الدين والتدين دلالات فكرية … حسن محمد أحمد محمد

د. حسن محمد أحمد محمد: جامعة أم درمان الإسلامية – كلية الآداب – قسم علم النفس

في البدء لابد من تقرير أهمية كل من الدين والفلسفة كسلوك فكري شديد الأهمية في حياة الفرد ذي السلوك السوي من حيث الفطرة السليمة والسوية، وقد أولى الفلاسفة أمر العقيدة الدينية اهتماماً كبيرًا وبالغًا؛ بقدر ما تشغله من مكانة في القلوب، وما لها من تأثير في النفوس، فما من دين إلا ويوقظ في النفس شعوراً حاضراً بالمسئولية في السر والعلانية، ويجعل المؤمن به على حذر من مقارفة الذنوب، بينه وبين غيره ويوحي إلى الأغنياء والفقراء على السواء أنهم لن يستحقوا الأجر من السماء بغير عمل وبغير جزاء ، يقول توفيق الحكيم: إن القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الدين…، ولكنه لن يكون قرن الدين الفارغ المتهوس، القائم على الجهل والهوس والدجل، بل الدين المتعمق المبني على العلم والعقل ، وإذا صوبنا نظرة متأملة للحضارات ونشأتها، منذ القدم وحتى التي ما برحت قائمة حتى يومنا الحاضر، نجد أن العقيدة الدينية تكمن بين طياتها وفي تلافيفها؛ فقد أثبت التاريخ البشري، كما يقول هنري برجسون person: أنه قد وجدت في الماضي السحيق جماعات إنسانية ليست لها فلسفات ولا علوم ولا فنون …، ولكن لم توجد قط جماعة إنسانية ليست لها عقيدة تؤمن بها وتدين ؛ وعليه تصبح العقيدة جزءًا من نظام الاستيلاد الحضاري ، لاسيما وأن الحضارات لا تنبعث إلا بعقيدة دينية تسندها وتدعم مسيرتها، حيث تمثل العقيدة الدينية الركيزة الأساسية والدعامة القوية لنشأة واستمرار أي حضارات إنسانية، بلا استثناء، ولعل ذلك مما لا يحتاج منا إلى برهان أو دليل، فالشاهد موجود ولا يكاد يخفى على أحد، فهذه آثار الفراعنة، والإغريق والرومان والفرس، والآشوريين والصين والهند …، وغيرها من الآثار ماثلة للعين، ويدعم هذا الاتجاه ويسنده، اليوم، ما نلمسه من سيطرة تامة للعقيدة اليهودية في إسرائيل، وتأثير قوي وحضور طاغ للدين المسيحي في أوربا والغرب بشكل عام، ولعقيدة الإسلام في الشرق. لقد كان للدين، وما يزال، أثر كبير في حياة الأمم والشعوب، فقد كان للإسلام واليهودية وبدرجة أكبر للنصرانية، الأثر الكبير في تكوين الثقافة الغربية، كما أدت هذه الأديان الثلاثة، وخاصة الإسلام دورًا أساسيًا في نمو ثقافات الشرق الأوسط، بينما نجد أن ثقافة آسيا أسهمت في تشكيلها البوذية والكونفوشية والهندوسية والشنتو والطاوية .
إن سهام النقد التي صوبها أركون إلى الدين، لا تعني الدين الإسلامي في شئ، وإنما عنى بها الكنيسة وهيمنتها على أوربا طوال العصور الوسطى، وما وجهه من هجوم وتجريح للحركات، التي سماها بالأصولية، بقوله: أما أنظمة العالم الثالث فقد فشلت في توفير هذه الأشياء (يعني ما وفرته أوربا من ناعم العيش) …، ولهذا فإن الحركات الإسلامية قد شهدت نجاحاً منقطع النظير. فالمقصود بذلك، تلك الحركات التي اتخذت من الدين غطاءً بغرض الوصول إلى أهدافها، ولا يعني الأمر هنا الدين الإسلامي ـ النقي من كل شائبة، يقول أوليفيه كاريه يرى : أن هناك تراثًا آخر للإسلام تراثاً عاليًا ، غير هذا التراث الذي نجده أمامنا والذي تنشره الحركات السلفية الأصولية إنه التراث الفكري والفلسفي للعصر الذهبي من عمر الحضارة الإسلامية العربية…، فللدين بعده الروحي ، كذلك يقول الكاتب الإيرلندي المشهور والمعروف (برنارد شو): إن الإسلام دين يستحق كل احترام وإجلال، لأنه أقوى دين هضم جميع الديانات، وهو خالد خلود الأبد، وإني أرى كثيرًا من بني قومي العلماء قد دخلوا هذا الدين على بينة من أمرهم، ومستقبلاً سيجد هذا الدين مجاله الفسيح في كل أنحاء أوربا .
