المنهج الفينومينولوجي في العلوم الإنسانية اللحظة الإيبوخية أنموذجا … عبد القادر بوعرفة

الدكتورعبد القادر بوعرفة – الجزائر 
كنت نشرت منذ سنوات مقال في عدة مجلات عربية حول الفينومينولوجيا الحقيقة والأبعاد*، وشرحت فيه الأصول الكبرى للنظرية، وشد انتباهي أهم أصل من أصولها -في نظري- والمتمثل في مبدأ الحصر أو التعليق ( الإيبوخيا) الذي أعتبره أهم أصل في المنهج برمته. لاأريد الكتابة عن المنهج الفينومينولوجي لكونه اكتسب شهرة عالمية،أو لأنه يُعد منأكثر المناهج جدلا في المجالات الأدبية والفكرية والنفسية بالخصوص، بل أردت أن أكتب عنه لتوظيف اللحظة الإيبوخية في الدّراسات الإنسانية والاجتماعية،لاعتقادي أنها تُحقق قدرا كبيرا من الموضوعية والروح العلمية.ولكن قبل أن ننطلق في الدراسة، لا بد أن أسجل بعض الملاحظات الرئيسة حول المنهج الفينومينولوجي الذي سُوق له أكثر مما يجب:

1- أعتقد بأن جل المناهج تؤدي إلى اكتشاف بؤرة وتخوم الحقيقة لا الحقيقة، وعليه لا ينبغي إبستيميا الادعاء بأن المنهج الفلاني هو السبيل أو الطريق إليها، ويبقى التّمايز بين المناهج في من يقترب أكثر من البؤرة والتّخوم، فالمنهج الظاهراتي يمتلك جملة من الأصول تمكنه عند تطبيقها الاقتراب بعمق من بُؤرة الحقيقة.

2- أعتبر في السّياق السابق نفسه، بأن الفينومينولوجيا ليست نظرية جديدة في المنهج والفلسفة، بل هي مجرد تركيب متآلف لمجموعة من المناهج والنظريات، فالمنهج الدّيكارتي حضر بقوة من خلال تأملات هوسرل النقدية في كتابي ديكارت (تأملات) و(مقالة في الطريقة)، كما نلمس حضورا لمنهج الماركسي ونوافث من المنهج الهيجلي وبعض المقاطع من المنهج الكانطي… مما جعل هوسرل مجرد مُركب بارع، مع العلم أن العقل التركيبي عقل محتال عبر تاريخ الأفكار، نلاحظه في شخص أفلاطون وأرسطو وسان أوغستين والفارابي وابن رشد ….وقد لخص ما سبق الخوري في قوله: “إن الوعي دائما يعني أو يقصد شيئا، فهذا لم يكن اكتشافا هوسرليا… وإن كان هوسرل يردّ هذا الاكتشاف إلى معلمه في فيّنا فرانز برانتو، فإن جذور هذا الاكتشاف تعود إلى عصور غابرة ولم يُبق العرب ذاتهم بمنأى عنها.”

3- تزعم الفينومينولوجيا القطيعة مع ديكارت، لكن الدراسة النقدية تؤكد أن القطيعة المزعومة كانت على مستوى الدّوافع والمقاصد لا على المستوى المتون والمنهج، مما يجعل المنهج الديكارتي حاضرا بقوة من خلال الشك والتركيب والتحليل والمراجعة.

4- كان المنهج الظواهري نتاج عصر أزمة العلوم سواء في الرياضيات أو علم النفس بالخصوص، وتلك الأزمة هي التي جعلت شهرته تكتسح العالم بأسره، ومن جهة أخرى فإن فكر الأزمة يتحول بفعل الأزمة ذاتها إلى عائق مشل وإلى صنم من أصنام العقل.

5- انزلقت الفينومينولوجيا عبر تطورها عن بساطتها وبداهتها الأولى، وألبست مصطلحات ومفاهيم ضيعت وظيفتها الأصلية، وإن اكسبتها في المقابل شهرة واسعة، وهذا يجعلنا نؤكد نقطة رئيسة وهامة، وهي أن المناهج تبدأ بسيطة وواضحة غير أن الفلاسفة يعملون على تعقيدها وتأزيمها مما يجعلها عصية عن الفهم والممارسة.

