الثابت والمتغير في السيرورة القرارية بالمغرب: مساهمة في دراسة لعلاقة القرار العام بالنظام السياسي المغربي لما قبل مارس 2011

سيدي الأشكل: أستاذ التعليم العالي مساعد، المركز الجهوي لمهن التربية و التكوين – العيون، المغرب

تعد ظاهرة القرار العام محور كل نشاط عام ذلك أن الوظيفة القرارية كانت دائما تعتبر وظيفة أساسية و دائمة بالنسبة لجميع الأنظمة و المجتمعات السياسية بما فيها المجتمعات البدائية، لذلك قام علماء السياسة برصد الظاهرة القرارية و الاهتمام بها ،فكتابات فلاسفة السياسة الأوائل تكشف عن اهتمام بأفعال الحكومة و إن كان محدودا وعارضا فقد انصب اهتمامهم في هذا السياق على البناء المؤسسي للحكومة والتبرير الفلسفي لوجودها حيث كان الاشتغال بدراسة الدستور وشكل الدولة والسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من حيث التكوين والصلاحيات دون التطرق إلى بحث العلاقة بين الإطار الدستوري المؤسسي و مضمون القرار العام.
فدراسة القرار العام تهدف من بين ما تهدف إليه الإجابة عن السؤال الجوهري في السياسات العامة كاهتمام من بين اهتمامات علم السياسة و هو من يقرر؟ من ينتج القرار؟ Qui décide وقبل ذلك تطرح العديد من الأسئلة التي لها علاقة مباشرة بصناعة القرار من أهمها : ما معنى القرار ؟ من يتخذ القرار ؟ كيف يصنع القرار؟ كيف ينفذ ؟ كيف يعدل ويلغى ؟ لماذا تتم صياغته بهذا الشكل و في هذا الوقت بالذات ؟ ما هي آثاره ؟ كيف يمكن قراءة الواقع السياسي استنادا إلى الظاهرة القرارية؟
فعلى مستوى علم السياسة يظهر الاهتمام الحديث بموضوع القرار منطلقا من مفاهيم أساسية أهمها : الإرادة العامة ، النشاط العام ، السياسات العامة ، حيث يقدم فقهاء القانون الدستوري مقاربة قانونية مؤسساتية لعملية صناعة القرار التي ارتبطت لفترة طويلة بالمؤسسات الحكومية ، فهذه الأخيرة هي من تحدد وتنفذ و تفرض القرارات سلطويا ، فالقرارات أو السياسات لا تصبح عامة إلا بعد تبنيها من طرف مؤسسة حكومية .
فعلماء السياسة سيلاحظون أن واقع الحياة السياسية و العلاقات بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات أصبحت جد معقدة تجاوزت المقاربة القانونية المؤسساتية من خلال رصدهم لسيرورة القرار،فبالنظر إلى شكل التراجع الملحوظ في قدرة المنتخبين بالمعنى الواسع للكلمة على المراقبة الفعلية لمجموع التفاوضات التي أصبحت تتم حول السياسات العامة لفائدة الموظفين السامين للدولة و تنامي عدد من الفعاليات الإجتماعية والإقتصادية وزيادة دورها في التأثير على مجريات السيرورة القرارية من خلال رصد مستويين :
– مستوى حكومي حيث تظهر الإدارة كمركز ثقل يغذي نزعة التسييس لدى الإداريين والتأثير على القرارات العامة من خلال التداخل بين السياسيين والإداريين بحيث لم يعد من الممكن فصل الإدارة عن السياسة ليفسح المجال لمفهوم “الجهاز السياسي ، الإداري politico administratif ” .
– أما المستوى الثاني فيتعلق الأمر بتنامي دور الشركات والمؤسسات الإقتصادية الخاصة في التأثير على النشاط العام للدولة بهدف المحافظة على مصالحها أو توجيه صناع القرار نحو رغبات جديدة ، فالمسلسل القراري أصبح بشكل متزايد مجالا للرهانات والإستراتيجيات ، لذلك فالسلطة السياسية عندما نربطها بمسألة القرار العام تبقى أساسا علاقة صراعية تتجاوز بعدها القانوني والمؤسساتي .
من هنا فإن دراسة السيرورة القرارية تعتمد بشكل أساسي على معاينة التأثير المتبادل بين النشاط العام و المحيط العام ، فالنشاط السياسي المعاصر يبدو أنه انعكاس لمحددات تنظيمية ترتبط أساسا بالإطار المؤسساتي والمرجعيات القانونية التي تحدده و تمنحه شرعيته خاصة حينما يتعلق الأمر باتخاذ القررات وتدبير السياسات العامة من خلال سيرورات الضبط و عن طريق الفاعلين الذين يبحثون عن مراقبة القرارات داخل سيرورة ليست بالضرورة ذات خط مستقيم بل سيرورة زوبعية processus tourbillonnaire .
هذا بشكل عام ، أما على مستوى المغرب ، فيبدو أن الأدبيات المتوفرة لحد الآن لازالت دون سد الفراغ المعرفي الذي يمكن الإحاطة به في هذا المجال و قد تبين ذلك من خلال ما أنجز من دراسات حول موضوع القرار ، فكما يقول الأستاذ عبد الله ساعف ” إنه ما يزال قابل للاستثمار في أدق تفاصيله و في الكشف عن دواليبه و جعلها واضحة و معروفة لدى الحاكمين والمحكومين ” ، فحتى في بعض الدول الديموقراطية التي تكون فيها ميكانيزمات القرار مفتوحة فهناك صعوبة الوقوف على سيرورة إتخاد قرار معين، بينما داخل دول العالم الثالث وفي واقع مثل الواقع المغربي ، فإن السؤال حول من يقرر؟ و من هم الفاعلون ؟يبدو سؤالا معقدا و صعبا ، الشيئ الذي يدفع الباحث إلى التحلي بنوع من النسبية .
فالتجربة السياسية المغربية في حقل السياسات العامة تعاني من فقر على مستوى تحديد المعالم الرئيسية لصناعة القرار العام في علاقته بمختلف المرجعيات المؤطرة للنشاط العام ، و هنا تبرز بشكل واضح تجليات القرار العام في علاقته بمضامين السياسات العامة في بعديها المؤسساتي والاجتماعي.

للاطلاع على الورقة البحثية

اترك ردا