ـــ الدين في اللغة:
يوم الدين يوم الجزاء، وفي المثل كما تدين تدان أي كما تجازي تجازى أي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت،…، و دانه دينا أي جازاه وقوله تعالى ﴿ أَءِنَّا لَمَدينونَ﴾ أي مجزيون محاسبون …، والدين الحساب ومنه قوله تعالى ؟﴿ مالك يوم الدِّين ﴾ وقيل معناه مالك يوم الجزاء وقوله تعالى ﴿ ذلك الدِّين القَيِّمُ ﴾ أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوي، …، ودان بكذا ديانة وتدين به فهو دين ومتدين ودينت الرجل تديينا إذا وكلته إلى دينه والدين الإسلام وقد دنت به وفي حديث علي، عليه السلام، (محبة العلماء دين يدان به)، والدين العادة والشأن تقول العرب ما زال ذلك ديني وديدني أي عادتي …، وفي الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) قال أبو عبيد قوله دان نفسه أي أذلها واستعبدها … ، الدينُ: الجزاءُ والمكافأةُ. يقال: دانَهُ ديناً، أي جازاه. يقال: كما تَدينُ تُدانُ، أي كما تُجازي تُجازى، أي تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت. وقوله تعالى: ﴿ أَءِنَّا لَمَدينونَ﴾ أي مجزيُّون محاسَبون . وفي الاصطلاح، وضع إلهي سابق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل. فالدين بمقتضى هذا الاصطلاح هو وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات. ومن أشهر تعريفات الدين عند الغربـيين ما قاله الفيلسوف كانْتْ في كتابه الدين في حدود العقل: الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية .
ـــ الغرب هل هو علماني؟
قد يظن كثير من الناس أن الغرب قد أقام حضارته الحديثة على مبدأٍ علماني، أي فصل الدين عن الدولة، وعن حياة المجتمع بحيث يصبح الدين أمراً شخصياً، وأنه، بذلك، قد قطع صلته بالمعتقد الديني وتخلت عنه، وانتهج في سيرته الخاصة والعامة منهجاً مادياً إلحاديًا لا يشغل الناس فيه سوى تحسين مستواهم المادي …، دون الالتفات إلى دين أو انتظار لآخرة. هذا، بلا أدنى شك، ظن واهم يحكم على الأمور بمظهرها دون التعمق في مخبرها ، فالعلاقة بين الدين والسياسة علاقة قديمة لم ولن تنفصم عراها في أي وقت؛ لأن ذلك أمر من الصعب بل يمكن القول بأنه مستحيل تماماً على الرغم من الصراع الذي كثيرًا ما ينشب بينهما. فكلاهما في حاجة للآخر، فالساسة يحتاجون إلى دعم وسند ديني ليبقوا في كراسي الحكم، ورجال الدين في حاجة للساسة لكي تنتشر أفكارهم ومذاهبهم وتسود بين العامة والخاصة، وقديماً قيل (الناس على دين ملوكهم)، ففي الولايات المتحدة، وعلى الرغم من الاعتراف بسياسة فصل الكنيسة (الدين) عن الدولة، فإن هذا لم يؤد إلى فصل الدين عن السياسة، كما أن تأثير الدين في الحياة الأمريكية امتد ليمتزج بالتعليم والطب والأعمال والفنون والسياسة…، وليس ثمة شئ ينجو من قبضة الدين وأن جميع الجهود قد ذهبت هباءً أدراج الرياح، فعن طريق الدين يمكن القيام بكل شئ ، ولا يقتصر الأمر على أمريكا وحدها، فبالإمكان رؤية أثر الدين في الحياة الأوربية أيضاً من خلال أعلام (رموز) الدول الأوربية: إنجلترا، السويد، الدنمارك، النرويج، سويسرا، اليونان …، فعلامة الصليب واضحة ولا تكاد تخفى على الناظر, ولا يقف أثر الدين عند هذا الحد بل يتعداه إلى الأحزاب الحاكمة في: ألمانيا، إيطاليا، هولندا، النمسا، على سبيل المثال لا الحصر، ومنذ أقدم الأزمنة والعصور والملوك يعملون على استقطاب العلماء والتودد إليهم ويخطبون ودهم، والأخيرون يتمنعون ويقتربون منهم على شئ من الوجل والخوف، لأن الساسة كثيرًا ما يبطشون بالعلماء عندما يرهبون سطوتهم، والتاريخ يزخر بقصص الاضطهاد السياسي والديني.
