لا دولة دون قانون … محمد فتحي رزق الله

د. محمد فتحي رزق الله: مدرس القانون الخاص – جامعة الأزهر

القانون في معناه اللغوي يفيد الإستقرار والثبات والإستقامة، وفي معناه الإصطلاحي فهو لا يبتعد عن ذات المعني اللغوي، فمثلا القانون في عرف العامة من الناس يعني السلطة التي تحكم البلاد ،وتقوم علي تحقيق الاستقرار المجتمعي. والقانون في علوم الطبيعة يعني القواعد التي تدل علي وضع مستقر وثابت ،كقانون الجاذبية الذي يقضي بانجذاب الأجسام وسقوطها علي الأرض بشكل مطرد وثابت كلما ألقيت في الفضاء ، وقانون الكون الذي يدل علي استقرار وانتظام وثبات حركة الكواكب ،وتعاقب الليل والنهار بشكل فيه استقرار.والقانون في العلوم القانونية يعني القواعد التي تنظم علاقة الافراد بعضها ببعض، وتنظم أيضا علاقة الأفراد بالدولة بالشكل الذي يعطي كل ذي حق حقه، بما من شأنه أن يحفظ للبلد استقراره وثباته.
وعلي ماهو معروف في الدراسات القانونية والسياسية أنه القانون يتميز بكونه قاعدة عامة التطبيق.فهو لا يفرق بين الأشخاص عند التطبيق عليهم بحسب رتبهم الوظيفية،أومكانتهم الاجتماعية.كما لا يطبق علي شخص دون آخر بحسب قربه،أو قرابته من المسئول،من عدمه.أما أن توجد داخل كل فقرة قانونية نص استثنائي عند التطبيق،فهذا هو عين البلاء،ومنبع الفساد،ومصدر الإفساد.
فتغيب القانون ،ووضع العديد من الاستثناءات داخل نصوصه،ينتهي بالمجتمع إلي حال من الفوضي،تنهار معها هيبة الدولة،ويتحول الناس بسببها علي حد تعبير العلماء،إلي جموع غضبي،منهم من يكظم غيظه،ومنهم من ينفجر.إن حالة التسيب التي تعيشها البلاد،ليس لها نظير،لا في المجتمع المدني،ولا في المجتمع القبلي العشائري.
ففي المجتمع الغربي،نجد القانون سيف مسلط فوق رؤس الناس،بشكل فعال،ويمكنك بمجرد تليفون أن تستدعي الشرطة إذا مارفع جار لك صوت المذياع ،بعد العاشرة مساءً.وفي المجتمعات المتحولة،كبعض دول الخليج مثلاً،لا تجرؤ علي مجرد تخطي إشارة مرور،ولو كنت وحيداً في الشارع،خوفاً من بطش القانون بك،بسيفه العنيف الحاسم،الذي لا يفرق.
أما في مصر،وعلي ماأشار إليه الدكتور هشام الحديدي،علي لسان الأستاذ الدكتور حسام موافي،أستاذ الباطنية،بطب القصر العيني،فقيمة الشخص ومنزلته ووجاهته،تتحدد بالمدي الذي يستطيع أن يذهب إليه في مخالفة القانون،وتحطيمه،كالوقوف في الممنوع،والسير في الاتجاه المعاكس،والاستثناء من اللوائح،والوصول بعد الموعد،والدخول من الأبواب المغلقة،حتي صارت هذه المخالفات،وأشباهها،مادة للتباهي والتفاخر،حتي صار الخروج علي القانون كالسيجار الكوبي.
إذا أردنا دولة قوية،فعلي الجميع دون استثناء احترام القانون،بكل أنواع قواعده(الدستور،والقانون العادي،واللوائح).إذا أردنا دولة قوية،فلابد من حساب رادع لكل من يتجرء علي القانون كائناً من كان.إذا أردنا دولة قوية فلابد من مضاعفة العقوبة علي المسئولين ،وأقرباء المسئولين، والقائمين علي تطبيق القانون إذا خرجوا علي القانون،بحسبانهم أولي الناس باحترام القانون،وعليهم أن يكونوا قدوة لغيرهم من العامة.
لقد وضع الإسلام قواعده الصارمة لمن يخترق القانون العام،الذي ينظم البلاد.ففي قصة عملية،لامرأة من بني مخزوم سرقت،وأراد البعض من قريش أن يشفع فيها عند رسول الله،فماذا حدث؟ شاهدوا ماحدث بأعينكم،من تلك الرواية التي تقصها أم المؤمنين عائشة،رضي الله عنها،علي النحو الذي أورده الإمام البخاري في الصحيح،..” عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَ (أسامة) رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»
فليعلم القائمين علي أمر البلاد ،وكما قال الوزير الفارابي في السياسة،أَن كثيرا من الْفِتَن تهيج بشكاية الضُّعَفَاء وحقد الْأَغْنِيَاء وَيجب أَن يتَنَاوَل الرئيس مَا بعد مِنْهُم من السياسة وَالْعدْل بِمثل مَا يتَنَاوَل بِهِ الْقَرِيب أَوأَكثر وَلَيْسَ بسائس من خص بحزمه بعض ملكه، فبهذه وحدها تقوي البلاد،وتنهض،وإلا فلا دولة محترمة دون قانون يُحترم .

One thought on “لا دولة دون قانون … محمد فتحي رزق الله”

اترك ردا