي واقتراح بدائل لمقرراته المنهجيّة، وقد نهضت مقاربته على المرتكزات التالية:
يعتبر حسن حنفي القرآن والسنة مرجعية أساسية تقوم ببناء وعي الفقيه المشتغل بعلم أصول الفقه، ويرى أن هذه المرجعة في حاجة إلى إعادة تقييمها لوضعها في وظائف جديدة تقتضيها آليات القراءة التجديدية للفكر الإسلامي المعاصر.
القرآن والسنة هما المسلمة الأساسية في كل علوم التراث، وقد مرّا من قبل بمنهج النقل الشفاهي، حيث نزل الوحي وتمت كتابته، وصدرت السنة وتمّ نقلها في لحظة ماضية من الزمان، ويكون ضمان صحة القرآن والسنة بحثاً في كيفية انتقال هذين النّصين كتابة ومشافهة عبر الأفراد والأجيال. واشتغل هذا المنهج التقليدي مِن أجل فَهْم الوحي بعدَ استقباله، ابتداءً من مباحثِ الألفاظ التي تضمُّ الصيغة؛ أي: اللفظ، ثم المفهوم؛ أي: المعنى، ثم المضمون؛ أي: الفحوى والإحالة إلى العِلم الخارجي، ثم المنظور وتعدُّد الصواب، ثم يتلوه الوعيُ العَمَلي الذي يتضمَّن أحكامَ الوضع؛ أي: بناء الشريعة في العالَم، وأحكام التكليف؛ أي: تحقيقها كأنماطٍ للسلوك البشري([3])
يعبّر هذا الوحي عن الوعي الخالص (أي مسلم به) ويمكن من هذه الناحية تصنيفه في مقام الوعي التاريخي القبلي. وهذا الوعي التاريخي القبلي يعبر عن الوعي بالماضي وأن العمل الذي قام به علماء أصول الفقه هو نقل هذا الوعي الماضي القبلي إلى وعي نظري بالحاضر ويسميه حسن حنفي بالوعي التأملي. ([4])
الوعي التأملي: وينطوي تحته الوعي اللغوي
يتعامل الوعي التأملي مع الوحي المنطوق (القرآن) والوحي الشفاهي (السنة)، في صورة لغة وهذا يتطلب فهم الألفاظ والتركيب والبحث في معانيها. ومن هذه الزاوية نلاحظ اهتمام علم أصول الفقه بالنصوص المنطوية على حكم، ويتعامل مع النص من جهة كونه معقولاً أو متضمناً استدلالاً وعللاً، وبناءً على المنطق البنيوي الداخلي يقسّم الموضوعات حسب قسمة عقلية في الوعي التأملي للفقيه؛ فينقسم مبحث الألفاظ إلى الأسماء وأفعال وحروف، والأسماء إلى اصطلاحية وتوفيقية، أما مبحث المعاني فيقسم الكلام إلى ما يدل وما لا يدل، وما يدل فإنه إما يدل على معنى ظاهر أو معنى مؤول، أو أمر أو نهي، أو عام وخاص. وهذا الوعي يظل متعلقا بتحليل المنطق الداخلي لكل مبحث فتحول الدرس الأصولي إلى بحث تأملي مثل القسمة العقلية للمباحث واحتواء الموضوع كله، وتحديد بنائه، ومعرفة احتمالاته. وهذا هو المنطق الخالص، وبالتالي أصبح البحث الأصولي حبيس المنطق بوصفه قواعد صوريَّة تُمكِّن مِن ضبط وتقنين العمليَّة الاستنباطيَّة. ([5])
الوعي بالمستقبل، وهو الوعي العملي في ذهن حسن حنفي، وينشأ هذا الوعي عن اتحاد التاريخي بالتأملي، إذ بعد أن أثبت الوعي التاريخي صحة النص، وفهم الوعي التأملي النص من حيث اللغة والتراكيب والمعاني، وينتهي الأمر كله عند الوعي العملي الذي يترجم علاقة النص بالواقع في مجاري الحياة الإنسانية المتجددة على الدوام([6]). ويقابله المناط في عرف علماء أصول الفقه ويندرج ضمن أركانه الأصل والفرع والعلة والحكم. باعتبارها الآلية الناظمة للأحكام الشرعية في مجاري الحياة الإنسانية المتجددة على الدوام وسنحلل هذه الآلية في موقعها لاحقا بإذن الله تعالى.
هذا التحليل تواجهه ثلاثة اعتبارات زمانية، وهي الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا التحليل للبنية الداخلية الزمنية للفكر ينبع من مرجعية فكرية فلسفية معاصرة مستعارة من المنهجية الفينومينولوجية ([7]) للفيلسوف الألماني “هوسرل ” Edmund Gustav Albrecht Husserl”([8]) حول الوعي بالزمان الداخلي وكيفية تأسيسه للموضوعية في المباحث الميتافيزيقية والأنطولوجية القصدية.([9]) وقد طبقها حنفي في مجال أصول الفقه الإسلامي وأوضح كيفية انبناء أقسامه انطلاقاً من الأشكال الأساسية للوعي التي ترجع بدورها إلى الوعي بالزمن.([10])
يعتبر حنفي علم أصول الفقه بأسره بمثابة المخزون الفكري النفسي لدى العلماء والناس وهذا المخزون هو الذي يشكل الوعي بالدين وهذا الوعي كان من قبل متمركزا فيما هو ديني صرف، وينبغي أن يمرّ في الحاضر إلى مضمون آخر إنساني وتحرري.
