أضرار الربا الاقتصادية والاجتماعية … منقذ عدنان محمد العيثاوي

د. منقذ عدنان محمد العيثاوي:  مدرس سابق في كلية العلوم الاسلامية – جامعة بغداد

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

استفحل الربا في المعاملات الاقتصادية وسيطر على الاقتصاد العالمي حتى اصبح ركيزة اساسية في الاقتصاد العالمي فارهق الناس واذاهم في معيشتهم وارهقهم اجتماعيا واقتصاديا .
وإن انتشار هذه الظاهرة، والتساهل في شأنها؛ هو نذير شؤم على المجتمع بأسره فضلا عن أفراده ومؤسساته، وما تعانيه المجمعات الانسانية اليوم من حصار خانق، وأزمات اقتصادية حادة طالت كافة فئات المجتمع ؛ إلا بسبب محاربتنا للباري سبحانه بهذه الجريرة الماحقة للمال ورافعة البركة عنه ، الممحقة للرزق، ، ولا أدل على شناعة الربا وفداحة تعاطيه من اتفاق شرائع الأنبياء على تحريمه وتجريمه.
والمؤلم في الامر أن تجد النظام الربوي في الوقت الحاضر هو أساس التعامل للنظم الاقتصادية المعاصرة، ولذا كان الموضوع جديراً بأن نبين خطورته ومسائله ليعلم المسلم ما يدخل من المعاملات المصرفية ضمن الربا فيحذره ويتنبه له.

المبحث الاول :
المطلب الاول : تعريف الربا:
لغة: ربا الشيء يربو ربواً ورباءً: زاد ونما، وفي التنزيل العزيز {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} سورة البقرة (276) أي يزيدها وينميها .
والمرابي: الذي يأتي الربا.
والربا في الاصطلاح الشرعي:
اختلف الفقهاء في تحديد معناه تبعاً لاختلافهم في مدلوله عندهم.
1- فعّرفه الشافعية بأنه: اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهم ، ويقصدون بالشطر الأول من هذا التعريف (ربا الفضل) عندهم، وبالشطر الثاني (ربا النسيئة) و(ربا اليد).
2- وعرفه بعض فقهاء الحنابلة بأنه: الزيادة في أشياء مخصوصة .
3- أما علماء المالكية فقد ذكروا أن الربا يوجد في شيئين: في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك، وجعلوا الربا الجاهلي من الأنواع المتفق عليه .
4- وعند الحنفية أنه: فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال .

المطلب الثاني: حكم الربا
اجمع العلماء على حرمته فهوكبيرة من كبائر الذنوب، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فالقرآن الكريم تحدث عن الربا في عدة مواضع مرتبة ترتيبًا زمنياً، ففي العهد المكي نزل قول الله – سبحانه -: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} سورة الروم (39).
وفي العهد المدني نزل تحريم الربا صراحة في قول الله – سبحانه -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة آل عمران(130)، وقال سبحانه: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} سورة البقرة (275)، وآخر ما ختم به التشريع قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} (278/279) سورة البقرة.
وهذه الآية رد قاطع على من يقول: إن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافاً مضاعفة، لأن الله لم يبح إلا رد رؤوس الأموال دون الزيادة عليها.
وهو من كبائر الإثم فعن أبي هريرة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) .
وقد لعن الله كل من اشترك في عقد الربا، فلعن الدائن الذي يأخذه، والمستدين الذي يعطيه، والكاتب الذي يكتبه، والشاهدين عليه.
جاء عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وشاهديه، وكاتبه) .
وقال الماوردي: وأجمعت الأمة على أن الربا محرم “حتى قيل أنه لم يحل في شريعة قط لقوله – تعالى- {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ} (161) سورة النساء.
يقول ابن حجر ( عد الربا كبيرة هو ما أطبقوا عليه اتباعاً لما جاء في الأحاديث الصحيحة من تسميته كبيرة، بل هو أكبر الكبائر وأعظمها ) .

