كن كشجرة الصندل … حسن محمد أحمد محمد

حسن محمد أحمد محمد: جامعة أم درمان الإسلامية – كلية الآداب – قسم علم النفس

قال ـ عليه أفضل صلاة وأتم تسليم ـ : (يا علي كن شجاعاً فإن الله يحب الشجاع ، وكن سخياً فإن الله يحب السخي ، وكن غيوراً فإن الله يحب الغيور. يا علي وإن إنسان سألك حاجة ليس بأهل لها فكن أنت أهل لها) . لقد أوتي رسولنا الكريم ـ عليه أفضل صلاة وأتم تسليم ـ مجامع الكلم فكأنما يتحدر من فيه الدر في هذه الوصية التي حوت صفاتاً من النادر أن تجتمع في امرئ من الناس غير الرسل ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ ، غير أن ثمرة هذه الوصية تكمن في العبارة الأخيرة (وإن إنسان سألك حاجة ليس بأهل لها فكن أنت أهل لها) يريد ـ عليه أفضل الصلاة وأتم التسلم ـ أن يقول لنا : أن نعامل الناس بما نحن أهل له من حسن الحلق.
يقول ارسطاطاليس في رسالة بعث بها إلى الإسكندر الأكبر يقول فيها : (… واعلم أن الأيام تأتي على كل شئ فتخلقه (تبليه) وتخلق آثاره ، وتميت الأفعال إلا ما رسخ في قلوب الناس , فادع قلوبهم محبة آبدة تُبقي بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشرف آثارك ).
فإذا كان في وسعك أن تسدي معروفاً إلى أي شخص ـ مهما كان ذلكم الشخص ـ أو أن تمد له يد العون فلا تتقاعس عن تقديم ما تملك من عون ولا تتوانى عن المساعدة ، فإنك إن لم تفعل فسيلحقك العار الذي سيطاردك إلى أبد الدهر ويتوارثه عقبك من بعدك فالخير كل الخير أن تساعد الناس وأن تعين ذا الحاجة ؛ لأن الخير لا ينبت خيراً أينما زرع ، فالشاعر العربي أبو تمام يقول :
كريم إذا ما جئته للعرف طالباً * حباك بما تحتوي عليه الأنامل
فلو لم يكن في كفه غير نفسه * لجاد بها فليتق الله سائله
وقال آخر :
ما قال لا إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاؤه نعم
ولا تندم ـ في يوم من الأيام ـ على معروف صنعته يداك للآخرين ، فالشاعر يقول :
ازرع جميلاً ولو في غير موضع * ما ضاع جميل أينما زرع
ولا تنتظر ثواباً من أحد سوى الله ـ العلي القدير ـ الذي يضاعف لك الجزاء أضعافاً مضاعفة أليس هو القائل : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:245) ، وهو القائل : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261) .
ويذكرني البيت السابق ببيت من أروع ما قرأته في الشعر العربي كله ، بيت للشاعر العربي المخضرم الحطيئة ، جمع فيه كل خصال الفضيلة من مكارم الأخلاق حيث يقول :
من يصنع الخير لا يعدم جوازيه * لا يضيع المعروف بين الله والناس
ألا ترى معي ـ أيها القارئ الكريم ـ أن هذا البيت قد حوى كنزاً زاخراً من كنوز المحبة والعطف ؟؟ أليس في البيت ما يدعوك إلى التدبر والتأمل والتفكر في المعني الذي اشتمل عليه هذا البيت ؟؟ إنك إن تفحصته بتأن ووعيت ما فيه فستجد بين حروفه وكلماته دعوة صريحة لفعل الخير بكل ما تضمنته الكلمة من معاني الحق والفضيلة . إن الحطيئة لم يجانب الصواب ولم يبعد عن الحقيقة حين قال (من يصنع الخير لا يعدم جوازيه) أي أن الذي يصنع المعروف لا يعدم أحد أمرين : إما أن يشكره الناس على ما صنع ويجد الثواب من الله ، وإما أن يجد الثواب من الله وحده يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وفي كلا الحالين هو الفائز ، ثم أكمل بقوله (لا يضيع المعروف بين الله والناس) ليؤكد ما قاله قي صدر البيت وهو أن من صنع المعروف إما أن يجد الجزاء من الناس في الدنيا وإما أن يجده من الله في الآخرة ، ـ هذا أمر لا ريب فيه ـ وقد يجتمع له الأمران معاً .
أما إن لم يجد الجزاء من الناس فحسبه من ذلك ما قاله أحد الشعراء في الصبر على أذى الآخرين في الحياة الدنيا ليجد الثواب ـ الذي لا يدانيه ثواب ـ عند الله (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:89 ,88) .
فليتنا نستطيع أن نحاكي شجرة النخيل تلك الشجرة المباركة ونتمثل بها في جميع سلوكنا ، فنكون كما قال الشاعر:
كن كشجرة النخيل ترمى * بالحجر فترمي بأطيب الثمر
إن أروع شئ في هذا الوجود هو العفو عند المقدرة ؛ فإذا كان في مقدورك أن تمنح السعادة للآخرين بأن تعفو عن زلاتهم وتتجاوز عن هفواتهم فلا تتوانى عن فعل ذلك ، وتحضرني في هذا المقام مقولة لأحد خلفاء بني العباس يقول فيها : (لو علم الناس ما نجده من لذة في العفو لتقربوا إلينا بالخطايا) . وهذا الخليفة يذكرني بقول القائل :