يمارس حسن حنفي رداً لمباحث علم أصول الفقه إلى الوعي الإنساني، بعد أن كان مرتبطا بالوعي الديني، مع استخدامه لطريقة تحليل الوعي الديني باعتباره وعياً مغترباً من حيث هو وعي إنساني ملحق بالغيب على منهج “هسرل” في تقييمه لأزمة العلوم الأوروبية “، بعد أن وسَّعَها حتى تشمل موضوعات الوعي التاريخي والأزمة الروحية للغرب وانعكاسها على علومه. ([11])
يرى هوسرل بأنّ التفكير الفلسفي الكلاسيكي للغرب هو تراث حبيس “الأناوية” الديكارتية (أي أنا أفكر فأنا موجود)
ولم يتجاوز مأزق الذاتية الفردية لفلسفة ” لوك، وهوبز «في القول بأنّ الشعور الإنساني هو في الحقيقة إدراك لذواتنا أو لأفكارنا حول الواقع الخارجي، وحسب، هذه وجهة نظر تعتبر الشعور والعقل موجهين لانطباعات ومفاهيم تحدث في مساحة الذوات المغلقة بحيث لا نصل إلى الأشياء الخارجيّة إلاّ عن طريق التفكير الداخلي الذي يحصل ما بين المفاهيم والانطباعات.
قدّم هوسرل فكرة ” المثالية الترنسندنتالية الفينومينولوجيّة ” أو ما يعبّر عنه بالفينومينولوجيا القصدية وهو لا يقصد بها مجرد تكرار لمثالية “كانط” التي عرضها خاصّة في كتابه نقد العقل المحض، بل كان هدفة من وراء ذلك نقض المأزق الفلسفي الأناوي، حيث ألغى التقسيم التقليدي بين الشعور الذاتي والواقع الخارجي وجعل الشعور قاصدا للأشياء الخارجية، وبذلك لا يكون هنالك أي شيء يسمّى الذاتية، لأنّ شعورنا و تفكيرنا هو دائما يقصد الأشياء الخارجية ([12])
ويردّ حسن حنفي نقده لعلم أّصول الفقه الإسلامي بصفته رافدا من روافد العلوم الدينية إلى النقد الفينومينولوجي، ويبرر أزمة علوم التراث العربية باعتبارها كاشفة عن الأزمة الحضارية للمسلمين في مقابل فينومينولوجيا أزمة العلوم الأوروبية عند هوسرل. يمارس حسن حنفي رداً لمباحث علم أصول الدين إلى الوعي الإنساني، بعد أن كان الوعي الإلهي هو المسيطر على المصنفات القديمة في ذلك العلم، مع استخدامه لطريقة تحليل الوعي الديني باعتباره وعياً مغترباً ملحقا بالإله. ([13]) من هنا نتبين أنّ منهجية حسن حنفي هي التقنية الفينومينولوجية الهوسرلية التي وظفها بطريقة الردّ للمرجع وقرر من خلالها التعامل مع علوم التراث على أنها كاشفة عن أشكال الوعي، وذلك كله فى إطار أوسع يتعدى نطاق فينومينولوجيا هوسرل إلى استخدم مقولات وتقنية نقد الوعي الديني المغترب لظاهرة فى الفينومينولوجيا الهيجلية ، الفويرباخية([14])
ضمن فكرة أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية حلل هوسرل أزمةَ المعني والتوجهات في الثقافة الأوروبية في العصور الحديثة. إنه يرى أن النزعة “الموضوعية” التي تسيطر على هذه الثقافة تفهم العلمَ فهماً ضيّقاً يُقصي الأسئلة الحاسمة بالنسبة إلى الوجود البشري: أسئلة المعنى والغاية، الحرية والتاريخ. وهي تبرّر هذا الإقصاء بأن العلم لا يمكن أن يعالج إلا بكيفية موضوعية ودقيقة، أي باستقلال عن كل وضعية ذاتية نسبية. ولتبديد هذا التصور، يبيّن هوسرل أن العلوم الوضعية الحديثة ترتكز بالرغم من دقتها وموضوعيتها، على التجارب اليومية التي تعطى بكيفية ذاتيةٍ نسبية، في أفق عالم العيش. وعليه فإنّ النزعة الموضوعية تقوم إذاً على نسيان هذا العالم بصفته الأفق الذاتي النسبي لكل إمكانيات تجربتنا الأرضية التي تنشأ عليها كل ممارستنا، بما فيها الممارسة النظرية العلمية، ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة إلا عن طريق إعادة ربط العلوم الحديثة بأساسها المنسي، أي بعالم العيش. ([15])
تحلّ الفكرة “الهوسرلية” عند حسن حنفي وفي قراءته للمنجز التراثي في أصول الفقه وذلك بجعل أولوية “المستصفَى في أصول الفقه للغزالي ” تقوم على التراكُم الأصولي حتى القرن الخامس، مِن أجل بيان تطابق النصِّ مع العقل، وهو آخِر ما دوَّن الغزالي، والنصُّ الأصولي الوحيد الذي لَخَّصه ابن رشد في “الضروري في أصول الفقه”، وميزته الهدوء العقلي والاعتدال؛ إذ يقوم على تحليل العقل والنقل الخالِص دون إحالةٍ إلى مصادره، وربما تمَّ الاعتماد فيه على الذاكرة الخالِصةِ التي قوَّتها علومُ الذوق عن طريقِ الاستبطان، ثم تأتي أولوية «الموافقات” للشاطبي لأنّه يمثل التراكُم الأصولي حتى القرن الثامن، ويقوم على اتفاق النصِّ مع المصلحة، وبالتالي يتمُّ التوحيد بين النصِّ والعقل والمصلحة؛ أي: بين الوحي والعقل والطبيعة، وهو الحدس الرئيسي للحضارة الإسلاميَّة.
