حتى لا نفقد الأمل .. حسن محمد أحمد محمد

د. حسن محمد أحمد محمد: جامعة أم درمان الإسلامية – كلية الآداب – قسم علم النفس

لم يكن يدري ما الذي يخبأه له القدر في يوم من الأيام ، والأيام تمضي متسارعة والعمر يجري وتتساقط لحظاته كأوراق الشجر الذاوية أو كالماء يفر متسللاً من بين الأصابع دون أن يشعر به . لم يكن يدري أن الأمر سينتهي به إلى أن يصبح سجيناً حراً ، إن الأمر محير بكل تأكيد ، بل وفي غاية الغرابة كيف للإنسان أن يصبح سجيناً أو حبيساً وفي ذات الوقت يكون حراً طليقاً ، ولكنها الحقيقة التي لا يمكنه أن يخفيها مهما حاول أن يداريها ، فهي واضحة كوضوح الشمس في رائع النهار .
نشأ في أول حياته كفرخ النسر في عشه المبني فوق قمة الجبل فالنسور لا تألف العيش في السفوح ولا في الأعشاش الصغيرة التي تبنيها العصافير الصغيرة أو الطيور الضعيفة ، ومن ألف العيش على القمم لا يمكنه أن يتوافق أو يتلاءم مع السطح أو حتى السفح إنه يريد القمة دائماً وأبداً ولكن الدهر يأبى له ذلك فيجعل منه سجيناً حراً ، عندما يقيده بسلاسل لها نعومة الحرير وصلابة الحديد لا يستطيع الفكاك منها ولا الخلاص فهو كثور الساقية أو كحجر الرحى كلاهما يملك القوة والصلابة ولكنه لا يملك شيئاً من الإرادة ليوازي بها القوة التي يمتلكها ، كأن الدهر يسخر منه يعطيه ويسلبه يمنحه ويمنعه في آن واحد ، أليست هذه هي السخرية بعينها ؟؟ ألا ترى كيف يعبث الدهر به ويسخر منه ؟! يعطيه القوة ويسلبه القدرة على الحركة ، ويمنحه الحياة ويمنعه من الاستمتاع بمباهجها، فهو يسخر منه في كل حين وآن .
ها هي المحطات تتوالى محطة إثر أخرى وقطار العمر كالسهم المنسلط يجري على القضبان إلى أين ؟؟ لا أحد يدري فكل ما يدريه أنه يدور ويدور ولا يزال يراوح مكانه ؛ لأنه لا يملك من أمره شيئا
إلى متى ؟؟ لا علم له ، هل سينتهي به الأمر هكذا ؟؟ سؤال يولد آخر وسؤال يولد أسئلة وهو لا يملك له إجابة واضحة عن أيٍ منها.
لكنه برغم تتابع السنوات وتواليها المتسارع إلا أنه لم يزل يحلم بالعودة إلى تلك القمة التي هبط منها قبل سنوات خلت لا يعلم لها عددا ، ولكن الحلم وحده لا يكفي إذ لا بد من الإرادة ، والإرادة لا تكفي إن لم تكن قوية ؛ لأن الحياة الحرة لم تخلق للضعفاء ، وإنما للأقوياء من ذوي الطموح العالي والقدرة على الخلق والإبداع والابتكار، الذين يدركون كيف يجابهون قوة الحياة بعنفوان إرادتهم فيحطمون سلاسلها بصلابتهم التي مكنتهم من انتزاع فرصتهم من بين فكي الأسد وبراثنه ، ولسان حالهم يلهج بقول الشاعر :
ملكت من الدهر فرصة ما * استرقها مفتول الذراعين أغلب
فلم تملك الحياة أن تمنعهم من الفوز بما انتزعوه منها غلابا ولم يستجدوها ويستعطفونها كالأطفال والضعفاء فاستسلمت لهم وانقادت لسلاسلهم ؛ لأنهم لم يعرفوا الاستسلام والركون للضعف طوال حياتهم ؛ لأن :
من يهن يسهل الهوان عليه * وما لجرح بميت إيلام
كما أنهم لا يتوسلون ولا يعرفون الشكوى ، فذلك هو أسلوب العاجز الضعيف ، أما القوي فالأمل هو حاديه وقائده الذي يتغنى فيردد الأبيات التي تبعث في النفس الأمل :
لا أعرف الشكوى الذليلة والبكا * وضراعة الأطفال والضعفاء
ولا ألمح الظل الكئيبة ولا أرى * ما في قرار الهوة السوداء
فالحياة لا تنقاد بغير القوة ، والقوة هنا ليست قوة الجسد فكثير من الكائنات تملك من القوة أضعاف ما يملك الإنسان ولكنه يسيطر عليها وطوعها كيف يريد . ما المقصود بالقوة إذاً ؟؟ المقصود بالقوة هنا قوة العزيمة والإصرار وقوة الإرادة التي لا تلين ولا تعرف الهزيمة مهما توالت أو تتالت الهزائم ، إذ لا بد للإنسان من أن ينهض من كبوته فلكل فارس هفوة ولكل جواد كبوة. وعليه أن يتمسك بحبال الأمل ويتشبث بها بقوة ، فالأمل هو نور الإيمان الذي يشع في القلب والنفس فيخلق في الإنسان حب الحياة ، فلا حياة بلا أمل ولا أمل بلا عمل هكذا هو حال الإنسان في هذه الحياة ، فهو مفطور على الأمل والطموح والعمل ، وليس على القنوط واليأس يقول ربُّ العزة ـ جلَّ وعلا ـ : (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (الحجر:56) ، ويقول : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53) .
