الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية بين طرح اتشيبي ونغوغي … عادل خالدي

عادل خالدي: طالب دراسات عليا بمعهد الدوحة للدراسات العليا بدولة قطر

مقدمـــة:
قامت فرنسا عام 1930، باحتفالية كبيرة بمناسبة مئوية احتلال الجزائر، قامت خلالها بعرض عدد من الروايات الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية، على غرار رواية قايد بن الشريف” أحمد بن مصطفى القومي”، لتقوم بتسويق نفسها للعالم كونها استطاعت أن تنجح في تحضير المجتمع الجزائري – من الحضارة- وأصبح بإمكانه أن ينتج مادة معرفية ممثلة في الرواية، هذه الدعاية الإعلامية كانت تتماشى مع أحد أهم مبررات المشروع الكولونيالي، والذي يَعتبر العمل الاستعماري فعل حضاري، يهدف إلى تمدين الآخر. هذه الفكرة أخرجت لنا عددا من الإشكالات الفكرية ولعل أبرزها لماذا نكتب بلغة المستعمِر؟ لو تناولناها في ظل السياقات الاستعمارية قديما، أو التساؤل لماذا نكتب بلغة الآخر؟ لو تناولنا السياقات الفكرية الحالية، وستتناول هذه الورقة الاتجاه الأول أي لغة المستعمِر، وجدوى اعتمادها خاصة في الرواية الجزائرية، ما بين طرح شينوا اتشيبي وطرح نغوغي واثيونغو
1. الحتمية أو جبرية اللغة:
من بين من ارتبط اسمهم بالنقاش الدائر حول الكتابة بلغة المستعمِر، نجد الشاعر المارتينيكي، ايمي سيزار الذي لم يكن له خيار سوى الكتابة بالفرنسية، -اذ لم يكن له لغة “ام” أخرى وهذه خصوصية كاريبية–، والذي لم يخفي ارتباطه الكتابة بها، لأنها اللغة التي تعلمها واستفاد منها بل وعمل على تطويعها لأغراضه الخاصة ، وهو ما عبر عليه العديد من الكتاب الذين اعتمدوا على الفرنسية كلغة تعبير، كونهم لا يستطيعون الهرب من مخلفات الاستعمار، ورغم امتلاكهم للغتهم المحلية، لكن انتماء الكتابة لديهم مرتبط بلغة المستعمِر، حيث أن اكتشافهم لذاتهم الأدبية كان من خلال هذه اللغة، ويبرز شينوا أتشيبي كأحد المدافعين عن هذا الطرح، أن يعتبر أن وظيفة المثقف أن يجد الكلام ويسيطر عليه، لأن تأثيره في المجتمع يتعدى تأثير السياسي، فالأدب قضية والتزام بالتعبير عن القضايا المحلية، معتبرا أن الكتابة بلغة الآخر لا تعني أننا نستخدم نفس اللغة، إذ هو يكتب باللغة الإنجليزية لكن ذات بصمة افريقية ، بمعنى فرنسية سيزار ليست لغة فرنسية، لكن هذا الطرح بحتمية اللغة يعني من جهة أخرى سيطرتها عليك ويطرح تساؤلات عميقة عن مدى تحررك من الآخر، أم أنك لا تزال مستعمر من طرف الآخر.

عدد من الكتاب طالبوا بضرورة التفريق بين اللغة كأداة للتعبير واللغة كأداة استعمارية، منهم الروائي المغربي الطاهر بن جلون، الذي اعتبر أن انفتاح بلاده على الثقافة الفرنسية لم يفقدها جزءا من هويتها، معتبرا الإنتاج المغاربي بالفرنسية نقلة مهمة، كونه يمنحهم حرية أكبر للتعبير كونهم خارج السياق، وهو ما يذهب إليه أتشيبي، الذي يعتبر أن اللغة الإنجليزية هي الملتقى في بلاد تتواجد بها عدد من اللغات الكبرى على غرار الهاوزا والسواحلية، وبذلك فهي تصبح جزء من التنوع الثقافي .