فالمستصفى والموافقات، هما النصَّان الرئيسيان التكوينيَّان قبلَ هذا النصِّ الأصولي الثالث “من النص إلى الواقع([16])
حسن حنفي ثالث أثافي البنية المعرفية لعلم أصول الفقه، من الغزالي اتحاد العقل والنقل في تحليل النص التأسيسي إلى الشاطبي في اتحاد النص والمصلحة وتختم هذه الأثافي بحسن حنفي في نظرية «الفكر أساس لتغيير الواقع.
الإشكالية الثانية: هل يجري النص على الواقع أم يجري الواقع على النص؟
يجري جدل النص والواقع على نمطين:
نمط كلاسيكي متدرج تنازليا في الأهمية من الأعلى إلى الأسفل ويرتب ذلك عمليا من النص إلى الواقع:
المرتبة الأولى للكتاب، والمرتبة الثانية للسنة والمرتبة الثالثة للإجماع، والمرتبة الرابعة للاجتهاد ويشمل القياس والمناط والمصلحة وغيرها. وهو ترتيب تنازلي إذ يعتمد كل أصل على الأصل السابق عليه، فالكتاب هو مصدر الأحكام الأول والسنة تعتمد على الكتاب، والاجماع يعتمد على الكتاب والسنة/ والاجتهاد بأنواعه يعتمد على الكتاب والسنة والاجماع، والحكم من الأصل إلى ما فوقه يخبر عنه وليس حاكما عليه ([17]) وهذا الترتيب يمثل في ذهن حسن حنفي مبدأ» الفكر أساس لتغيير الواقع” وهو الديالكتيك النازل الذي جعله هيجل أصلا لتحليله المادي التاريخي. وحسن حنفي يتبنى هذه الرؤيا لا لكونه يراها كما يراها بعض رفاقه صبغة مثالية دينية تبحث فى اللاهوت والعلوم الإلهية. ولذلك فهو يقول: فإذا كان ترتيب القدماء تنازليّا من النص إلى الواقع فإنّ ترتيب المحدثين تصاعديّا من الواقع إلى النص، فالعقل بقدرته على الاستدلال هو الأصل الأول في التشريع للواقع المعيش، ثم يأتي الاجماع كخبره جماعية وتجربة مشتركة ثم تأتي السنة كتجربة نموذجية تأسيسية، فإن لم يتوصل العقل باستناده إلى التجربة الجماعية والتجربة التأسيسية إلى الحكم يمكن حينئذ الاهتداء بالنص (الوحي) لعله يعطي حدسا أو رؤية تفيد في استدلال العقل على المصالح العامة. ([18]) في هذا المستوى يبدو حنفي سارتريا يتخذ موقفا من علم أصول الفقه بمنهج سارتر في موقفه من المثالية الكانطية والترنسندنتالية الهوسرلية.
حاول جون بول سارتر تطبيق المنهج الفينومينولوجى على دراسة الوجود الإنسانى، فتجاوز المثالية الكانطية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية الهوسرلية لينفتح على صراع الأضداد لهيغل واعتبر الذات الإنسانية لا توجد في الأنا أفكر الديكارتية ولا في الذات بمعناها الهوسرلى والكانطى، بل في الأنا موجود. وهذا الأنا موجود عند سارتر ما هو إلا إعادة صياغة لمفهوم الدازاين عند هايدجر من جهة، ولمفهوم الذات المتحققة بالفعل لدى هيجل Self-Actualized Subject. ([19])
يعتقد سارتر أنّ هناك اختلافاً أصلياً بين الوعي والوجود، أو الأنا والعالم، أو الذات والموضوع، فرفض بذلك مبدأ أن الباحث الفينومينولوجى يستطيع بالفعل أن يعرف حقيقة الوجود انطلاقاً من انعكاسه على وعيه واعتبر وجود الذات(الأنا) نمطا من الوجود وهي أعلى نمط أنطولوجى، وبالتالى فدراسة وعي الأنا بذاتها هى دراسة أنطولوجية لا إبستمولوجية([20])
هذا هو مفصل جدل النص مع الواقع الذي يساعده على إبراز الغاية النهائية للوعي الإنساني الجديد الذي يتحقق لدية في تحويل الوحي إلى علم إنساني شامل وإيجاد موقف من الواقع الذي يفتقر إلى نظرية التفسير، وقيامها في مشروع يجمع بين الوحي والواقع، بين التراث وقيم العصر، بين الدين والدنيا، وبين الله والإنسان، هذه الثنائيات مازالت تعبر عن وعي إنساني كلاسيكي منهجه تحليلي استعراضي شارح، وعند المقابلة والمقارنة بين النظرية في التفسير وبين منهج تحليل الخبرات يتضح أن منهج تحليل الخبرات الذي يبدأ من الواقع وليس من النص و المأثور والعرف، والنضال في جبهة الواقع غرضه تحويل التراث إلى علوم إنسانية والربط بين الواقع والوحي في وحدة عضوية داخل الإنسان وفي سلوكه الفردي والاجتماعي([21]) وهكذا يتخلص حسن حنفي من عبء المرجع الأصولي ويستعيض عنه بالفلسفة العقلية التي في ثناياها مصرع الوعي الشرعي الكلاسيكي حتى يفسح المجال للعقل الديالكتيكي من وجهة نظر التحليل الماركسي المدعم بتمثل التحليل المادي للتاريخ .