6- تُعتبر العلوم الإنسانية المستفيد الأكبر من الظواهرية من حيث المنهج، وكذا من حيث الفلسفة والبنية، فالعلوم الإنسانية ترتبط بالمقاصد الشعورية مما يجعل الذات العارفة في مأزق إدراك ووصف طبيعة الشّعور وماهيته، ونظرا لتلك المعضلة المنهجية فإن: “الفينومينولوجيا تتعلق عموما بدراسة وصفية أولية للمعطى الظاهراتي، لأجل تشكيل صورة مجردة، وهذه الوصفية ترتبط بضرورة تحديد الشروط العامة للظاهرة باعتبارها نفسها تمثل بعدا جوهريا للكائن.”

*-الفينومينولوجيا والعلوم الإنسانية يجزم أغلب من أرخوا لتاريخ الفكر الفلسفي أن مصطلح الفينومينولوجيا عُرف في الفلسفة الكلاسيكية كمصطلح تابع للدراسات النفسية، ويعني ارتباط الموضوع بملكة الشعور غير الوهمي ارتباطا يؤدي إلى تمظهره تمظهرا يحقق الموضوعية إذا ارتبط بقواعد المنهج وروحه، وهو محاولة في الوقت نفسه، جر الظاهرة النفسية إلى المنهج التجريبي بدل المنهج الطبيعي الذي سيطر على الدراسات النفسية. ويعترف هوسرل بالفضل لعالم النفس فرانز برونتو (1838- 1916) في ميلاد المذهب الظواهري من خلال أعماله حول الظواهر السيكولوجية، وخاصة كتابه الشهير( كشف النفس)، والذي نبهنا من خلاله إلى ضرورة فهم الظاهرة النفسية انطلاقا من القصد:” المعرفة هي دائما نية موجهة نحو الموضوع” وهو نفسه القائل:” الوعي هو دوما وعي بعض الأشياء.” ويمكن الجزم أن علم النّفس هو الأرضية التي نبتت على أرضها الفينومينولوجيا، وخاصة من خلال ما سُمي بعلم النفس القصدي، وانبثق عن هذا الميلاد ارتباط العلوم الاجتماعية والإنسانية به ارتباطا وظيفيا. انطلق هوسرل من خلال نظرية فرانز برونتو التي تدعي أن حالات العقل المختلفة هي حالات عن موضوعاته المتباينة أصلا. لكن رغم هذا التأثير فقد وجه مؤسس الظواهرية نقدا للمذهب النّفسي من خلال المنهج المتبع، الذي يري فيه انزلاقا نحو المذهب الإسمي والوضعي، الذي يحاول أن يجعل من الظاهرة النّفسية مجرد حالة كم قابلة للقياس، أو حالة طبيعية مثلما هي عند باقي الكائنات الحية، متناسيا وظيفة الشّعور الباطني الذي يهدف هوسرل إلى كشفه من منطلق كونه قائم على تحليل المعاني من منظور أنها تمثل ماهيات ندركها بواسطة الحدس. أراد أن يعطي للوعي الإنساني مكانته بعيدا عن النظرة المكبلة له ضمن أطر الأحاسيس والانطباعات، يقول عبد الفتاح إمام على لسان كير كارد:” إن القيام ضد النزعة السيكولوجية عند هوسرل كان يتجه أساسا ضمن إدراج الوعي ضمن كائنات الطبيعة، بيد أنه كان يريد أن يصون الذات ويحفظها في صميمها داخل المثالية الترنسنتالية.” تبين المقولة التالية لهوسرل قيمة الشعور اللامحصور، الذي يحدده الوعي القصدي من خلال إدراك والتفرقة بين الظاهر والظهور: ” كل شعور هو شعور إذا حاول الوعي أن يعود إلي ذاته ويتحد معها وينغلق على نفسه انعدم.” إن الغاية من الشعور القصدي هو إدراك الأشياء التي تواجهه لغرض تحويل ذلك الإدراك إلى طبيعة ماهوية ثابتة، تؤسس لعلم الشعور الجديد، والذي يهدف إلى غرضين: الأول معرفة معنى الوجود من خلال الأحوال الشعورية،