المطلب الثالث : أقسام الربا
قسم الجمهور الربا إلى نوعين: ربا الفضل، وربا النساء، والفضل في اللغة الزيادة، والنساء التأخير.
1- ربا الفضل:
وهو: زيادة عين مال شرطت في عقد بيع على المعيار الشرعي “وهو الوزن أو الكيل” عند اتحاد الجنس.
ونص النبي – صلّى الله عليه وسلّم – على تحريم ربا الفضل في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)
هذه الأعيان المنصوص عليها ثبت الربا فيها بالنص والإجماع.
واختلف أهل العلم فيما سواها فحكي عن طاووس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وقالا: لا يجري في غيرها، وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة لقول الله – تعالى-: {وأحل الله البيع}.
واتفق القائلون بالقياس – وهم الجمهور – على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم، وإثباته في كل موضع وجدت علته فيه، وقول الله – تعالى-: {وحرم الربا} يقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا في اللغة الزيادة، إلا ما أجمعنا على تخصيصه، وهذا يعارض ما ذكروه، ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذرة بالدهن؛ لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد، وهذا يخالف قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم) فلا يعول عليه، ثم يبطل بالذهب بالفضة فإنه يجوز التفاضل فيهما مع تقاربهما، واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما، فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي والزهري، والثوري وإسحاق، وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوماً كان أو غير مطعوم كالحبوب والأشنان والنورة، والقطن والصوف، والكتان والورس، والحناء والعصفر، والحديد والنحاس ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء) -وهو الربا – فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: (لا بأس إذا كان يداً بيد) .
وقالت الشافعية: العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات، وغيرها لعدم المشاركة، والعلة في الأربعة الباقية: كونها مطعومة، فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم.
ووافق مالك الشافعي في الذهب والفضة.
أما في الأربعة الباقية فقال: العلة فيها كونها تدخر للقوت، وتصلح له.
وأما مذهب أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – فهو أن العلة في الذهب والفضة الوزن، وفي الأربعة الكيل، فيتعدى إلى كل موزون، وإلى كل مكيل .
قال الإمام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: “اتفق جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة على أنه لا يباع الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب؛ بجنسه إلا مثلاً بمثل، إذ الزيادة على المثل أكل للمال بالباطل”
2- ربا النسيئة:
هو الذي كان مشهوراً في الجاهلية، ويعرف بالزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل.
أن يدفع أحدهم للآخر مالاً لمدة، ويأخذ كل شهر قدراً معيناً، فإذا حل موعد الدين ولم يستطع المدين أن يدفع رأس المال أجل له مدة أخرى بالفائدة الذي يأخذها منه، وهذا هو الربا الغالب في المصارف وغيرها ببلاد المسلمين، وقد حرمه الله – تعالى- على المسلمين وعلى غيرهم من الأمم الأخرى.
ولا شك أن ربا النسيئة لا خلاف في تحريمه بين الأمة جمعاء، إنما الخلاف في ربا الفضل بين الصحابة وابن عباس – رضي الله عنهم – أجمعين، وقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنه – أنه رجع عن قوله وانضمّ إلى الصحابة في القول بتحريم ربا الفضل. وربا النسيئة تحريمه ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع.