يخاطبني السفيه بكل قبح * وأخشى أم أكون له مجيبا
يزيد وقاحة وأزيد حلماً * كغصن زاده الإحراق طيبا
ومن المشهور في التاريخ أن الإسكندر قد صنع ملكاً لا يدانيه ملك من حيث الفخامة والضخامة فسئل الإسكندر يوماً عن سر ذلك النجاح : ما أكبر ما شيدت عليه ملكك ؟ قال : ابنداري إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم . لقد صنع الإسكندر ملكه بأمرين : صناعة الرجال ، وهو يعني بذلك تربيتهم وتنشئتهم منذ الصغر فهو يتعهدهم ويتخولهم بالرعاية والإعداد حتى يصير عدته التي يستند عليها في ملكه . أما الأمر الثاني فهو الإحسان إليهم بأن يعلي من شأنهم ويرفع من قدرهم ، فلا يتحولوا عنه ولا يطمعوا في شئ من ملكه .
وتمر بخاطري في هذه الساعة قصة رويت عن الإمام أبي حنيفة النعمان الذي كان يسكن ببغداد بجوار رجل سكير عربيد ، كان يأتي كل ليلة وقد ارتوى من الخمر ، وكان أبو حنيفة قد اعتاد على سماع صوته وهو يتغني بأبيات يقول في أولها :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
وفي إحدى الليالي افتقد الإمام أبو حنيفة ذلك الصوت ، فلما سأل عنه عرف أن رجال العسس (الشرطة) قد أمسكوا به ، فما كان منه إلا أن ارتدى قفطانه ـ الذي كان يعده للمناسبات الكبيرة فقط ـ وتوجه من فوره إلى رئيس الشرطة باحثاً عن جاره الذي لم يكن يعرف عنه حتى اسمه ، ولكن رئيس الشرط ـ إكراماً لأبي حنيفة ـ أطلق جميع من ألقي القبض عليهم في تلك الليلة ، فعاد أبو حنيفة وجاره معه وهو يقول له : وهل أضعناك يا فتى ؟ فتاب الرجل من فوره واستمسك بفضائل الأخلاق ؛ وكأن لسان حاله يقول :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب للمحب مطيع
فانظر كيف صنعت مكارم أخلاق أبي حنيفة النعمان بالرجل السكير العربيد لقد صنعت منه رجلاً آخر محباً للفضيلة وأهلها مبغضاً للرزيلة وأهلها . ويذكرني هذا الحديث بقول رسولنا الكريم ـ عليه أفضل صلاة وأتم تسليم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ويكفيه فخراً (عليه أضل الصلاة وأتم التسليم) أن مدحه ربُّ العزة ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه العزيز فقال : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) . وكيف لا يكون على خلق عظيم وهو الذي دعا إلى كل فضيلة ونهى عن كل رزيلة إنه حقاً المتمم لمكارم الأخلاق وكفى .
إن السعادة كل السعادة قد اجتمعت لرجل يقوم بقضاء حوائج الآخرين ، ويعمل بجد واجتهاد على إسعادهم ومساعدتهم بكل ما يملك من مال ووقت وجهد وفكر لا يكل ولا يمل سباق إلى عمل الخير ومواظب عليه لا يتخاذل ولا يتكاسل ، حتى في أحلك الأوقات وأقسى الظروف . وقد حضنا رسولنا الكريم ـ عليه أفضل صلاة وأتم تسليم ـ على فعل الخيرات فقال : (كان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ) ، وقال أيضاً (إن لله رجالاً اختصهم بقضاء حوائج الناس) ، لابد أن هؤلاء الرجال يجدون لذة ما بعدها لذة يقومون بهذا العمل سراً يخفونه عن أعين الناس حتى عن أقربهم إليهم ؛ وذلك حتى لا تعلم شملهم ما صنعت يمينهم ، يرجون ثواب الآخرة . أيم من أمثال هؤلاء أولئك المماطلون الذين لا يوفون ما أوكل إليهم من أعمال حقها وإنما يعطلون مصالح العباد دون أي عذر ، ألا يعلم أمثال أولئك النفر أنهم بذلك إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون يوم القيامة سعيرا ؟؟ . حمانا الله وإياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم .
وفي الختام رأيت أن أختار بعض الأبيات التي تنضح بالتفاؤل وحب الخير للنفس وللآخرين ، وهي من قصيدتين نظمهما لنا الشاعر المتفائل الذي فطر على حب الحياة إيليا أبو ماضي ، والأبيات خير ختام لمثل هذا الكلام :
إني إذا نزل البلاء بصاحبي * دافعت عنه بناجزي وبمخلبي
وشدت ساعده الضعيف بساعدي * وسترت منكبه العري بمنكبي
وأرى مسائه وكأني لا أرى * وأرى محاسنه وإن لم تكتب
وألوم نفسي قبله إن أخطأت * وإذا أساء إليَّ لم أتعتب
وقال أيضاً في قصيدته : كن جميلاً ترى الوجود جميلا
إن شر الجناة في الأرض نفس * تتوقى قبل الرحيل الرحيلا
وترى الشوك في الورود وتعمى * أن ترى فوقه الندى إكليلا

اترك ردا