فاليأس هو العدو الأوحد الذي يقتل الطموح ويميت في النفس حب الحياة ويطفئ نور الأمل الذي ينبعث في القلب متوهجاً كالنار المشتعلة ، فعليك أن تستضئ بنورها ولا تحترق بلهيبها .
دخل رجل على الأديب الإيرلندي برنارد شو وكان شو قد تجاوز التسعين من عمره ، وأخذ الرجل يخوض في أحاديث كثيرة لا طائل منها ولا فائدة . فقال له شو : هل لديك غرض محدد من زيارتك لي ؟؟ فقال الرجل : إنما أردت أن أسري عنك في وحدتك . فقال له شو : إذن قم ودعني فلدي الكثير من الأعمال التي أريد أن أنجزها . إنه الأمل الذي لا ينتهي والطموح الذي لا يعرف الهدوء أوالركون إلى الدعة والراحة عند من عرف قيمة الزمن ، فلم يهدره دون فائدة مثل ذلك الرجل الذي جاء ليضيع وقته ووقت غيره من الناس ، وأمثاله كثر حتى أن الأرض لتضيق بمثلهم أحياءاً وأمواتاً . ولكن أصحاب الهمة العالية والطموح الذي علو من الثرى و يرتقي إلى ما فوق الثريا قليلون جداً ، فهم كالنجوم المضيئة والمصابيح المشتعلة ليهتدي بها ذوو العقول وأصحاب البصير النيرة الذين أنعم الله عليهم وخصهم بهذه النعمة من بين الكثيرين من الخلق ، وإن كانوا قد فقدوا نعمة البصر كالمعري وطه حسين والآنسة هلين التي كانت تعاني من عدة عاهات (العمى الصمم والخرس ) إلا أن الله قد وهبها القدرة الإبداعية فخلدت اسمها على صفحات التاريخ بأحرف من ذهب خالص لا تطمس ، وقد انطبق عليها قول شاعر العربية الفحل أبو الطيب المتنبئ الذي يقول فيه :
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت * ويبتلي الله بعض الناس بالنعم
لقد أنعم الله أنعم على أمثال أولئك بنعمة البصيرة فاستعاضوا بها عن نعمة البصر ، التي استمتع بها الكثيرون غير أنهم قد حرموا من نعمة البصيرة تلك الملكة التي إن استطاع الإنسان أن يحصل عليها لاستطاع أن يرى ما لا يره غيره من المبصرين المحجوبين عن النظر إلا لما هو موجود ومحسوس ، يقول تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46) . وكان رسولنا الكريم ـ عليه أفضل صلاة وأتم تسليم ـ يقول : (اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله ) وقد روي أن رجلاً دخل على سيدنا عثمان بن عفان (رض) في خلافته وقد ملأ عينه من إمرأة مرَّ بها فقال له سيدنا عثمان (رض) : أيدخلن الرجل عليَّ وأثر الزنا في عينيه . فما كان من الرجل إلا أن قال : أوحي بعد رسول الله ؟؟ وأخبر سيدنا عثمان بالقصة . ولا ننسى في هذا المقام قصة سيدنا عمر بن الخطاب (رض) مع سارية (رض) حينما كان يقاتل في العراق وعمر بن الخطاب (رض) يخطب بالمدينة فقطع خطبته وقال : ( يا سارية الجبل) ، ثم واصل خطبته فلما سأله القوم قال لا أدري ولمنه قول أجراه الله على لساني ، ولم يقل لهم إنها البصيرة النافذة التي تخترق الحجب والأستار لترى ما لا يراه الآخرون . ولكن سارية قد سمع مقالة عمر (رض) ـ التي ربما لم يسمعها بعض اللذين كانوا بالمسجد ـ واحتمى سارية بالجبل فانتصر على العدو . وقد أخبر سارية بهذه القصة بعد عودته من المعركة ؛ فكانت تصديقاً لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (اتقوا فراسة المؤمن …).لقد أنعم الله علينا بنعم لا نحصيها (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34).

اترك ردا