دون أن نغفل الفعل العاطفي الذي يصاحب النص الأدبي، فكما تقول المقولة المشهورة، أجمل النصوص الأدبية هي النصوص النابعة عن عمق القهر والمعاناة والآلام، لذلك كانت الرواية الجزائرية تعبر عن وحشية المستعمر الفرنسي وجرائمه والحرمان الذي يعيشه الشعب الجزائري، فأصبحت ناقلا للواقع بصورة إخبارية، فكأنما تحل محل الجريدة من جهة في نقل الوقائع ومحل المسجل في تسجيلها للأحداث كي لا يطالها النسيان. وبالتالي تبرز الكتابة بلغة المستعمر باعتبارها نوع من الغزو المضاد لو افترضنا انتشارها ومقروئيتها الكبيرة، ما يعد انتصارا رمزيا على المستعمر حتى على مستوى لغته، فنخرج من إطار عدم القيام بأخطاء نحوية وتصريفية إلى التلاعب بها.
لكن وكما يقول أتشيبي أن اللغة والكتابة في الرواية ليست شكلا فنيا جماليا وحسب، بل لها بعد سياسي، إذ يجب أن تعنى بقضايا أكبر، وأن تمتهن السياسية وأن تلتزم بقضاياها، هذا ما جعل الرواية الجزائرية تحظى بدعم اليسار في فرنسا أثناء الفترة الاستعمارية، باعتبارها أدب متمرد على القوى الاستعمارية الامبريالية، وتقف موقف المتصدي لها، والتي تعبر عن إرادة الشعوب في التحرر، رغم أن اليمين المتطرف الفرنسي لم يكن يعتبر هذه الروايات على غرار روايات مولود فرعون، وآسيا جبار، وكاتب ياسين، روايات جزائرية بل روايات فرنسية كون الذين سبق ذكرهم متخرجين من المدارس الفرنسية.
ويبرز لنا الروائي الجزائري مالك حداد أو المعروف ” بسجين اللغة” كأحد الكتاب الجزائريين، الذي عايشوا هذا التخبط ما بين الكتابة بلغته المحلية والتعبير عن هويته المحلية هوية أجداده، أو الكتابة بلغة مستعمرِه، مغتصب أرضه، والذي انتهى إلى اعتبار الرواية نضال ضد الآخر، ويركن للصمت بعد استقلال الجزائر ويتوقف عن الكتابة . ليطرح لنا إشكالية هل التعبير بلغة المستعمِر تفقد الكاتب هويته، هل هي تحرر من القيود كما تناولها أم خنوع لسطوة لغة الآخر؟
2. التحرر اللغوي والتحرر الثقافي
الطرح المغاير لما تم ذكره، يؤكد على أن التحرر والاستقلال السياسي لا يكفي، إن لم يتبعه تحرر ثقافي من ثقافة المستعمِر، والذي يتجلى بالكتابة وإنتاج معرفة باللغة المحلية، أو اللغة الوطنية، فالأصل أن يكتب الكاتب بلغته الأم لأنها المنظومة التي يفكر بها ويعيش بل ويتنفس بها، ما يجعله أكثر معرفة بجزئياتها.
وعليه فتحرر الكاتب وفق هذا الطرح لا يكون الا حينما يعبر بلغته، عكس التيار الذي يعتبر الكتابة بلغة الآخر تحرر لأنه يتحرر من الطابوهات، التي تحكم ثقافة هذه اللغة وبذلك يشرعنون حتى لفكر وايدلوجيا الآخر.
من أبرز من عبر عن هذ الموقف نجد نغوغي واثيونغو، الذي طالب بضرورة الانعتاق من المستعمِر، والذي لا يكون الا بدعم الثقافة المحلية واحياء اللغات المحلية، معتبرا اللغة سلاح خطير يستعمله المستعمر للسيطرة على مستعمراته حتى بعد الاستقلال وامتصاص الآخر المستعمَر، في منظومته الفكرية والأيديولوجية ، ويقدم الكاتب الجزائري حميد عبد القادر، مثالا عن هذا الواقع في حديثه عن الروائي الجزائري رشيد بوجدرة، والذي كتب في بداياته باللغة الفرنسية، حيث كان يحظى باهتمام كبير من طرف الإعلام الغربي، لينقلب الأمر بعد وقوفه مع الحكومة الجزائرية ضد التيار الإسلامي في البلاد، ما أغضب المؤسسة الثقافية لأن فرنسا وقتها كانت تدعم الحركات الإسلامية في الجزائر، لتنتهي بطرده من صالوناتها الأدبية، وهو ما حدث للروائي محمد ديب، حيث تخلت عنه دار النشر ” لوسوي” كونه توجه للكتابة الفلسفية و ابتعد عن الكتابة النقدية لخيارات حكومات الجزائر بعد الاستقلال .