المبحث الثاني : مضار الربا من الناحية الاقتصادية:
فانه من المعروف بداهة ان الشرع الحنيف انما جاء لدفع المفاسد عن الناس وجلب المصالح لهم وتحقيق السعادة في حياتهم الدنيا والاخرة فكل ما فيه ضرر على البشر دعى الدين لتركه فوردت نصوص كثيرة حرمت الكثير من الممارسات التي اعتاد الناس عليها في حياتهم فحرمتها لما فيها من الاذية والضرر المتحقق في حياتهم وحصول هذا الضرر انما هو يتقاطع ويتعاكس مع ما دعت اليه الشريعة السمحاء واكدت عليه من خلال مبدأ دفع المفسدة وجلب المنفعة والتي تدور الشريعة معه و للربا مضارا كثيرة منها ما يتعلق بالناحية الاقتصادية او يتعلق بالنواحي الاخرى .
ويتجسد هذا الضرر في صور كثيرة منها
اولا : القروض وهي انواع كالاستهلاكية والقروض الإنتاجية والقروض الحكومية من الداخل، ومنها:
أ – القروض الاستهلاكية: وهي قروض يطلبها الفقراء الناس ويلجأ اليها الفقير عند وقوغه في مصيبة أو شدة لقضاء حاجاته الضرورية.
وعادة هذا القرض تكون الفائدة الربوبية عالية جدا نتيجة لاستغلال المرابي الظرف الذي يمر المستقرض وحراجة موقفه وحاجته للمال فيعمد الى اخذ قرض ربوي والمرابي قد لا تكون عليه رقابة او سلطان فقد يقع هذا المستقرض في ورطة قد لا يتخلص منها لباقي عمره .
وهذه العملية هي التي تمكن الرأسمالي من دخل العمال وتجعله مستبداً به دونهم. ونتيجة لذلك تفسد أخلاقهم، ويقترفون الجرائم والدنايا، وهو يحط من مستوى المعيشة، ويقلل من كفاءاتهم ونشاطهم الذهني والبدني، وهذا ليس ظلماً فحسب بل إنه ضرر على الاقتصاد الاجتماعي، على أن المرابي يسلب قوة الشراء من الفقير، وإذا فترت قوة الشراء تكدست البضائع في الأسواق ونتيجة لهذا التكدس تتوقف بعض المعامل من الإنتاج أو تقلله على الأقل، وبهذه العملية تنشأ البطالة لمئات من البشر، وهذه البطالة تعرقل نمو التجارة والصناعة.
ب – القروض الإنتاجية: وهذه القروض يأخذها التجار وأصحاب الصناعة والحرف لاستغلالها في الإنتاج المثمر.
إن هذه العملية التي يأخذ المرابي الربا من دون أن يتعرض لشيء إذا خسر المعمل أو التاجر تؤدي إلى تحرك الميزان الاقتصادي من جانب واحد دائماً وهو جانب المرابي فهو رابح دائماً، أما صاحب المعمل أو التاجر فليس كذلك، فيتضرر جميع العمال وصاحب العمل إلا المرابي فإنه لا يتضرر بذلك حيث أن ربحه مضمون، بالإضافة إلى أن معظم رأس المال مدخر عند الرأسماليين، لأنهم يرجون ارتفاع سعر الربا، فلا يعطي ماله للتجارة أو الصناعة لانتظاره ارتفاع سعر الربا على أن السعر المرتفع يجعل المرابي ممسكاً لماله إلاّ وفق مصلحته الشخصية لا وفق حاجة الناس أو البلاد، وقد يكون السعر المرتفع مانعاً للأعمال النافعة المفيدة للمصلحة العامة مادام ربحها لا يسدد سعر الربا، في حين أن المال يتدفق نحو الأعمال البعيدة عن المصلحة العامة لأنها تعود بربح كثير.
وقد يستعمل التجار الذين هم مطالبون بالربا الطرق المشروعة وغير المشروعة المؤدية إلى اضطراب المجتمع الإنساني والحط من الأخلاق الإنسانية وما يترتب عليها من جرائم في سبيل كسب سعر الربا.
ج – القروض الحكومية من الداخل: وهي القروض التي تأخذها الحكومة من أهالي البلاد، فهناك القروض المأخوذة لأغراض غير مثمرة كالحروب، وهناك القروض المأخوذة لأغراض إنسانية اجتماعية كالتجارة مثلاً، وهذان النوعان يشابهان القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية.
والملاحظ هنا أن الحكومة تلقي ضغطاً على عامة أهل البلاد بفرض الضرائب والمكوس حتى تستطيع أن تؤدي إلى الرأسماليين (أصحاب القروض) الربا، والتجار أيضاً لايؤدون هذه الضرائب والمكوس من عندهم وإنما يرفعون قيمة السلع فيؤخذ الربا على وجه غير مباشر من كل من يشتري من السوق وهو الفقير والمتوسط الحال. إذن الذي يتضرر تضرراً كاملاً هو الفقير فحسب، لأن صاحب الغلة وأصحاب المصانع والتجار يرفعون من سعر نتاجهم .
ثانيا : الربا يمنع من إنشاء المشروعات المفيدة للمجتمع، لأن الربا: يعني أن المال يولد المال من دون أعمال، أما الأعمال إذا ولدت المال، فهذا يعني أن صاحب العمل استفاد وكذلك المجتمع استفاد، وإذا طرحت هذه المواد أو تلك المنتجات أو هذه الخدمات انخفضت الأسعار لإن توافر المواد يخفض سعرها، وإذا انخفض السعر اتسعت شريحة المستفيدين فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عم الرخاء، لأن كل شيء يرفع السعر يضيق دائرة الاستفادة، والمشكلة أنّ الدائرة إذا ضاقت يقل الإنتاج والبضائع تتكدس في المستودعات مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج، وهذا بدوره يؤدي إلى الاستغناء عن العمال فتزداد البطالة وينقسم المجتمع إلى طبقتين طبقة تملك ولا تعمل وطبقة تعمل ولا تملك، طبقة عاطلة عن العمل وهي طبقة المرابين وطبقة تعمل ولا تملك وكل جهدها لا يكفيها قوت يومها .