إنّ الموقف النقدي لفينومينولوجيا هسرل ساعدت حسن حنفي على تجاوز الفنومينولوجيا الترنسندنتالية والنفاذ إلى موقف كارل ماركس المقابل لموقف هيجل في هذا الجانب، فماركس يعكس الإتجاه، الهيجلي نحو الديالكتيك الصاعد، ويرى أن الفكر انعكاس للواقـع. أي تَشَكل الفكـر بالواقع وهو الطابع المادى الذي اتصف به الفكر الماركسي. والذي يمثل في مقاربة حسن حنفي النهاية الحتمية للتفكير الفقهي والأصولي في سلسلة تطور نقد الوعي الديني الإسلامي وهي أهم قراءة تقويضيّه في الفكر العربي الإسلامي الحديث.
في عمق هذه المدرسة نفسها وبمعطياتها المنهجية المشتركة وبأدوات المرجعية الماركسية المتداولة يبدو لنا نصر حامد أبو زيد داعيا إلى فكرة جدل النص والواقع لكن ليس من خلال المنهج الفينومينولوجي كما فعل حسن حنفي بل من خلال المنهج الهرمينيوطيقي.
الهرمينوطيقا هي المعادل المفهومي تقليدياً لمفهوم تأويل النصوص. وهذا المفهوم مستخدم بكثرة في دوائر الدراسات اللاهـوتية الغربية لتمييز مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يستخدمها المفسر لفهم النص الديني «الكتاب المقدس». وقد بلغت هذه المقاربة التطبيقية إلى مستوى النظرية المنهجية الحديثة على يد الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير Hans-Georg Gadamer (1900/2002م) بعد أن تشبع بنظريات أسلافه مثل شلير ماخر (1843م) و «ويلهلم ديلش» (1833م – 1911) حيث يغدو النص في سياق المنهج الهرمينوطيقي عندهم عبارة عن لعبة يبدأ من المبدع وينتهي إلى المتلقي من خلال وسيط محايد هو الشكل (اللغة). ويرفض غادامير الوظيفة الدلالية للغة مثله مثل هيدغر ويؤكد على أن اللغة لا تشير إلى الأشياء، بل الأشياء تفصح عن نفسها من خلال اللغة. ([22])
لقد روّج نصر حامد أبو زيد إلى ضرورة قراءة النص القرآني ضمن شروط الهرمينوطيقا بتطبيقاتها المنهجية. وحتى تتسنى له المقايسة بين النص والمنهج، فقد جعل ذلك ممكنا من خلال إعادة التعرف على نص التنزيل ضمن شروط المقايسة الجديدة وهي:
استبعاد المحايث النصي (أي كل ما هو خارج النص (علوم القرآن وتفسيره) ليطرحه بين يدي الهرمينوطيقا علامة لغوية بشكلها الفيزيائي (الشفاهي والمكتوب)، والتعامل مع لغته باعتبارها إنتاجاً بشرياً يخضع للمنطق البشري في الإنتاج والتلقي للكلام. وفي أكناف هذه الآلية يتجلّى التنزيل نصا لغويا إبداعيا بامتياز. ([23])
تجريد نص التنزيل من سمات التعالي عن قوانين الزمان والمكان، وإعادة التعرف عليه وفهمه في سياقه التاريخي، وهذا ما يعبّر عنه “بإنتاج الوعي التاريخي العلمي للنص” فالوحي ليس ظاهرة مفارقة للواقع، أو وثباً عليه وتجاوزا لقوانينه، بل هو جزء من مفاهيم الثقافة ينبع من الواقع ويعود إليه ” فالواقع أولا، والواقع ثانيا، والواقع أخيرا. ([24])
القرآن قد تحول منذ لحظة نزوله من كونه (نصاً إلهياً ليصبح نصاً إنسانياً،) لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل، (وهي لحظة الاندماج بين التنزيل والإبداع) وهذه الآلية هي التي تنتظم التشريع، والعقائد والقصص، وتحرك دلالة النصوص وتنقلها في الغالب من الحقيقة إلى المجاز ([25]).
هكذا يحول النص إلى واقع عند نصر حامد أبو زيد.
وهنا يطرح سؤال منهجي ملح وهو: لماذا طبق حسن حنفي المنهج الفينومينولوجي على علم أصول الفقه وأعرض عنه نصر حامد أبو زيد واعتمد على المنهج الهرمينيوطيقي، وهما يستمدان أفكارهما وأدواتهما من مرجعية واحدة وهي: المرجعية الماركسية؟
عندما ألف حسن حنفي من النص إلى الواقع في أواسط الستينات وجعله متشابكا مع بنية الفلسفة الجدلية المادية كان جون بول سارتر قد نقد الجدلية المادية الماركسية في كتابه نقد العقل الديالكتيكي وانتهي تقريبا إلى تقويض بنيته كما فعل جوزيف ستالين من قبله / ولكن حسن حنفي تعمق في تطبيق المنهج الفينومينولوجي غير عابئ بنقد الجدلية المادية.