والثاني هو معرفة الشعور من خلال خواصه وأليات الإدراك. يعتبر هوسرل علم الشعور الجديد (الظواهرية) امتدادا تاريخيا للفلسفة اليونانية وخاصة فلسفة أفلاطون وأرسطو، إنه يتماهي مع أفلاطون من خلال فكرة العلم الكلي اليقيني الذي يراه هوسرل حلا للتناقض الحاصل في بنية الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، التي تشتتت بفعل طغيان الجزئي على المنظور العلمي. يؤمن هوسرل بأن الدراسات التي يقوم بها ستؤسس حتما لعلم ثوري جديد لم يستطع معاصروه تسميته بعد، ومعرفة أفقه الواسع بعد:” بهذه الدراسات نجد أنفسنا إزاء علم لم يصل معاصرونا بعد إلى تصور مداه الواسع. صحيحأنه علم الشعور، لكنه مع ذلك علما للنفس، إنّه علم لظاهريات الشعور في مقابل علم طبيعي عن الشعور.” يوضح هوسرل من خلالنقد المنهج الإسمي* ( لوك ودافيد هيوم) علاقة المنهج الفينومينولوجي بالعلوم الإنسانية، بالرغم من اعتقاده بأن المنطق سابق في وجوده على علم النفس، ولا يمكن أن يكون المنطق فرعا من فروع علم النفس كما يُشاع. يجعلنا تطبيق منهج الشك على فرضية كون المنطق فرع من علم النفس (نظرية إسقاط القيمة) التسليم باحتمالية المعيار المنطقي مقارنة باحتمال المعيار النفسي، وعندئذ تصبح كل الأحكام ذاتية وفضفاضة، وهذا يجعلنا نغير إنتاج معارفنا من جديد، خاصة تلك التي أصبحت من البديهيات والمسلمات. وعليه، سأحاول أن أقدم تصورا مركبا مركزا على نظرية الحصر وتبيان كيف يمكن استثمارها كلحظة مهمة في شتى المناهج المستعملة من خلال تحديد أربع عتبات لتحقيق اللحظة الإيبوخية، وهي على النّحو الآتي:

1- عتبة الوعي الانقلابي ( كوجيتو الرفض) نعلم أن كل من ديكارت وهوسرل اشتغل بالرياضيات، وهذا لا يحيل إلى القول بأن الفينومينولوجيا ترتبط بالعلوم الدقيقة أكثر من ارتباطها بالعلوم الإنسانية، فالمنطلق الأساس لكل من ديكارت وهوسرل هو تـأسيس كوجيتو خاص بالذات العارفة. حيث تكمن نقطة الاختلاف الجوهري بينهما في المنطلق الإبستيمي، الذي يؤطر عملية الفكر من خلال آليتي المنهج والتصور، فديكارت ينطلق من مقولة “أنا أفكر إذن أنا موجود” Cogito Ergo Sum محددا أسس منهجه من خلال : تعالي الذّات العارفة عن موضوع المعرفة (تقديس الذّات وتدنيس الموضوع)، ثم من خلال لعبة الدور (الدور الديكارتي) التي أتقنها بوضوح في المسائل الميتافيزقية (الرب وبرهان الإضافة)، أي الانطلاق من الماهية للعودة إلى الماهية وفق خطواته الأربع: البداهة والوضوح، التحليل، التركيب، المراجعة والإحصاء. ومنه يصبح المنهج الديكارتي مبني على الانتقال من مسلمة للوصول إلى المسلمة ذاتها، بالرغم من منهج الشك الممارس بدقة ومنهج. وعليه، فإن المتن الديكارتي مقبول ومعقول فلسفيا، لكن يبقى الخلاف حول الدّوافع التي حددت الموقف الديكارتي ذاته…. وفق ما صرح به إدموند هوسرل عن ذلك في كتابه تأملات ديكارتية. جاء هوسرل ليقفز على شهرة ديكارت من خلال التركيز على الدّوافع لا على المتن، إن مشكلة المنهج تكمن في التّواري خلف القول الفلسفي عن الدوافع … لذا يصبح المنهج أساسه الأول هو الدافع المنبثق من الرغبة الشعورية والذي نعبر عنه بالقصدية أو الغرضية …. والذي مفاده ربط المنهج بالأحوال الشعورية ….. من هنا يصبح المنهج يقوم على كوجيتو مقلوب : ” أنا أفكر إذن أنا اللامفكر فيه”EGO COGITO COGITATUM، وهو كوجيتو مبني على فكرة سلب الوضوح المبصر من قبل أنا ذاتية لا أنا عالمية كلية …. وهدم ميتافيزيقا التّعالي السلبي وتحويله إلى تعالي إيجابي من خلال إيمان هوسرل بالشعور الباطني الذي يقول عنه :” الشعور الأصيل الذي وُهب للإنسان.” إن تأسيس كوجيتو خاص بالذات هو انقلاب في بنية الوعي على الأحوال والمعارف وحتى المقامات، وهو ضروري في كل ثورة معرفية تحاول فك التناقض الحاصل في بنية المعرفة الراهنة، كما هو إعلان عن ميلاد وعي خالص يتجه صوب القلب والهدم، وهو في الوقت نفسه مشروع بناء منظومة معرفية ثورية جديدة. يقول هوسرل :” أما فيما يتعلق بالثورة التي نلحظها بكثرة في عصرنا الحاضر، فالواقع أنها ذات اتجاه مضاد، في جوهره للمذهب الطبيعي. ويبدو مع ذلك أنها ترغب – تحت تأثير المذهب التاريخي- في الابتعاد عن خط الفلسفة العلمية والاتجاه ببساطة نحو فلسفة في النظرة العامة إلى العالم.” نعبر عن لحظة الوعي الانقلابي بالطور الفينومينولوجي الأول، الذي تحدث عنه هوسرل في كتابه الشهير( فكرة الفينومينولوجيا)، فالوعي بالعوائق هو في حد ذاته ثورة وانقلاب على المعرفة غير اليقينية، ويتغذى الوعي الانقلابي بالشك الديكارتي الذي يؤطر للطور الأول، ويؤطر في الوقت نفسه الانقلاب والثورة على جدلية المحايثة والمفارقة، الموضوعي والذاتي، العلمي والروحي، يقول هوسرل شارحا الطور الأول :” إن الاعتبار” الديكارتي للشك” هو الذي يعطينا ها هنا بدءا: إن وجود الفكر (Cogitatio) المعيش، في الوقت الذي نحن نعيشه ونتأمل أمره فقط،هو وجود واثق، أخذُ الفكر أخذا حضوريا مباشرا وامتلاكه هو أصلا معرفة الأفكار(Cogitationes)، هي المعطيات المطلقة الأولى.” تنتج ممارسة الشك بالضرورة وعيا خالصا، يُكسب الذات وجودها الواثق والصميمي، الذي سيؤسس للثورة المعرفية المتأسسة على المعطيات الشعورية المطلقة الأولى، والتي تفرض على الذات العارفة الوقوف موقف الريبة مما هو معلوم بالعادة أو التلقين أو المشاهدة، إن لحظة الوعي الانقلابي هي محاولة الثورة عن طريق السؤال الذي يُخلخل بنية المنظومات المعرفية التقليدية :”من هنا يبدأ التأمل المعرفي النظري الأول بنحو طبيعي: ما الذي يجعل لهذه الحالات صفة غير مشكلة، ومقابل ذلك ما الذي يجعل الامتثال عالقا بحالات أخرى مدعية للمعرفة؟؟ لم الانقياد في بعض الحالات إلى الريبة والسؤال الريبي، كيف لوجود ما أن يقع التعلق به في المعرفة، ولم في حال الأفكار لا أثر لمثل هذا الشك ولمثل هذا العائق؟؟.” يدرك هوسرل بأن وجود العائق والشك في الوقت نفسه، هو علامة من علامات التحول الإيجابي، ذلك التّحول الذي يتم وفق بنية انقلابية على الراهن، إن اكتشاف علم الشعور الظاهري أحدث قطيعة هامة ورئيسة في دراسة النفس، فهناك فرق بين الوصف الطبيعي والوضعي للشعور وبين الوصف الظاهراتي له، لأن المنهج الفينومينولوجي سيفرق عند دراسة موضوع ما بين ظهوره وظاهره، لكون العملية مرتبط ببنية الإدراك ذاته :” بذلك فإن ثورية هذه الرؤيا الهوسرلية، تكمن، كما نراها، في إبرازه، وهو الدّاعي إلى البداهة والمُبشر بضرورة العيان الأصلي المباشر بالنسبة للمعرفة، لأهمية الدور الذي يلعبه الضِمار في تقوُّم الإدراك.”

