الدمقراطية ومقابر الغربة … جاسم الشمري

الديمقراطية وغربة المقابر!
د. جاسم الشمري – العراق
من الحقائق الكبرى في الوجود هي نهاية الكائنات الحية، ومنها الإنسان بلحظة ما على ظهر هذا الكوكب بعد عمر قد يطول وقد يقصر، لينتقل الكائن البشري بعدها لعالم آخر، بعيداً عن البهرجة المزيفة، والتباهي، والتناحر، والاتهامات الباطلة والغيبة والنميمة والبهتان وغيرها من الأمراض التي تنخر عقول الفاشلين، أو الحاقدين، أو ربما المتكبرين.
حقيقة الموت الماثلة أمامنا يؤمن بها حتى من لا يعتقد باليوم الآخر؛ وعليه فهي الحقيقية الناصعة التي لا يختلف عليها اثنان في هذا الوجود، المليء بصور التناحر الشريف وغير الشريف، والصادق والكاذب، والذي تتصارع فيه قوى الخير والشر والصلاح والإرهاب، وبالنتيجة جميعهم إلى حفرة لا تعادل أصغر مكان شغله الإنسان في حياته التي ربما تصورها في لحظة ما أنها لا حدود لها، ولا زوال!
مرارة الموت لا يمكن للأحياء أن يتصوروها لأنها من الأمور الذوقية التي لا تعرف إلا بالتجربة؛ وعليه طالما نحن على قيد الحياة لا يمكننا تصور تلك اللحظات المليئة بالخوف – وربما الطمأنينة- للانتقال من هذا العالم المؤقت إلى ذلك العالم الأبدي، ومن الشقاء إلى الأمان الذي لا نظير له، وربما الرعب الذي لا شبيه له!
ورغم أن الموت مرير في كينونته ومخيف في تصوره فان أغلى الناس عندنا يوضع في تلك الحفرة الضيقة، القبر، ونجد أنفسنا قد تخلينا عن أغلى الناس، وقررنا وداعه بلحظة، ونتسابق على ذر التراب على جسده، وكأننا نقول له:( اذهب فإننا لاحقون بك لا محالة، وها نحن نحث التراب عليك لأننا خائفون ومرعوبون من هذا الغائب القريب البعيد، الموت)، ونردد – حينها- بوجل كبير:(إكرام الميت دفنه)، وهكذا هي الأقدار تسيِّر الإنسان من دار إلى دار، ومن حال إلى الحال، وربما يكون أحياناً – بسبب عجزه وضعفه- الورقة التي تلعب بها رياح الأيام والليالي.
وصدق الشاعر العباسي إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، العنزي، المعروف بـ(أبو العَتاهِيَة)، (130 – 211 هـ / 747 – 826 م)، حينما أنشد قائلاً:
ماَ يدفَعُ الموْتَ أرجاءٌ ولاَ حــرَسُ مَا يغلِبُ الموْتَ لاَ جِنٌّ ولاَ أنــــــسُ
مَا إنْ دَعَا الموْتُ أملاكاً ولاَ سوقاً إلاَّ ثناهُمْ إليهِ الصَّرْعُ والخلـــــــــسُ
للمـــــــوتِ مَا تلدُ الأقـــــوامُ كلُّهُمُ وَللبِلَى كُلّ ما بَنَوْا، وما غـــــــرَسُوا
لا شك أن من الأسرار الكبرى في حياة الإنسان هي أنه لا يعلم أَنَّى يموت، وكيف يموت، وهذا جزء مما تركه الرب سبحانه وتعالى من الأسرار، لأننا لو نعلم متى نموت، وأين نموت لمتنا نفسياً قبل الموت، ولذلك من رحمة الله علينا أن ترك مكان وزمان الموت في عالم الغيبيات.
قدر العراقيين – ومن على شاكلتهم من السوريين والفلسطينيين وغيرهم- أنهم معذبون حتى في أبسط الحقوق الإنسانية المفروغ منها، وهو الموت في بلدانهم!
عموماً، ورغم أن الموت حق، وأن أُنس الميت بزيارة أهله ثابتة بنصوص شرعية إلا أن الكثير من العراقيين حرموا من هذه الميزة، وذلك لأن قُبروا في غير بلادهم، ومقابر الأردن وسوريا ومصر وتركيا وبريطانيا وأمريكا والصين وغيرها عشرات الدول تشهد أنها تضم رفات الغرباء، الذين حرموا من وطنهم، وسيرحمون من زيارة الأهل والأحباب لهم في قبورهم، لأنهم في النهاية في غير بلادهم!
كل يوم نسمع بموت مغترب عراقي هنا، أو هناك، ولو كان لتلك المقابر المتناثرة في بقاع الكون أَلْسِنة لذكرت لنا نسبة المدفونين فيها من العراقيين، حتى إنني قرأت نعياً لمهندس عراقي توفي في إحدى غابات دولة إفريقية نائية، وهنالك من ذكر أن العراقيين توزعوا في أكثر من ثمانين دولة حول العالم، وكأن قدرهم أن يكونوا مشتتين في الحياة والممات، وكأن الديمقراطية المستوردة التي جاءتهم مزقنهم، وجعلتهم في عداد التائِهين على هذا الكوكب!
ولا أدري هل أن الموت في أرض الغربة، بعيداً بلاد الأحبة، هو موت مضاعف من حيث الألم والإحساس؟!
لا أدري! لنفكر معاً بهذه القضية الفلسفية الواقعية…

اترك ردا