ولكن السؤال المهم هو، كيف تمكن الغرب من انهاء حالة الصراع الذي دارت رحاه بين الكنيسة من جانب والحكام السياسيين من طرف آخر؟ والإجابة هي أن الكنسية عملت على تغيير منهجها وأسلوبها، المتعنت، في تقبل الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل والنقاش، كما أن هذه المؤسسة الدينية قد سعت إلى تعليم منتسبيها تعليمًا حديثًا يتوافق مع متطلبات العصر وتطوره، وفي ذات الآن يتفق مع تعاليم الكنيسة وكتابها المقدس، وهو ما نفتقر إليه نحن المسلمين .
ـــ الدين والتدين:
إن الشعور الديني لم ولن يفارق أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات؛ والحقيقة الثابتة أن الإنسان دوماً في حيرة من أمره، وهو يجتهد لمعرفة مبتدأه ومصيره، كما يبحث عن تفسير لكل الظواهر الكونية، مما يحثه على الإيمان بوجود قوة يخضع لها هذا الوجود بكامله. وفكرة التدين، في جوهرها، ليست هناك دليل واحد يدل على أنها قد تأخرت عن نشأة الإنسان، فهي غريزة وسمة مشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى تلك التي أشدها همجية وأقربها إلى الحيوانية, وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة, هو أحد النزعات العالمية الخالدة، وهي لا تختفي ولا تضعف ولا تذبل ، وهناك العديد من الباحثين والمؤرخين الناقدين للأديان؛ ممن يؤكدون ويبرهنون على أصالة الشعور العقدي والديني في النفس البشرية, من أمثال .
أ/ سانت هيلير: في كتابه (mohammed et le goran محمد والقرآن): هذا اللغز العظيم الذي يتوارد على أفكارنا ولا نستطيع دفعه عن عقولنا والذي يحملنا حملاً على التساؤل: ما العالم؟، ما الإنسان؟، وكيف بدأ؟, ومن أين؟…، وهل يوجد شئ هناك؟ لا توجد أمة إلا ووضعت لهذه الأسئلة حلولاً مناسبة، جيدة كانت أم رديئة، مقبولة أو ممجوجة، ثابتة أو متغيرة.
ب/ ماكس نوردوه (max nordau): هذا الإحساس له أصالته، وجذوره العميقة في النفس الإنسانية، يشعر به المتدين وغير المتدين.
ج/ رينان ((renan في كتابه تاريخ الأديان (histoire des religions): إنه من المحتمل أن يضمحل كل ما نحبه ونتطلع إلى حيازته. ومن الجائز، عقلاً، أن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة, ولكن من المستحيل أن يمحى التدين، بل سيستمر، دليلاً قاطعاً، على بطلان المذهب المادي الذي يسعى لحصر الفكر الإنساني في المسالك الدنيئة للحياة.
د/ العقاد في كتابه (الله): … وإنما يصح أن يوصف بالغرابة، لسبب واحد، وهو الإجماع على الاعتقاد أياً كان موضوع هذا الاعتقاد. كأنما يوجد الاستعداد للعقيدة أولاً، ثم توجد العقيدة على اختلاف نصيبها من الرشد والضلال. أو توجد الملكة أولاً، ثم يوجد موضوع الاعتقاد .
لا يملك شخص عاقل إلا أن يسلم بأنه من الصعب بل ومن المستحيل تماماً، أن تتلاشى فكرة التدين؛ لأنها تمثل أرقى ميول النفس وأكرم عواطفها, ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان, بل إن هذا الميل سيزداد، لأن فكرة التدين ستلاحق الإنسان مادام ذا عقل يعقل به، وستزداد هذه الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه. إذًا فإن فكرة العقيدة الدينية، قديمة قدم الوجود البشري، ولك أن تقول إنها وجدت مع خلق الإنسان، وهذا ما دعمته الديانات السماوية، ففي التوراة : (وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض* ونفخ فيه نسمة من حيوة * فصار آدم نفساً حية) . أما في القرآن العظيم فهناك العديد من الآيات الدالة على خلق الإنسان: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ .
ـــ الفلسفة العقلية والعقائد الدينية:
إن الفلسفة، كعلم معروف، قد نشأ في وقت كانت فيه العقيدة الدينية قد قطعت شوطاً بعيداً وبلغت شأواً عظيماً، فالفلسفة برزت إلى الوجود وعرفها الإنسان في حوالي القرن السادس قبل الميلاد، وفي حينها كان الدين قد وصل أقصى آماده من تصور الفكرة الإلهية والعقيدة الروحية، حيث عرف الإنسان الإيمان بالله الواحد قبل الميلاد بما بقرب من العشرة قرون. ولكن ما الذي يعنيه لنا أن تكون العقيدة هي السابقة بالظهور عند الإنسان؟ يعني هذا أن الفلاسفة قد تلقوا فكرتهم عن الروح من الدين ومن الدين تلقوا فكرتهم عن بطلان الظواهر المادية، ومن الدين تعلم الفلاسفة التفرقة بين العقل والمادة، حيث أدركوا كيف ينفذون إلى ما وراء المادة ويوغلون في تصفية كنه الموجودات إلى أعماق لا تغوص فيها الأجسام وآفاق لا تدركها الأبصار ، كما استعاروا من الأديان الأولى عقائد المؤمنين بها في تعليل أصول الكائنات والتنبؤ بمصيرها بعد وفاء آجالها من الوجود فتراهم قد قالوا إن السماوات والأرض قد خلقتا من الماء، كذلك قالوا بالدورات الكونية التي تبتدئ العالم ثم تعيده كرة أخرى, وأيضاً راحوا يذكرون الحساب والعقاب وهم في هذا يأخذون بأقوال المتدينين. وقد قال الفلاسفة بأن قدرة الله تخالف القوى المادية التي تعمل بالجهد والعناء … فتعلموا أن الله يخلق بالكلمة أو المشيئة فيخلق ما يشاء، ففي الكتاب المقدس: (وقال الله ليكن نور فكان نور) ، وفي القرآن العظين: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، وعلى الرغم من أن الفلاسفة قد أخذوا من الديانات القديمة الكثير والكثير إلا أنهم لم يتجاوزوا آفاق الإيمان بوحدانية الله .
ولا يعني هذا أن الفلسفة والدين على خلاف وأن العلاقة بينهما غير متوافقة، بل على العكس من ذلك، فقد تعاونا على تقوية الجوانب الروحية الكامنة في النفس البشرية، من خلال إلهام الدين, لاسيما وأن الفلسفة اليونانية كانت على علاقة بحضارات الشرق المتدينة كالفرعونية والعديد من الديانات التي ظهرت في الشرق، فعرف اليونانيون الآلهة والتقرب إليها عن طريق الرحالة الذين أسهموا في نقل الثقافات بين الشعوب، فكان أن تأثرت الفلسفة اليونانية بما نقل إليها من تلك الديانات، حيث يتجلى ذلك فيما يأتي:
أ/ طاليس الماليطي، المعروف بأبي الحكماء، يقول: الماء أصل كل شئ.
ب/ انكسماندر: إن الأشياء كلها تخرج من مادة أولية، وتمثل دورات كونية.
ج/ فيثاغورس: كان مذهبه نسخة من عقيدة البراهما، فقد كان يؤمن بتناسخ الأرواح.
د/ زينون: كان يؤمن بالواحد الذي لا يتعدد.