2-عتبة العصيان المعرفي تكمن أزمة العلوم الإنسانية والاجتماعية في نقطة رئيسة وأساس، تكمن في كون الإنسان دارس ومدروس في الوقت ذاته، مما يجعل الأحكام مقترنة بالماضي (سلطان العادة، سلطان السلف). وتقتضي قواعد المنهج وضع قطيعة نسبية بين زمن الشعور وزمن التداعي، لا نرفض بذلك قانون التّداعي ولكن نعطي للشعور حقه في التّجلي في زمنه الراهن… سميت هذه اللحظة باللحظة الإبيوخية وهي من خطوات المنهج الظاهراتي. نعني بالإيبوخيا لحظة الصّمت بالمعنى الأرسطي، فالصمت هو حالة إعلان التوقف عن اللغو والدخول في محراب التأمل، فالصمت وفق فلسفة أرسطو هو محاولة التخلص من المؤثرات الدلالية واللغوية، باعتبار أن الأحكام الجاهزة هي عبارة عن تراكيب لغوية وكائنات منطوقة، إن الصّمت هو تعليق كل حكم خارج عن شروط قواعد الحكم أصلا، بالرغم من أن أرسطو تحدث عنه حين هاجم الشكيين فحسب. عبر سان أوغستين عن تلك الإيبوخيا بلحظة التجرد والاعتكاف، فالذات العارفة لا بد أن تطبق مبدأه القائم على أن:” الذات لا تدري وجل ما تعرفه أنها لا تدري شيئا” هذا المنطق يؤسس لرفض كل معرفة وحكم سابق، فالمعرفة الكلية اليقينية تأتي بعد الموت. حفل القرآن الكريم بنصوص كثيرة تطلب من الذات التّوقف عن إصدار الأحكام الجاهزة والمتداولة، لأن الحكم ينبغي أن يكون مبنيا على علم يقيني بالأمر والشيء، ونستدل على ذلك من خلال قوله تعالى :{ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } سورة الإسراء الآية 36. طالب الحسن بن الهيثم في كتابة المناظر العلماء بضرورة ممارسة الكف عن إصدار الأحكام الأولية الجاهزة والتّحرر من سلطة الأوائل، لأن العلم مبني على التّحقق والضبط والاختبار وليس على الإسقاط المباشر لكون الوقائع والظواهر تتباين في طرق إدراكها، وخاصة أن الذّات معرضة للخداع الحسي وغيره من المؤثرات الداخلية والخارجية: ” ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، ونميز خواص الجزئيات، ونلتقط بالاستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مُطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس، ثم نرقى في البحث والمقاييس على التدريج والترتيب، مع انتقاد المقدمات والتحفظ في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي يُثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنحسم بها مواد الشبهات.” نكتشف من خلال النماذج التي ذكرتها سابقا، أن فكرة الحصر والتعليق قديمة، وأن هوسرل حاول أن يوظفها ضمن رؤية فينومينولوجية تتمركز على الشعور الباطني الخالص، وشاعت مؤخرا جملة من التسميات المعاصرة كالتقويس، الحصر، السجن، ….. ونحن سنتعامل مع الإيبوخيا من خلال مصطلح التعليق أو التقويس …. ونتفق مع أنطوان خوري في جزء من نصه التالي: ” إن الكلمة المفتاح على هذا الصعيد هي الامتناع عن الحكمEpochè أو تعليقه. وبكلمات أدق: إنها تعليق قيمة الحكم، تعليق صدقه أو كذبه على السّواء. إنها إذا، الامتناع عن الحكم بالمعنى المنطقي الصرف وليس بأي معنى بند نفسي. بذلك يتضح لنا أن تعليق الحكم أو الامتناع عنه ليس إطاحة بالحكم ينتهي بنا إلى الصمت الذي نصح أرسطو به الشكوكيين.” غير أنني أخلاف الرأي في جزئه الأخير، فالصمت ليس موجها فقط إلى أنصار النزعة الشكية فحسب، بل الصّمت الذي تحدث عنه أرسطو يلزم كل ذات عارفة، لأنه يفرض عليها قاعدة التّروي والتّريث. ومن جهة أخرى، فتعليق الحكم ليس فقط من حيث المعطى المنطقي، بل كذلك من حيث المعطى النفسي، فليست كل الأحكام تستند لأساس منطقي، بل أحيانا نخضع المنطق للحكم النفسي مثلما كان يفعل السفسطائيون عند إنتاج المغالطات الشهيرة. وقد عبرت عن ذلك الصمت الهادف ب:”إن لحظة التوقف عن إصدار الأحكام مرتبطة بلحظة تاريخية، وهي لحظة الاطلاع على الأحكام والآراء التي أطلقتها المذاهب والمدارس على الظاهرة التي هي بالضرورة موضوع اللحظة التأملية. إن من شروط الفيلسوف وفق معايير المذهب الفينومينولوجي التوقف عن إصدار الأحكام، لأن المنهج الفينومينولوجي لا يهمه الحكم في ذاته، بل يهمه كيف استطاع المتأمل أن يصل إلى ماهية وكنه الموضوع.” ويمكن أن نسمي تلك اللحظة الأيبوخية بالعصيان المعرفي، أي عصيان سلطة السّلف (المعنى العام) والنّص والماضي بكل حمولاته، وكل ما يمثل سلطة إكراهية، والعصيان الفينومينولوجي هو رفض سلطة الجاهز والثابت والسرمدي والأبدي ….، إننا نحاول أن نعصي كل سلطة تُكرهنا على اعتناق معارفها وأحكامها ومنطقها، نعصي كل شعور غير أصيل وغير باطني مثلما نعصي السلطة لحظة التمرد السياسي. ولكن بالرغم من ذلك يبقى العصيان ظرفيا ومؤقتا، يستوجب بعد عملية الوصف الخالصة للمعطيات اتخاذ موقف يُعبر عن تعالي إيجابي للذات. نعتبر ذلك العصيان المعرفي نوع من الرد الماهوي أو الإرجاع، وبمنظور ديكارتي قدرة الإيغو على فرض منطقة وجود خاصة به، بحيث يُعبر ذلك العصيان عن خصوصية ذاتية تتحول عبر مراحل الوعي إلى تعالي إيجابي يتحد مع المطلق اتحادا وظيفيا لا اتحادا ماهويا. تتماثل هذه اللحظة بالمرحلة الثانية عند هوسرل، والتي سماها بمرحلة الرد الفينومينولوجي والتي مفادها أن :” كذلك نبلغ الآن تميز هذا الحقل، بأنه حقل معارف مطلقة يكون فيها الأنا والعالم والله والمجموعات الرياضية وكل الموضوعات العلمية في حال التعطيل.” ومن خلال ما سبق، كيف يمكن أن نستفيد من الفينومينولوجيا عموما ومن اللحظة الإيبوخية خصوصا عند دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية؟؟؟ماذا نعلق أو نقوس وكيف؟؟؟