المبحث الثالث : أضرار الربا من الناحية الاجتماعية:
للربا أضرار عديدة من الناحية الاجتماعية، منها:
1- الربا له أضرار أخلاقية وروحية، لأننا لا نجد من يتعامل بالربا إلا إنساناً منطبعاً في نفسه البخل، وضيق الصدر، وتحجر القلب، والعبودية للمال، والتكالب على المادة وما إلى ذلك من الصفات الرذيلة.
2- المجتمع الذي يتعامل بالربا مجتمع منحل، متفكك، لا يتساعد أفراده فيما بينهم، ولا يساعد أحد غيره إلا إذا كان يرجو من ورائه شيئاً، والطبقات الموسرة تعادي الطبقات المعدمة. ولا يمكن أن تدوم لهذا المجتمع سعادته، ولا استتباب أمنه، بل لا بد أن تبقى أجزاؤه مائلة إلى التفكك، والتشتت في كل حين من الأحيان حيث بالربا تزرع بوادر الحقد والعداوة وهذا ما نشاهده اليوم بين أطراف الربا سواء على الصعيد الشخصي أو على الصعيد الدولي.
3- الربا إنما يتعلق في نواحي الحياة الاجتماعية لما يجري فيه التداين بين الناس، على مختلف صوره وأشكاله. وهذه القروض ضررها يعود على المجتمع بالخسارة، والتعاسة مدة حياته، سواء كانت تلك القروض لتجارة، أو لصناعة، أو مما تأخذه الحكومات الفقيرة من الدول الغنية، فإن ذلك كله يعود على الجميع بالخسارة الكبيرة التي لا يكاد يتخلص منها ذلك المجتمع أو تلك الحكومات، وما ذلك إلا لعدم اتباع المنهج الإسلامي، الذي يدعو إلى كل خير ويأمر بالعطف على الفقراء والمساكين، وذوي الحاجات، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
وقال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، فلا نجاة، ولا خلاص، ولا سعادة، ولا فكاك من المصائب، إلا باتباع المنهج الإسلامي القويم واتباع ما جاء به من أحكام وتعاليم.
4- تعطيل الطاقة البشرية، فإن البطالة تحصل للمرابي بسبب الربا وتقاعسه عن العمل الجاد، والإنتاج المؤدي إلى صلاح الفرد والمجتمع؛ بما يوفره من توفير فرص أكبر للأيدي العاملة.
5- وضع مال المسلمين بين أيدي خصومهم، وهذا من أخطر ما أصيب به المسلمون، وذلك لأنهم أودعوا الفائض من أموالهم في البنوك الربوية في دول الكفر، وهذا الإيداع يجرّد المسلمين من أدوات النشاط، ويعين هؤلاء الكفرة أو المرابين على إضعاف المسلمين، والاستفادة من أموالهم .
6- آكل الربا يحال بينه وبين أبواب الخير في الغالب، فلا يقرض القرض الحسن، ولا ينظر المعسر، ولا ينفس الكربة عن المكروب، لأنه يصعب عليه إعطاء المال بدون فوائد محسوسة، وقد بيّن الله فضل من أعان عباده المؤمنين ونفّس عنهم الكرب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» .
7- الربا يقتل مشاعر الشفقة عند الإنسان، لأن المرابي لا يتردد في تجريد المدين من جميع أمواله عند قدرته على ذلك
8- الربا يسبب العداوة والبغضاء بين الأفراد والجماعات، ويحدث التقاطع والفتنة ويجرّ الناس إلى الدخول في مغامرات ليس باستطاعتهم تحمّل نتائجها.
وأضرار الربا لا تُحصى، ويكفي أن نعلم أن الله تعالى لا يحرم إلا كلّ ما فيه ضرر ومفسدة خالصة أو ما ضرره ومفسدته أكثر من نفعه .