كان الفيلسوف الفرنسي بول ريكور قد نقض بنية الوعى بالزمان الداخلى وكيفية تأسيسه للموضوعية في المباحث الميتافيزيقية والأنطولوجية وبنى على أنقاضها المنهج الرمزي ودمجه بالمنهج الهرمينوطيقي الذي جدد gadamer مفهومه من خلال فكرة التأويل العرفاني الفلسفي ثم تجاوز به ريكور تفسير الوجود وخصصه لتفسير النصوص فترك نصر حامد أبو زيد المنهج الفينوميولوجي الذي وقع تقويض بنيته ، وتدرع بالمنهج الهرمينوطيقي ليواصل مشروع اليسار الماركسي في تقويض بنية الفكر الإسلامي في كتابه مفهوم النص الذي ألفه سنة 1990 / ولكن الهرمينوطيقا نفسها لم تثبت على تخصيص ريكور بل أخذت منحى البحث عن غاية الوجود الإنساني في الفلسفة الوجوديّة/الأنطولوجيّة خاصة مع مارتن هايدغر فأخذت طريقها للتحوير . من هذا المنطلق ندرك أن نقد القوانين البنيوية للمناهج الفلسفية المستعارة المطبقة على الفكر الإسلامي ليست في حاجة البتة للنقد والتقويض من خارجها لأنها وبكل بساطة تحمل وبذاتها بذور النقد والنقض والتقويض في أطروحاتها كما يبدو جليا في النقد والتجاوز الذي يحدث باستمرار في المدارس الفلسفية الغربية الراهنة.
الجزء الثاني:
الإشكالية الثالثة: هل المناهج التراثية مكافئ فعلي للمناهج الحداثية المعاصرة؟
1- سنبدأ أولا بإبراز نقطة الالتقاء بين جدل النص والمناط إذا سلمنا بأنّ جدل النص والواقع ينبني وفقا للمنهج الظواهري أي الفينومينولوجيا فهذا المنهج يدرس الظواهر من حيث اقترانها بأسباب حدوثها، ويخلص إلى تحديد العلاقة المبنية على أساس العلة والمعلول فإذا فصل في هذه الدراسة بين الذات العارفة وموضوعها وجعل الموضوع هو أصل الحقيقة ( المعرفة يعكسها موضوعها).فهو المعرفة التجريبية التي وضع قواعدها كل من فرانسيس بيكون وجون ستوارت ميل، وأما إذا دامجت الذات العارفة موضوعها أي مدامجة العلل للظواهر حينئذ تحتاج إلى الزمان والمكان دون فصل للذات العارفة عن موضوعها فهنا تتحول الظواهرية إلى مبحث وجودي أي أنطولوجي وهي الظواهرية التي تتماهى مع المناط بوصفه آلية معرفة مدامجة للواقع عبر إجراء النص الشرعي في مجاري الحياة الواقعية المتجددة على الدوام.
لن اعتني هنا بالبنية المعرفية التراكمية للمناط من جهة مفهومه ودلالته وأقسامه أي تخريج المناط وتنقح المناط / والمناط العام والمناط الخاص / فهذه المباحث موجودة ومكررة في كتب أصول الفقه يمكن الاطلاع على تفاصيلها بمجرد الاطلاع على تلك الكتب/ وسنصرف غرض البحث نحو الثمرة المنهجية لإعادة تأثيث علم أصول الفقه بالأدوات اللازمة للقراءة والاجتهاد من أجل تقريبه وتجديده.
سنقتصر في هذا التقييم على نقاط رئيسية وهي:
النقطة الأولى: المناط مبحث أنطولوجيا عيانية وليس موضوع معرفة منطقية غيبية مجردة كما يدعي حنفي وأمثاله بل هو مبحث وجود بآلية في التطبيق. كيف ذلك؟
في منتصف الثاني من القرن الأول للهجرة طغت فكرة الجبر في مجال العقيدة ويرى بعض النقاد أن قضية الجبر هذه كانت حينئذ ظاهرة سياسية اجتماعية لأن معاوية بن أبي سفيان ومَن ورائه من أقطاب الأمويين تدرعوا بفكرة الجبر لتبرير الفساد والاستبداد السياسي الذي طغى على المجتمع والدولة في ذلك الحين، فأدى ذلك إلى ظهور معارضة دينية فكرية سياسية على يد عمرو المقصوص فرسخ فكرة الإرادة الحرة للانسان ومسؤوليته عن فعله وإلا ما كان هناك حساب وعذاب وثواب وجنة ونار .وقام بمثل رأيه معبد بن خالد الجهني وأخذ عنه غيلان الدمشقى، فنكّل بنو أمية بهؤلاء الدعاة الذين قالوا: الحرية مناط التكليف
فكرة الحرية مناط التكليف، فسرت بكون مبدأ حرية الإرادة في الإنسان وقدرته على اختيار أفعاله هي السبب والموجب لتكليفه بالواجبات الشرعية وفي هذا النسق المعرفي تخلى مصطلح المناط عن معناه اللغوي القبلي وهو “التعلق “([26]) واستند إلى مراد اصطلاحي استمده من المنطق البرهاني ومفاده لو أن الله تعالى أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، ولو تركنا هملاً لفقد التكليف معناه، فالإنسان مخيّر ومسؤول عن أفعاله وحريته هي مناط تكليفه . من هنا تحول المراد الدلالي للمناط إلى معنى العلة.