ولعل الناظر إلى طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة؛ يلمح أنها لم تكن على وفاق تام، ومن ينظر إلى مصير ثالوث الفلسفة اليونانية، وأيضاً إلى مصير فيثاغورس (إمام الحكمة الصوفية) وزينون (إمام الفلسفة الرواقية) يجده مصيرًا مشؤمًا فسقراط قضي عليه بالموت بالسم، وبيع أفلاطون في سوق النخاسين بعد ما أتهم بالإلحاد، ومات فيثاغورس مقتولاً. أما زينون فقد انتحر؛ لأن الآلهة قد أمرته بذلك. وفي الحضارة اليونانية، قبل المسيحية، ظهر الفلاسفة الذين لم يتقبلهم الساسة والحكام فعمدوا إلى محاكمتهم، ومن أبرز تلك المحاكمات محاكمة الفيلسوف اليوناني سقراط تلك المحاكمة التي قضي فيها على سقراط بالموت ولم يترك له إلا خيار واحد وهو حق اختيار الطريقة التي يريد أن تنتهي بها حياته، فاختار أن تنقضي حياته بشرب كأس من السم، ولم ينج أفلاطون من المحاكمة، ولكنه نجا من الموت بعد أن تعرض إلى محنة الرق الذي افتداه منه أحد محبيه. أما أرسطو فقد أجبر على مغادرة أثينا، بعد وفاة الإسكندر، تلميذ أفلاطون، الذي تولى الحكم بعد والده، بعد أن اتهمه خصومه بالإلحاد .
وعند المقارنة بين ما تعرض له فلاسفة اليونانيون وبين حال الفلاسفة المسلمين, بالرغم من أن الفلسفة علم أجنبي غريب، نجد أنه لم يصب أحد من فلاسفة المسلمين بمثل ما أصيب به فلاسفة اليونان من جراء أفكارهم وآرائهم الفلسفية التي ناقشوا من خلالها مفهوم الدين والتدين، يقول عبد المنعم الحفني: عندما تسنى لي أن أراجع عدد الذين استشهد عبر التاريخ في مختلف البلاد الإسلامية، بحسب ما ورد في المراجع العلمية، فلم يزيدوا عن ثلاثة وعشرين ومائتين فرداً، في حين أن عدد من أحصتهم المراجع الأوربية من شهداء الفكر في النصرانية كان ستة وثمانون وأربعمائة وثلاثة آلاف .الأمر الذي يؤكد أن الحرية في الدولة الإسلامية كانت أكثر توفراً. إن من تعرض للأذى من فلاسفة المسلمين لم يتعرض له بسبب أفكاره وإنما من جراء السياسة، والأدلة على ذلك كثيرة فهذا ابن سينا قد ادخل السجن لأنه كان عند أمير همدان فبرم بالمقام عنده وأراد أن يلحق بأمير أصفهان، علاء الدولة بن كاكويه، فحبسه ليبقى إلى جواره ولا يرحل إلى سواه، ولم يسجن عقوبة على رأي صدر منه. كذلك تضاربت الأقوال حول ما حل بابن رشد فقد ذكر ابن أبي أصيبعة أن الخليفة ثارت حفيظته على ابن رشد لمخاطبته له بعبارة (أتسمع يا أخي) وكان ذلك أمام جمع من الناس، وذكر ابن أبي أصيبعة سببًا آخر وهو أن ابن رشد قد لقب الخليفة (بملك البربر)، أما الأنصاري المراكشي فقد قال: إن الخليفة أحس ميلاً من ابن رشد إلى أخيه. بيد أن الراجح هو، أن سبب نكبة ابن رشد كانت بسبب الأوضاع السياسية حيث كان الخليفة يخوض حرباً ضد الإمارات المسيحية في إسبانيا، وهو في أمس الحاجة إلى دعم العامة، فعمد إلى التقرب من الفقهاء بضرب الفلاسفة، ويسند هذا الاتجاه أن الخليفة قد عفا عن ابن رشد فيما بعد، أي بعد أن حقق ما يصبوا إليه من مناصرة العامة والفقهاء له.
ـــ الصراع بين الدين والفلسفة والعلم:
إن العلاقة بين: الدين والفلسفة والعلم؛ علاقة قديمة وأزلية، حيث يعتبر الدين هو المرحلة الأولى التي بدأ بها الإنسان في البحث عن إجابات لكثير من التساؤلات التي كانت تدور في خلده عن: الوجود، الغاية، المصير، أما الفلسفة فهي تمثل المرحلة التي بدأت عند ما بدأ الإنسان في الاستقلال بفكره مستندًا إلى العقل ومعتمدًا عليه في البحث عن إجابات مقنعة تقوم على الدليل والبرهان والحجة، ثم تأتي المرحلة التي كان للعلم فيها القِدح المعلى في السيطرة على كل من الدين والفلسفة؛ وذلك حينما تحددت مناهج البحث الرياضي والطبيعي, ومما يميز العلم، العلم التجريبي، عن غيره (الدين والفلسفة) أنه تكاد تنعدم فيه الخلافات في وجهات النظر، وقد تغلغل العلم في كل مناحي الحياة البشرية حتى صار من أعظم سمات العصر الحاضر؛ وذلك لأنه يشكل طريقة تفكير دقيقة لدراسة الموضوعات؛ معتمدًا على الاستدلال الاستنباطي في العلوم الرياضية، والاستقرائي في العلوم، وأخذ المنهج العلمي يتطور وفق متطلبات التقدم المعرفي مستندًا على: المشاهدة الدقيقة والمباشرة، التصنيف، الموازنة، الاستدلال، فرض الفروض, التجربة بغرض الوصول إلى نتيجة حاسمة. يقول رسل : يكاد كل ما يميز العالم الحديث من العصور القديمة؛ ينسب للعلم، الذي حقق أعظم انتصاراته إثارة في القرن17م.