3- عتبة الاعتصام المعرفي لا نعتبر التعليق مجرد رفض أو سجن للأحكام السابقة والميول والدوافع، بل التعليق هو ذاته مبني على منهج، فالتعليق يحتاج إلى التزام الذات العارفة بشروط موضوعية تساعد على التعليق، ترتبط بالمكان والزمان وأمور أخرى ضرورية، إن الاعتصام المعرفي هو محاولة ممارسة التأمل والتقصي خطوة خطوة، وترك المعطيات المطلقة لفك التعارض الظاهري بين المحايثة والمفارقة عن طريق إدراك مدى إنعطاء النفس تجاه المعطيات :” إلا أن الأمر لا يقف على حاله، إن نحن فحصنا المعطيات عن قرب. أولا الأفكار التي هي عندنا، وبما هي مجرد معطيات غير حاملة لأي أسرار، إنما تنطوي على كل ضروب المفارقات.” يقوم الاعتبار الفينومينولوجي الثالث عند هوسرل على مبدأ الحاجة الماسة إلى اعتصام الذات في مملكة العقل، لأجل إجراء جملة من الاستقصاءات المهمة والضرورية: ” نحن نحتاج الأن إلى درجة جديدة من الاستقصاءات حتى نترقى صُعدا بشأن وضوح معنى الفينومينولوجيا والإشكالية الفينومينولوجية.” يؤدي الاعتصام المعرفي إلى تمثل حقيقة المنهج الفينومينولوجي من خلال تتبع الظاهرة في كل جزئياتها وأحوالها، وإنعطاء الذات معها، وهذا التعاطي الفينومينولوجي متنوع ومتعدد يفرض ممارسة التعليق درجة بدرجة وعتبة بعتبة :” يتعلق الأمر الأن بتقصي المعطيات خطوة بخطوة في كل تحولاتها، وما كان منها أصليا وما كان زائفا، ما كان بسيطا وما كان مركبا، ما تقوم منها مرة واحدة، وما أنبنى منها درجة درجة بحسب ماهيته. ما صدق منها بالإطلاق وما كسب منها الانعطاء وتمام الصدق بتدرج لا حدّ له في سيرورة المعرفة.” ويمكن تحديدها في الفضاءات التالية:

1- التعليق العام: رفض مؤقت لكل منتوج معرفي تم إنتاجه على شكل أحكام أو يقينيات على مستوى: – الصّدقية: لا يجب تصديق الخطأ أوالصواب، بل يجب التعامل معهما على أنهما قيمتان ذاتيتان يمكن للذات بعد عملية الوصف والتحليل أن تتوصل إلى قيمة فضلى من خلال تصديق أحد القيمتين، أو التوصل إلى حكم ثالث يشمل أجزاء من الحكمين معا. – الدلالية: لا يكفي تعليق الحكم، بل يجب رفض إكراهات العلاقة التي يفرضها الدال والدلول، لأن الميل إلى معنى ما هو ميل إلى حكم ما، فالأحكام قبل أن تكون قيمة معيارية هي قيمة لغوية، لها تأثير كبير على مجرى المنطوق والحكم المعياري. – الزمانية والمكانية: يلعب الزمن( الوقت) دورا مهما في بنية الحكم، فالحدث والتقادم يُغير من طبيعة الحكم، وعليه فإن ممارسة الإيبوخيا في مجال الزمن والمكان تقتضي العيش في زمن الظاهرة فقط ( زمن الظهور وليس تاريخ الظاهرة) ثم التّقيد بشروط المكان، مع منع الذّات من تأويل لعبة الزمن مؤقتا. ويمكن التّعامل مع الزمن من خلال نظرة هوسرل له، إذ قسمه إلى ثلاثة أزمنة: أ-الماضي: الامتناع عن استصدار حكم سابق. ب-الحاضر: التريث في إصدار حكم إلا بعد استنفاذ عملية الإدراك أو الاستبصار. ج-الحاضر + الماضي: تعليق مقولات الإيغو لحظة ما قبل التركيب، من خلال تجديد الشعور الباطني.

2- التعليق الماهوي: من أجل الوصل إلى لحظة الرد الماهوي لا بد أن نمارس التعليق الماهوي والمتمثل في: أ-تحديد معنى الإدراك وماهيته، والتي تحاول دوما الوصول إلى ماهية الموضوع باعتبار المذهب الفينومينولوجية يقصد التمكين لفلسفة الماهية، والتي لا يمكن لها إلا بثلاث حركات، هي على النّحو التالي: – تعليق الإيغو: من خلال تحديد قضية أو حكم يصبح قابلا أن يكون موضوعا للإدراك. – تعليق اليقين: من خلال الشك في ماهية الموضوع الأولي من حيث: الصورة، الغاية، الصدق. – تعليق الشّك: من خلال إعادة بناء الإدراك الجديد، لأجل إثبات صواب الموضوع أو خطئه. يمكن لهذه الحركات الثلاث أن تعطي للتجريد بعدا فينومينولوجيا مهما، إذا ما استطاع العقل أن يميز بين المعنى المنطقي والمعني الفينومينولوجي.

3- التعليق الهرمينوطيقي: حاول هوسرل أن يربط النّحو بعملية إدراك المعني، وخاصة علم اللغة المتخصص في قضايا الدال والمدلول، ويبحث في تطور مدلولات الكلام- أي السيمنتكية-.من خلال الأبعاد الثلاثة التالية: أ-اللغة: تعليق لعبة الدال والمدلول. ب- الجمال: تعليق قوانين الجذب والانفعال. ج- المنطق: تعليق قوانين الضبط والصرامة. والغاية من التعليق الهرمينوطيقي هو الحد من سطوة الشعور الانفعالي الذي يلعب دورا رئيسا في تحوير الإدراك عن موضوعه.

4- التعليق الاختباري: كان هوسرل ضد النزعة التّجريبية بمعناه الطبيعي في علم الروح، لأن الإدراك ليس بعملية حسية فحسب، بل هو عملية تكوثرية، ومنه ينبغي تعليق التجربة الحسية باعتبارها غير منسجمة مع مستويات الحس : الرؤية – اللمس – الشم – السمع – الذوق ..، فالموضوع لا يدرك من خلال إحدى المعطيات الحس السابقة فقط …… كما يجب تعليق فكرة الأولية والأسبقية بين التجربة والفكرة، فالبدء ب أ للوصول إلىب لا يعني أن ب هو ثاني وأن أ هو الأول … لقد أشرت في مقال سابق بأن الظواهرية تتفرع إلى علمين، علم يدرس الظواهر من حيث اقترانها بأسباب حدوثها، ويخلص إلى تحديد العلاقة المبنية على أساس العلة والمعلول، يستمد شرعية نتائجه غالبا من التجربة والاختبار وفق القواعد التي وضعها كل من فرانسيس بيكون وجون ستوارت ميل، وهو ما يعرف لدى العام والخاص بالمذهب التجريبي، الذي يحاول أن يفصل الموضوع عن الذات العارفة، إذ يصبح الموضوع هو أصل الحقيقة (المعرفة يعكسها موضوعها). وعلم يدرس الظواهر كما هي عليه في الزّمان والمكان دون فصل الذّات عن الموضوع أو إقصاء الأحوال الشّعورية النفسية عن موضوع المعرفة. أما العلم الثاني فهو علم الظواهر، وهو علم ينفر من التجربة الحسية المادية، ويحاول أن يعلق الاختبار الفزيقي، وأن يجعل الظاهرة تُدرس ضمن منظور فينومينولوجي يجعل دراسة الظواهر النفسية مرتبطا بعلاقة الأنا بأحوالها الشعورية، ويرتبط بمبدأين: أ- ملاحظة المعطيات النفسية من خلال أعراضها. ب – وصف الأحوال الشعورية وصفا دقيقا مستقلا عن كل قصد أو تصور أو حكم سابق عنه.