هذا تطور ايتيمولوجي لمصطلح المناط ولكن ليس هو المقصود في هذا المجال بل المقصود هو تحول المناط من مبحث ميتافيزيقي(غيبي) (الجبر والاختيار) إلى موضوع معرفة أنطولوجي أي مبحث وجود من خلال تحول فكرة الاختيار والحرية إلى فعل سياسي حر يفعل بطريقة المعارضة السياسية لاستبداد السلطة والتصدي لها في الواقع المعيش. ولو لا أنّ الفينومينولوجيا العامة المقيدة بالجدلية المادية قد أحدثت تعمية حقيقية لحسن حنفي لأدرك بأنّ مارتن هايدغر فيلسوف القرن العشرين قد بدأ بحثه عن غاية الوجود الإنساني في الفلسفة الوجوديّة/الأنطولوجيّة ابتداء من النتائج التي طبقها عمرو المقصوص ومعبد بن خالد الجهني وغيلان في المباحث العقدية للمناط في النصف الثاني من القرن الأول الهجري.
النقطة الثانية: المناط مبحث أصولي تحول معه اتصال النص بالواقع إلى تفاعل
تحول مبحث المناط إلى علم أصول الفقه بمنهج الاستناد والاستمداد بعد أن اكتسب نضجا حقيقيا في مباحث العقيدة ومباحث علم الكلام. ومن أبز مظاهر نضجه ظهوره في مباحث أصول الفقه عند الشاطبي بالمفهوم التالي: المناط أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله. ([27]) أي ان يثبت حكم لمعنى عام لكن يبقى تطبيق هذا المعنى على الفروع والجزئيات وان اختلفت آحاد تلك الفروع عن بعضها البعض. ومثال ذلك قول الشارع إذا قال: “وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ: (الطلاق: 2) وثبت عندنا معنى العدالة فيبقى البحث عمّن تنطبق عليه العدالة في الأفراد فردا فردا مهما اختلفت مراتب الناس في العدالة. وهو الاجتهاد الذي لاينقطع أبدا.([28]) وفي مستوى التطبيق تعلق المدرك الشرعي بما هو مناط أو علة أو حكمة بمقاصد الشارع وهو المفهوم العميق لمراعاة المصلحة في الواقع وعلى مر الأزمان ورغم اختلاف الأمكنة وهذا موضوع علم المقاصد الشرعية الذي أسسه الشاطبي ضمن مباحث علم أصول الفقه وهو المنهج الرمز الذي نقل الظواهرية العامة والظواهرية الأنطولوجية إلى موضوع معرفة قصدية تطبيقية تفاعلية اتحد في مداراتها النص والواقع لمراعاة المصلحة المعتبرة للناس في تقدير الشارع. وهي ما يمكن أن نطلق عليها اليوم الظواهرية القصدية وفي هذه النقطة يمكن أن نقول بشيء من التحفظ أن هوسرل بدأ بحثه في عمق الفينومينولوجية القصدية انطلاقا مما أسسه الشاطبي في منهجه المقاصدي في علم أصول الفقه.
النقطة الثالثة: اكراهات الواقع/ تمفصلت إكراهات الواقع مع المناط بسماته الظواهرية العامة والأنطولوجية والقصدية في سياقين رئيسيين
إكراهات فكرية مذهبية: كالقول بالتحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة حين تتعارض الأدلة حول التقييم العقلي والتقييم النصي للمصلحة، وفيه قال المعتزلة بتقديم العقل على النص، فأجروا الواقع على النص تماما على النحو الذي اعتنقه حسن حنفي في نظريته من النص إلى الواقع/ ومثله مأزق الأشعرية في إنكار التعليل في الأحكام الشرعية واتصال ذلك الشأن بإجراء الشرع في الواقع فأوقعهم ذلك في تناقض بغيض بسبب تعصبهم لموقف المذهب في القضايا العقدية.
اكراهات الواقع الاجتماعي والسياسي والطبيعي. وهذا الإكراه يتنزل بمثابة الطارئ فيغير العلاقة بين النص والواقع فيمسك النص عن الفعل ويفعل الواقع في النص بفعل الإكراه كإمساك عمر بن الخطاب عن الحدود الشرعية عام المجاعة لأن إكراهات الواقع غلبت على الخلق فأمسك عن اجراء قوانين النص وأجرى بدلا منه قوانين الأزمة.