أن سيطرة العلم، في الوقت الراهن، لا تعني أن الفلسفة قد انتهى عصرها وأن الدين قد فقد وظيفته عند الإنسان، وإنما تعني أن الإنسان، وخاصة العلماء، قد انحازوا إلى التفكير المادي، أي أنهم لا يؤمنون بالتجارب العلمية والمعملية التي تعتمد على المحسوس والملموس فقط، وهم بالتالي ابتعدوا عن الدين وغيبياته، والفلسفة وتحليلاتها، جاهلين أو متجاهلين أن العلم لا ينهض ولا يزدهر إلا إذا استند إلى دعامتيه الأساسيتين، وهما الدين والفلسفة، . وهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تنبئنا عن انهيار حضارات الشعوب والأمم السابقة، بعد أن افتقر الإنسان فيها إلى اشراقات الروح وطمأنينة النفس، وإضاءات العقل السوي، قال تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
لقد مرت العلاقة بين الدين والفلسفة والعلم بفترات من التوتر، وبالنظر إلى طبيعة العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة عبر التاريخ يلاحظ أن ثمة سيطرة لأحدها على المفهومين الآخرين، فأحياناً تكون الغلبة للدين، وفي أوقات أخرى تكون السيطرة للفلسفة أو العلم، فمنذ أن وجد الإنسان والدين هو الغالب؛ وذلك نظراً لعاطفة الإيمان بالغيب الذي تنطوي عليه النفس البشرية، وكان الدين أو النص سائداً طوال القرون الوسطى في توجيه الإنسان، سواء في سلوكه وتنظيم جماعته، أو في فهمه للطبيعة، والمقصود بالدين هنا هو المسيحية التي ركزت السلطة في يد البابا وهو صاحب الحق الوحيد في تفسير نصوص الكتاب المقدس ، يقول برتراند رسل: يتركز التاريخ الأوربي، منذ عهد جريجوري السابع، حتى منتصف القرن 13م، حول الصراع في سبيل السلطان بين الكنيسة من جهة والملوك العلمانيين من جهة أخرى. وليست هناك من شك في غلبة الدين وسيطرته في تلك العصور, وتتجلى تلك القوى الدينية بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين الدين والعلم في ذاك العهد حين ما تعرض له العلماء الطبيعيون للمحاكمة وباسم الرب أيضاً, وتمثل محاكم التفتيش التي عانى منها الكثيرون رمزًا وعنوانًا لذلك العهد، حين حوكم جاليليو جاليليه بسبب قوله بكروية الأرض وأنها تدور حول الشمس باعتبارها مركز الكون وليس الأرض، وبذلك أثبت ما توصل إليه سلفه كوبرنيكوس, وثارت ثائرة الكنيسة عند اطلاعها على كتاب جاليليو (حوار النظامين المشهورين) وقدمته لمحاكم التفتيش باعتباره خارجاً عليها وحكم عليه بأن يلزم داره ولا يزوره أحد, وأن يرجع عن ما ورد في الكتاب المذكور، فما كان منه إلا أن نظر إلى الأرض وقال، هامساً لنفسه، ولكنها تدور، ومات جاليليو متديناً قابضاً على عقيدته كما تمسك بالتجربة وليس بما قاله الأقدمون . ولم تقف سيطرة رجال الدين عند العصور الوسطى بل تجاوزته إلى العصور الحديثة؛ وذلك عندما انحنى داروين أمام ضغط الرواق الديني فأخل عبارة “بواسطة الخالق” في الطبعة الثانية من كتابه أصل الأنواع …، وفي هذه المحاولة تراجع داروين، بل عكس موقفه، في عدد من النقاط المهمة والتي كانت بالفعل صحيحة في المقام الأول؛ لأن عبارة “قد نفثت أصلاً” لم يرد فيها “بواسطة الخالق”، في الطبعة الأولى. ولكنها قوة رجال الدين وسيطرة الكنيسة؛ مما جعل داروين، فيما بعد، يشعر بالندم على ضعفه أمام جبروت الفكر المتعصب دينيًا، ويتجلى ذلك الشعور في رسالة بعث بها إلى صديقه عالم النبات، جوزيف هوكر، قال فيها: … على أني ندمت طويلًا لاذعاني للرأي العام، واستخدامي لمصطلح من أسفار العهد القديم بمعنى الخلق، في حين كنت أعني “ظهور” شيء ما عن طريق عملية مجهولة بالكامل.