يعد الانتشار والشهرة، أحد العوامل التي تجعل الكاتب يكتب بلغة الآخر، لكن هل يعني ذلك قطع الرابط مع جمهور البلد، وفي الطرح إشكالية كبيرة، تتمثل في السؤال لمن يكتب الكاتب بلغة الآخر رواياته؟
إذ نجد الكاتبة الجزائرية آسيا جبار، استطاعت أن تفتك العديد من الجوائز العالمية، بل وأن تكسب العالمية بمؤلفاتها وتوجهاتها الفكرية، وأن تتم ترجمة مؤلفاتها للعديد من اللغات العالمية، لكن المفارقة أنها رغم ذلك بقيت مجهولة في بلدها في الجزائر، ولم تتم ترجمة أعمالها للعربية التي تنتمي إليها ولم تحظى بأي اهتمام. وبالتالي أصبحت؟ الكتابة بلغة الآخر تطرح اشكال مضاعف لأنه لا يجد تفاعلا في البنية المحلية ولا فهما من طرف الجمهور الأجنبي لأنه ليس من ضمن النسق الثقافي، هذا ما يجعل الآخر يعتبر ما يكتبه المستعمَر عن ثقافته عبارة عن فلكلور .
الكاتب الافريقي نغوغي، يذهب أبعد من ذلك ويضيف أن المستعمر يعمل دائما على الانتقاص من الثقافة المحلية، واعتبارها لا ترقى لا لمستواه ولا لأن تكون قطبا فكري مستقبلا، ويظهر هذا في رواية ” أحمد بن مصطفى القومي” لقايد بن الشريف خلال العشرينيات، والتي تم وصفها في فرنسا بالأدب الاثنوجرافي، والتي تعني رغم براءة الاسم أن الشعب الجزائري الذي تتناوله الرواية شعب متخلف بعيد عن الحضارة، عملت فرنسا على جلب الحضارة إليه ، وفي المقابل نجد الكوميديا الإنسانية لبلزاك رغم أنها تتناول الوقائع الاجتماعية لكن لم يتجرأ أي ناقد على وصفها بالأدب الاثنوجرافي .
وعليه قام نغوغي بطرح فكرة تعدد المركزيات ومحاربة المركزية الأوروبية، أي اعتبر أن اللغات المحلية يمكن لها أن تزدهر في وعاء ثقافي عالمي، حيث تسهم الترجمة في تعرفنا على اللغات المحلية واكتشافها وبالتالي اكتشاف وصبر أغوار جديدة للبشرية .
خاتمة:
تنتهي هذه الورقة إلى أن الكتابة بلغة المستعمَر تبقى ظاهرة طبعا ؟ المرحلة الكولونيالية، ومابعد الكولونيالية، لدى العديد من الشعوب، أين يصعب اتخاذ موقف واضح منها لما له من مىلات؟ فكرية وحتى نخبوية في المجتمع الواحد لأنها ترتبط بعدد من المواضيع الجوهرية على غرار الهوية، والحرية، وغيرها، لكن تبقى التجارب الشخصية للكتاب واختلاف الظروف التي مروا عليها، وحتى أهدافهم المستقبلية، قد ساهمت في هذه الثنائية في الطرح، وفي النهاية تبقى الكتابة عملية إبداعية وتمردا على الذات والواقع لها عدد لا يحصى من التجليات وطرق التعبير عنها.
المراجع:
بلغول شهرة، آسيا جبار من أقاليم اللغة إلى أقاليم الهوية، رؤى فكرية، مجلد 4، 2016.
عبد القادر حميد، الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية..جلْد الذات والخضوع للإملاءات، ضفة ثالثة، 16 أكتوبر، 2017، تم الاسترجاع في 03 نوفمبر 2017، الرابط:
https://www.alaraby.co.uk/ diffah/herenow/2017/10/16/ الرواية-الجزائرية-المكتوبة- باللغة-الفرنسية-جلد-الذات- والخضوع-للإملاءات
كبير غنية، الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية في النقد الفرنسي، جيل الدراسات العربية والفكرية، 2015.
Achebe, Chinua. Conversations with Chinua Achebe. Jackson: University Press of Mississippi, 1997.
Césaire, Aimé. “Discourse on Colonialism.” New York and London, 1972.
Ngugi wa Thiong’o. Moving the Centre: The Struggle for Cultural Freedoms. Oxford: Currey [u.a.], 2004.

اترك ردا