الخاتمة
موضوع الربا له أهمية كبيرة، وجدير بالعناية من الباحثين والعلماء المخلصين، وما ذلك إلا لأن الربا آفة خطيرة على الأمة الإسلامية؛ ولأن الربا مضاد لمنهج الله تعالى فيجب على جميع المسلمين التمسك بكتاب الله، وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ففيهما الخير كله، وفيهما سعادة البشرية – لمن تمسّك بهما وعمل بما فيهما من أحكام وتوجيهات – في الدنيا والآخرة.
فالربا من اخطر الامراض التي تدمر المجتمعات الانسانية اذ تجعل المجتمع ينقسم الى قسمين قسم دائن وهم قلة قليلة وقسم اخر وهم الاغلب مدين وما يتبع ذلك من اثارة الضغينة والحقد بين افراد المجتمع ويؤدي بالنهاية الى دمار وهلاك المجتمع ومن هنا فان الشريعة الاسلامية حرمته وحرمت التعامل به وعدت المتعامل به كأنه يعلن الحرب على الله سبحانه وتعالى فقد جاءت الادلة القطعية من كتاب وسنة على تحريم الربا وتجريم فاعله .
وللربا اضرار اجتماعية واقتصادية جمة تؤثر على حياة الفرد والاسرة والمجتمع وهذا ما اكدته الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة وايضا اكدته نتاجات الحضارة وخبرات البنوك وتجارب المرابحين والتجار؛كل هؤلاء يؤكدون أن الربا مرض سرطاني يجب أن يُستأصل من جذوره لكي تعيش الشعوب بأمان ويعم الرخاء وتنتهي البطالة ويحيى الناس على الحب والتآخي والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، حتى ننال السعادة في الدارين ونعيش معيشة لا نضل فيها ولا نشقى .

المصادر:

بداية المجتهد ونهاية المقتصد لمحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الحفيد / تحقيق : محمد صبحي حسن حلاق / سنة النشر: 1415 – 1994 / رقم الطبعة: 1 .
الربا، وآثاره على المجتمع الإنساني، للدكتور عمر بن سليمان الأشقر / الناشر دار النفائس عمان / رقم الطبعة 3 .
رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) لمحمد أمين بن عمر عابدين/ تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود – علي محمد معوض / الناشر: عالم الكتب / سنة النشر: 1423 – 2003 .
الزواجر عن اقتراف الكبائر المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري / الناشر: دار الفكر الطبعة: الأولى، 1407هـ – 1987م .
صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري أبو عبد الله / الناشر: دار ابن كثير – دمشق بيروت / سنة النشر: 1423 – 2002 .
صحيح مسلم / لمسلم بن حجاج / تحقيق: نظر بن محمد الفاريابي أبو قتيبة / الناشر: دار طيبة / سنة النشر: 1427 – 2006 / تاريخ الطبعة: 1 .
كتاب الربا/ أضراره وآثاره/ في ضوء الكتاب والسنة فضيلة الشيخ الدكتور/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني الناشر مؤسسة الجريسي في الرياض .
المجموع شرح المهذب للنووي ليحيى بن شرف النووي محي الدين أبو زكريا /تحقيق : محمد نجيب المطيعي / الناشر: مكتبة الإرشاد .
مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (مجموع الفتاوى) /لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية / الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف / تاريخ الطبعة: 1425 – 2004 .
مسند الإمام أحمد بن حنبل لابي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ) المحقق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1421 هـ – 2001 م .
المغني لموفق الدين ابن قدامة / تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي – عبد الفتاح الحلو /الناشر: دار عالم الكتب / سنة النشر: 1417 – 1997 / رقم الطبعة : 3 .

http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=4672&id=142&sid=1177&ssid=1187&sssid=1192

اترك ردا