وهنا تبدو سيطرة الدين واضحة لا تحتاج إلى دليل أو برهان فقد كانت الغلبة للدين على كل من الفلسفة والعلم في هذه الفترة (العصور الوسطى/المظلمة), أما في عصر النهضة أو ما يسمى بعصر التنوير؛ فقد ظهرت، في أوربا، قوة العلم حيث تضاعفت قوة العلماء التجريديون واشتدت شوكتهم مستفيدين من انقسام الكنيسة إلى كاثوليك وبروستانت وأرثوزكس ودار صراع عنيف بين هذه الطوائف الثلاثة لم تزل آثاره باقية حتى اليوم، بالرغم من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية ، فسعت أوربا إلى فصل الدين عن الدولة، من خلال سن قوانين ووضع دساتير علمانية تجعل الدولة في مأمن من تعود سيطرة الكنيسة وبطشها مرة أخرى.
ذلك هو شأن الدين وتأثير الكنيسة في أوربا والغرب عمومًا، أما إذا صوبنا أنظارنا تلقاء الشرق؛ فسنجد أن الوضع يختلف بكل المقاييس، حيث كانت الدولة الإسلامية تعيش أزهى عصورها، بعد انتشار الثقافة في هذا العصر انتشارا يدعو للإعجاب واتسعت اتساعاً كبيراً,… ويعتبر كثير من المؤرخين أن القرن الرابع الهجري هو العصر الذي ورث حضارات الفرس والروم وهو العصر الذهبي بالنسبة للفكر والثقافة والعلوم، فقد تضخمت المكتبة الإسلامية…، فتلونت الثقافة العربية وظهرت كتب الفلسفية وعلم الكلام، وصار العراق، في هذه الفترة، ملتقى الثقافات ومركز الثقل العلمي في العالم الإسلامي بل والعالم أجمع وقد أسهمت في ذلك أمور عدة منها:
أ/ ما سبق هذا العصر من ترجمة لكتب الفلسفة والمنطق، ولم يكتف المسلمون بهذا فحسب بل صارت لهم مؤلفات شهيرة في هذه الأبحاث.
ب/ اتجاه العلماء إلى التخصص بسبب اتساع آفاق العلوم.
ج/ تشجيع الحكام والأمراء للحركة العلمية ، للتباهي و الفخر.
د/ الحرية التي كانت صدى لحرية الفكر في عصر المأمون في القرن الثالث الهجري، والتي كانت سبباً في الصراع الفكري بين الجماعات الإسلامية .
ـــ العقيدة والاعتقاد:
وفقــًا للتصور الإسلامي، فإن بداية الدين ترتبط ببداية الحياة البشرية، فمنذ أن خلـــق الله آدم، بــَّين له الـــطريق إلى معرفته، وجعل من ذريته رسلاً وأنبـياء يدعون الناس إلى الهدى بعد الضلال، وإلى الرشــد بعد الغـي، قــال تعالى: ﴿وإنْ من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ ، إلا أن علماء الأديان والأنثروبولوجي، والاجتماع، قد سعوا إلى معرفة بداية فكرة التدين، والدوافع التي تدعو الناس للتمسك بالعقائد الدينية، فذهب بعضهم إلى أن الدين بدأ منذ عام 60,000 ق.م، وقال بعضهم، إن الدين بدأ مع بداية حياة الإنسان على الأرض ، ونحن ميالون إلى الرأي الأخير، فقد وجد الإنسان وبذرة التدين مغروسة في تلافيف عقله وفي أعماق روحه ونفسه، أي التدين هو فطرة جبل الإنسان عليها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ .
يقول محمود شلبي: وقد كانت الديانات تناسب كل طور من هذه الأطوار, ولا نزاع على أن مصدر الرسالات هو الله العلي العظيم ذو الجاه والسلطان، ولكنه، جلت قدرته، كان يعطي الدواء بقدر طاقة المريض، فكان يعطي البشرية من الهدى والتوجيه ما تحتمله البشرية وما يناسب عودها الذي بدأ ضعيفاً ثم اشتد رويداً رويداً حتى اكتمل نموه . ولكن الإنسان، من وجهة نظري، خلق على أكمل وأحسن صورة وأتم عقل ولم يحدث أن تطور من سلالة أخرى كالقردة أو غيرها, كما يرى الداروينيون .
وهنا لابد من وقفة لإثارة استفهام، مشروع نراه يلوح على وجه القارئ، ما هو البرهان على صدق هذه الدعوى؟ والإجابة هي أن هناك أكثر دليل وبرهان، وقد جعلتها على ضربين، الأول من آي الذكر الحكيم، والثاني عبارة عن اجتهادات وبراهين عقلية:

ـ أولاً: أدلة وبراهين قرآنية:

أ/قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ، وقد جاء في تفسير الجلالين: ﴿خلقنا الإنسان﴾ أي الجنس (في أحسن تقويم) تعديل صورته. وفي تفسير ابن كثير: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء.
ب/ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ وفي تفسير هذه الآية وفي أكثر من تفسير : ﴿كرمنا﴾ فضلنا ﴿بني آدم﴾ بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك ومنه طهارتهم بعد الموت، كذلك يقول صاحب ظلال القرآن، في نفس الإطار: وقد كرم الله هذا المخلوق، وفضله على كثير ممن خلق, ويتجلى هذا التكريم في:
ـــ كرمه بخلقه على تلك الهيئة.
ـ كرمه بالفطرة السليمة، التي جمعت بين الطين والنفخة، فجمعت بين الأرض والسماء.
ـــ كرمه بالإعداد والتجهيز لخلافة الأرض.
ـــ كرمه بأن أسجد له الملائكة، وطرد من أبى الخضوع له.
ـــ كرمه بإعلانه لهذا التكريم ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ في قرآنه الكريم .

ـــ ثانياً : أدلة منطقية عقلية:

أ/ إن الناظر إلى تاريخ الإنسان، والمتأمل في تلك الآثار التي خلفتها الأمم يجد تناقضًا بيّنًا في كلام القائلين بتطور الإنسان, ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مدى التقدم الذي بلغته الحضارة الفرعونية في الطب والمعمار(الأهرامات)، وأيضًا في حضارة بابل في العراق (حدائق بابل المعلقة), وفي حضارة الأنكا في أمريكا اللاتينية.
ب/ الديانات التي أخبر عنها القرآن العظيم ، ليس بالإمكان أن تطلق عليها صفة البدائية؛ وذلك لأنه يفهم من إخبار القرآن العظيم عنها، أنها بلغت للناس عن طريق الرسل؛ مما يبرؤها من صفة البدائية .
ج/ في التقدم التقني الذي يشهده العالم اليوم في شتى مناحي الحياة ومجالاتها، دليل على أن الإنسان يبحث عن سبيل للعودة إلى أحسن تقويم التي خلق عليها، والتي انحدر منها.
ولعل القارئ، الآن، يتساءل عن سبب التدني والسقوط إلى أسفل سافلين؟ والإجابة تكمن في جملة احتمالات:
أ/ قد يكون السبب هو العوامل الطبيعية من، زلازل وبراكين وأمطار هي التي أدت إلى تدمير تلك الآثار الحضارية.
ب/ ربما تكون قد نشبت حروب مدمرة أدت إلى دمار الحضارة الإنسانية.
ج/ لعل البشرية قد تعرضت إلى بعض الأوبئة الأمراض الفتاكة.
د/ من المحتمل أن تكون الأرض قد تعرضت لغزو من الفضاء الخارجي, أو أنه قد ضربتها النيازك، مما دمر تلك الحضارات؟.
ه/ ربما تسببت الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأعاصير، والزلازل، … في تدمير ما صنعته أيدي البشرية من حضارات.

اترك ردا