4- عتبة الانفراج المعرفي: نستطيع القول أن أزمة الذّات العارفة تنفرج آخر الأمر من خلال قدرتها بعد الوعي والعصيان والاعتصام على الولوج إلى منطقة الانفراج المعرفي، ونقصد به نقطة التّحول الفينومينولوجي الذي يجعل الذّات قادرة على اتخاذ قرار معرفي من خلال بناء شعورتتحكم فيه أربع آليات هي على النحو التالي: 1- النويما (النّايم) (Neoma):هو قوة الإحساس المُمَنطقة. 2-هيل(HYLE) :المادة المحسوسة. 3- المورف(MORPHE) : الهيئة المقصودة. 4- النوز(NOESE) : العنصر النشط ( الموقظ أو المنبه) يُشكل التفاعل بين تلك العناصر الأربعة لحظة انعطاف تاريخي للذات، إذ يجتمع الموضوع بالذات في بوتقة تفاعلية واحدة، تجعل إدراك موضوع ما ممكنا من خلال التجاذب الفعال بين عناصر الموضوع، والأمر يفصله بوخينسكي على النّحو التالي: ” ففي حالة رؤيتنا لشجرة مثلا، فإننا نتميز كذلك الإحساس بالإدراك في حد ذاته (Neoma). وبالمثل فإننا في أثناء إصدار عملية الحكم، نتميز عبارة إصدار الحكم (أي ماهية هذه العبارةUteilsnoesis)، ونتميز كذلك إصدار الحكم المُعبر عنه (Uteilsnoema). وقد يكون في الإمكان تسمية الأخيرة قضية بالمعنىالمحض لو أن ال (Neoma) لم تكن تحتوي بجانب صورتها المنطقية على ماهية مادية.”

*- الختام حاول المنهج الفينومينولوجي من خلال فلسفة أنصار مذهب الماهية أن يحقق مساءلة فلسفية خالصة، تتمثل في استنفاد التجربة الغرضية من لحظات التأمل الخالص لجملة التجارب المرتبط بالأحوال الشعورية، فيصبح بموجب هذا الاستنفاد المحمول مرتبطا بالموضوع، والموضوع معطى أساسيا للمحمول الخالص. إن الحقيقة عند الفينومينولوجين ليست شيئا مستقلا، فهي مجرد ظاهرة مجردة – موجود ما- والظاهرة ما هي آخر الأمر إلا مشروع نية ووعي خالص. قابل للتجدد حتى ولو تمأسس على ما يسميه هوسرل علم الشعور. تصبح اللحظات الأربع ( الوعي الانقلابي + العصيان+ الاعتصام + الانفراج) مهمة جدا في عملية اللعبة الوصفية لكونها تساعدنا على ممارسة التعرف والتفلسف من خلال اللحظة الماهوية نظرية (المعنى)، ثم من خلال اللحظة القصدية ( الإدراك)، ثم من خلال اللحظة الإبيوخية ( التعليق)، وتنتهي أخر الأمر باللحظة التركيبية ( تشكيل الحكم). ولكن بالرغم من التحليل السابق، لا بد من القول أن الفلسفة لا يمكن أن تصير علما دقيقا كما كتب هوسرل، فالفلسفة بمجرد التفكير في تكميميها وتريضها سنفقدها طبيعتها وماهيتها الأولى، إن الفلسفة تنفر من العلم والكم معا، هي تفكير حر يستند إلى الشعور والحدوس والعقل لكنه لا يتقيد بأي أحد منهما تقيدا مطلقا. يمكن في الأخير أن نتساءل مع الخوري: “… هل تستقر هذه المحاولة الهوسرلية عن وجهها فتبدو، في النهاية، تحايلا على شجرة الحياة ذاتها وعلى الكرويم الذي يحرس طريقها” بلهيب سيف متقلب” وذلك بغية تطعيمها، هي ذاتها، بفروع من ” شجرة المعرفة”؟؟ أو أنها مجرد حنين مغفل إلى فردوس مفقود….”

اترك ردا