لئن وقع نصر حامد أبو زيد في التطبيق المسربل بأعلى قدر من الوثوقيّة في المنهج الهرمنيوطيقي بخلفياته الإيديولوجية كما يتمثلها
بول ريكور وجادامير، فإنّ حسن حنفي قد استعار منهجه النقدي وبرره بفكرة تقارب الحضارات في المناهج والموضوعات، وهيمنة الحضارة الأقوى، حين تصبح الحضارة المبدعة، وغيرها من الحضارات السابقة عليها خاوية من أي إبداع، وغيرها من الحضارات التالية متأثرة بها وامتدادات حضارية لها خارجها عند غيرها ([29])
في عمق هذه الخطوط الفكرية المتقاطعة تجلت إشكاليات كثيرة غاية في الأهمية لعلّ من أهمها سؤال الفلسفة الإسلامية المعاصرة وهو هل ينحصر التقليد في أخذ التراث فقط؟ أوليس الأخذ الوثوقي الشامل عن الآخر دون مراعاة الفروق في الفكر والثقافة والعقيدة واللغة تقليدا؟ أو ليس المقلّدون القدماء هم التراثيون (les traditionalistes) والتقليديون الحداثيون هم النّقلة او المقلدون الجدد: (les imitateurs)؟ لماذا أخذ المعاصرون من نقاد الفكر الإسلامي مشروع الحداثة ولم يأخذوا مشروع نقد الحداثة؟
ألم يتساءل المفكر الإسلامي طه عبد الرحمن حول مشروع تأسيس الحداثة الإسلامية؟ وخاصّة حول ركنيها الأساسيين الاستقلالية والإبداع؟ ([30])
أو ليس المجتمع المقلّد للإبداع يعدّ فاقدا لشرط الاستقلال المحدد لهوية الرشد فيه، هذا المعنى يكشف عن أزمة الاستقلال المقلّد الذي يحتوى الإبداع في أمّتنا الإسلامية في واقعها الراهن، ويتجلى ذلك من خلال معرفة ” أنّ وضعنا في التفكير ليس وضع من يفكر بنفسه لنفسه، وإنّما وضع من انصاع بإرادته أو بغير إرادته إلى وضع من يتولى غيره التفكير له، فتنازل عن التفكير لهذا الغير سواء تقاعسا وجمودا بالظنّ أنّ هذا الآخر يفكّر لمصلحتنا فيكفينا مؤنة التفكير لأنفسنا، أو انبهارا وانصياعا بسائق كون الغير يفكّر لنا خيرا مما نفكّر لأنفسنا، أو بدعوى أنّه يمدّنا بأفكار لانقدر نحن على بلوغها.([31]) وهذا الأمر أوقع الأمّة تحت وصاية فكرية كرسها المستعمر ردحا من الزمن وتسلّم عنه مفكّرو الحداثة نفس المشروع في دور الاستقلال المقلّد الذي عمد إلى هدم ما قدّمه تفكيرنا لنا في الماضي، وربط تقدمنا وازدهارنا راهنا ومستقبلا بما يفكّر به غيرنا لنا. وهكذا يتبلور مفهوم الرشد كبديل وعي وامتياز وإبداع في معنى الاستقلال الذي يعني ضرورة الخروج الفوري والحاسم عن المسلّمات الخفيّة التي انبنى عليها تطبيق الغرب للاستقلال المقلّد على الامّة الإسلامية واستعارها دعاة الحداثة التغريبية في طروحات الفكر الحداثي المعلمن في العصر الراهن.
أمّا ركن الإبداع فهو: النهوض بالتفكير الايجابي بأنفسنا ولأنفسنا (حرية بحث مستمر) في إطار الاستقلال المراد في هذا المعنى. وهذا الشرط لا يلغي الالتقاء أو التكامل العلمي والمعرفي مع الآخر إذا كان المؤسس الحقيقي للتفكير هو الأمة ذاتها بمعزل عن الآخر.
وإزاء هذا القدر الهائل من تحفيز الذات على الإبداع كبديل إجرائي للتقليد الجامد يتراءى لي التحفيز على الوعي بنفس القدر أيضا، لأنّ المناهج والأفكار المعاصرة بدأت تحاصر الإنسان من كل ناحية من أجل إعادة صياغة وعيه بالكيفيات والمقادير والأساليب التي تتوخاها الجهات المنتجة لتلك المناهج والأفكار، والخطر كل الخطر يكمن بجلاء في كون من سيحقق إعادة وعي الإنسان المعاصر هو الذي سيعيد بناء المشروع الحضاري الكوني في المستقبل فأين سيكون موقعنا من هذا كله؟
أمّا فيما يخص إنسانية العلوم وضرورة الأخذ والعطاء في العلم والمعرفة بين الأجناس الإنسانية قاطبة فهذه بديهية ولا تدخل تحت طائل الإشكاليات التي نطرحها في هذا الإطار لأن أمّة الإسلام كانت ولاتزال وستظل تتفاعل مع كل الأمم والشعوب في العلم والمعرفة والثقافة والعقيدة والنظم والمناهج بقدر متوازن في الأخذ، مع إجراء اكبر قدر ممكن من الغربلة والتنقية والمراجعة والتمييز، وهذا هو منهج الأمّة الذي يمثل العنوان الحقيقي للتأثر و التأثير الواعي للفكر والعلم، لانّ المقاومة الذاتية للتلبس بكل ما أنتجته الحداثة الغربية من أفكار وفلسفة ومناهج يحجب النظر عمّا انتجته الفلسفة وعلم اللسان الوافدين من الشرق وهي محاولات لها موقعها اليوم في النقد وتجديد المناهج ، ويكفي القارئ المسلم أن يلفت انتباهه إلى الأعمال الهامة للمفكرين الشرقيين حول القرآن الكريم ولآلية فهمه، ومن بينها مشروع البحث والتأسيس لعلم الدلالة الإسلامي الذي انجزه المفكر الياباني توشيهيكو إزوتسو، وعلى مرافئه ظهرت محاولات المدرسة الإسلامية المعاصرة التي ابتدأت التأسيس لعلم التخاطب الإسلامي ومن أبرز روادها محمد محمد يونس علي وثلة معه من علماء اللسان العرب المسلمين وغيرهم من الباحثين المعاصرين في هذا المجال .
—————————— ——————-
[1] – انظر مشروع قراءة محمد أركون للفكر الإسلامي من خلال : الفكر الأصولي واستحالة التأصيل و من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ونحو نقد العقل الإسلامي وغيرها من مؤلفاته
[2] – انظر مشروع نقد العقل الإسلامي عند محمد عابد الجابري : تكوين العقل العربي و بنية العقل العربي ونحن والتراث و التراث والحداثة وغيرها من كتبه
[3] – حسن حنفي : من النصّ إلى الواقع : 2/37
[4] – حسن حنفي : م ، ن : 2/ 12/16
[5] – حسن حنفي : م ، ن : 2/ 47/71/93/94/137/…
[6] – حسن حنفي : من النص إلى الواقع 2/7
[7] – الفينومينولوجيا أو الظاهراتية منهج فلسفي وصفي يحاول البحث في المشكلات الغيبية (الميتافيزيقية) ومباحث الوجود” الأنطولوجيا) المتعلقة بالنظرية القصدية في أفعال الفكر والشعور ومراتب وحالات الموضوعات التي تتجه إليها الظواهرية القصدية.
[8] – إدموند هوسرل فيلسوف ألماني (1859/ 1938) ومؤسس الظاهراتية.
[9]- سماح رافع محمد, الفينومينولوجيا عند هوسرل (دراسة نقدية في التجديد الفلسفي المعاصر), دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ، سنة 1991ص 67.
[10] – ادموند هوسرل , أزمة العلوم الاوروبية و الفلسفة الترانساندانتالية (مدخل الى الفينومينولوجيا ) , ترجمة اسماعيل مصدق , مرجعة جورج كتورة المنظمة العربية للترجمة , بيروت , لبنان , الطبعة الاولى , يوليو سنة 2008, ص
[11] – ادموند هوسرل : م ، ن : المقدمة وما يليها.
[12] – تيسير شيخ الأرض : ترجمة نصوص هوسرل بعنوان : المدخل إلى الفينومينولوجيا ، دار بيروت للطباعة والنشر ، بيروت لبنان، 1958.
– سماح رافع محمد ، الفينومينولوجيا عند هوسرل (دراسة نقدية في التجديد الفلسفي المعاصر) ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد، سنة 1991ص : 13
[13] – حسن حنفي : التراث والتجديد : المقدمة وما يليها
[14] – حسن حنفي : التراث والتجديد : 46 ، 176.
[15] – ادموند هوسرل : أزمة العلوم الأوروبية و الفينومينولوجيا الترنسندنتالية ، ترجمة اسماعيل المصدّق ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ن لبنان 2008 : ص39/41/63/453/471.
[16] – حسن حنفي : من النص إلى الواقع 2/ 10
[17] – حسن حنفي : م ، ن : 2/102
[18] – حسن حنفي م ، ن : 2/103
[19]- Jean – Paul Sartre: Being and Nothingness. An Essay in Phenomenological Ontology. Translated by Hazel Barnes (London: Methuen, 1977), P. 71
[20] – جان بول سارتر : تعالى الأنا موجود. ترجمة وتقديم وتعليق حسن حنفى. دار التنوير، بيروت 1982، ص 51، 71 -72، 80.
[21] – حسن حنفي : التراث والتجديد : 37
[22] – . H.G.Gadamer, Langage et vérité, Paris, Gallimard, 1995. ) Les grandes lignes d’une herméneutique philosophique (
– مقال للباحث مهنانة اسماعيل بعنوان –نشاة الهيرمينوطيقا في فكر مارتن هيدغر,دورية جامعة منتوري قسنطينة , الجزائر .ص 150/154
– Mohammed Chaouki ZINE, “Critique et herméneutique vs archéologie et déconstruction”, conférence prononcée au Palais de la culture et des arts, Oran, Algérie, 17 juillet 1996.
[23] – نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص : ص193، ط/بيروت-الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1990م.
[24] – نصر حامد أبو زيد : م ، ن : دراسة في علوم القرآن ص38 / 56 .
نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة،ص 11، ط/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، 2004 م. محمد عابد الجابري : مدخل إلى القرآن الكريم : ص 259 . محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1987) ص 116.
[25] – نصر حامد أبو زيد، نقد الفكر الديني، ص82 /83 /84 /94 /189 ط/ دار سينا للنشر القاهرة ، 1992
[26] – يعود هذا إلى الحديث النبوي: الذي أسس المفهوم اللغوي للمناط، وهو الحديث الذي رواه أبو واقد الليثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة حين توجه لقتال هوازن والطائف فخرج إلى حنين ومعه جموع المسلمين، فمروا على شجرة يقال لها ذات الأنواط، الأنواط : جمع نوط ، وهو كل شيء يعلق ، وذات الأنواط هي الشجرة بعينها كان المشركون ينوطون بها سلاحهم أي يعلقونه بها، ويعكفون حولها، فسألوه أن يجعل لهم مثلها، فنهاهم عن ذلك.
[27] – ابو اسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي : 672 هـ الاعتصام : 1/146/148/ – 2/ 48/92.
[28] – الشاطبي : الموافقات : 5/12
[29] – حسن حنفي : من النص إلى الواقع 2/ 9 ، نقل هذه الفكرة عن :
La phénoménologie de l’Exégèse essai d’une Herméneutique existentielle à partir du nouveau testament, Paris 1966 Dae elfikr al Arabi le Caire 1987

[30] – طه عبد الرحمن : روح الحداثة، مدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلاميّة : ص36
[31] – طه عبد الرحمن م، ن : ص36

اترك ردا