اللغة العربية والأمازيغية: بين المقاربة الابستيمولوجية والصراع الوهمي … حرزالله محمد لخضر

حرزالله محمد لخضر: جامعة محمد خيضر بسكرة – الجزائر

أستفتح مقالي بقوله تعالى:” وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ.” سورة الروم الآية 22.
إن من المقرر علميا لدى علماء اللغويات واللسانيات أن اللغة هي:” ما يعبر به كل قوم عن حاجاتهم ومآربهم”، وهي نظام بديع من الرموز والدلالات يتواطؤ عليه جماعة بشرية لأجل أداء وظائف اجتماعية وحضارية وتواصلية.
فتأسيس لغة ما ليس بالأمر الهيّن لأنها حصيلة مخاض فكري عبر السنين لنحت الكلمات والحروف والتأليف بين الأسماء والمسميات أو على رأي دي سوسير “تطابق الدال مع المدلول” قصد وضع قواعد نحوية وصرفية وبلاغية خاصة، لينشأ بعد ذلك قبول وتواضع مجتمعي على استعمال اللغة حتى تصبح أحد أبعاد هوية الأمة. وعليه فاللغة في أي مجتمع تعبر عن ثرائه المعرفي والثقافي وتراثه الحضاري الفريد والمتميز ، الذي يجب الإحتفاء به والتمكين له وصيانته من عوامل الطمس والأفول والاستضعاف.
وهاهنا يطرح سؤال هام: بأي طريق يمكن للغة معينة أن تتمكن وتتأصل في المجتمع ؟ تتعدد أسباب ذلك ولكن يمكن إجمالها في ما يأتي:
– فاللغة العربية قد أعلى القرآن الكريم من مكانتها ورفعها إلى مصاف الإعجاز أداء ودلالة.
– واللغات اللاتينية الحية القديمة كتبت بها العلوم والفلسفة.
– وقد يساهم الاستعمار في فرض لغته على الأقاليم المستعمرة فيمكن لها بالقوة والقهر وتبقى بعد ذلك دارجة على الألسن حتى بعد خروج المستعمر، كاللغة الفرنسية في المستعمرات الإفريقية.
– وهناك أبعاد تاريخية قومية تساهم في التمكين للغة، كسعي مجتمع ما لاستعادة أمجاده الغابرة وحضارته الآفلة، واستبعاث كل مقومات هويته العتيدة التي تمثل اللغة أحد أبعادها الهامة وهذا ما حدث للغة العبرية والتركية مثلا.
– وهناك لغات تمكّن في المجتمع ويتسع مداها لكونها ” لغة العلوم الحاضرة” وهنا يظهر البعد العلمي والتكنولوجي في توسيع دوائر الناطقين بها على مستوى عالمي، لكونها تمثل لغة العلم والتقدم التقني والتواصل الإنساني، وقد كان للغة العربية نصيب وافر من هذا إبان عصور الازدهار الأندلسي أين كتبت بها العلوم الطبية والعلمية والفيزيائية والانسانية والاجتماعية… وفي الوقت المعاصر تمثل الانجليزية المثال الواقعي لسيادة اللغة على مستوى عالمي، إذ أضحت لغة العلم والتكنولوجيا والرقميات الحديثة وهذا راجع إلى ما قدمه أهلها للإنسانية من معارف وإبداعات فريدة ونبوغ في ميادين عديدة جعل الجميع طوعا أو كرها ملزما بتعلمها لكونها وسيلة للتواصل والمعرفة والتعلم.
إن اللغة لا تفرض بقوة القانون ولا بالاحتجاج الدموي العنيف ولا يمكن إلزام الناس بها قسرا وهذا منطق غاية في الخطورة والمجازفة، لأنه قد يُخرج اللغة من كونها إبداعا بشريا مميزا وتراثا هوياتيا أصيلا، إلى أداة لتأجيج الإصطفافات الإيديولوجية والمغالبة العرقية والإختراق والإنشراخ الفكري والثقافي داخل المجتمع، بل إن للغة مسارا علميا ومنطقيا يجب أن تحذوه، ولابد لها من سيرورة مرحلية لتعميم النطق بها، وهذا ما يدركه الأخصائيون في علم اللغة والدلالة والسمياء والأسلوبية وعلم اللسانيات ونشوء اللغات وحياتها، وعلماء الأنتروبولوجيا والعلوم الإنسانية وابستيمولوجية، فلو وُسِدَ إليهم هذا الأمر لاضطلعوا بمهمة التمكين للغة وفق السنن العلمية والمرحلية ولاستطاعوا أن يحققوا الشروط اللازمة لإحلال اللغة في الوسط الإجتماعي بأوفق سبيل وأثبت وأحكم طريق، فالقضايا العلمية لا ينبغي أن يناقشها إلا العلماء المختصون ولا يصح أن تحال إلى الدهماء والعوام أو أن يتلقفها السياسيون والإيديولوجيون فيجعلون منها تِكْأَةً لتحقيق مآربهم التي تكون في الغالب ذات أبعاد إثنية وعصبية ومصلحية…
إن الأسباب السالف ذكرها حول التمكين للغات وشمولية استعمالها لا تمت بصلة إلى مكانتها الأدبية والبلاغية، فقد تعلو لغة هي أقل في المستوى البلاغي والأدبي من لغة أخرى لظرف تاريخي أو موضوعي وقد مر معنا ذكر بعض الأسباب لذلك، فانتشار النطق بالانجليزية اليوم ليس مؤشرا على تفوقها البلاغي والصرفي والنحوي والدلالي والسيميولوجي على اللغة العربية مثلا، كما يوهم البعض من المستلبين ثقافيا فيتخذون ذلك مدخلا يلمزون به العربية بالرجعية والقصور ، وهذا معلوم لدى خبراء اللغة، فاللغة العربية حوت أفانين الخطاب وثراء الأسلوب ودقة وجزالة المعنى ما لا يتوفر للغة أخرى، ولكن هذا العامل وحده لا يكفي للتمكين اللغوي بل لابد أن يسنده دافع موضوعي يجعل من اللغة محلا قمينا بالرعاية والاهتمام والاستقطاب، وهو ما يتجلى في أسباب التمكين المعاصرة المتجلية في القوة العلمية والفكرية والتكنولوجية والعسكرية والاقتصادية… فلا يمكن عزل اللغة عن المحيط الثقافي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والاجتماعي والسياسي والأمني الذي ترزح فيه، فلذلك تأثير وظيفي على حركية اللغة وشموليتها ومكانتها بين الأجناس اللغوية العالمية.
إن اللغة الأمازيغية –لغتنا نحن المغاربة- لا يمكن أن تجد طريقها نحو الإنتشار والقبول وهي حبيسة فئة معينة تأبى الإنفتاح على المجتمع، والترويج للأمازيغية من خلال تفعيل حركة الترجمة والتأليف والبرمجيات المتخصصة للترجمة وفق المناهج العصرية في تعليم اللغات، كما أنها لا يمكن أن تجد طريقها نحو القبول المجتمعي إذا لم يتخلص بعض الناطقين بها من رواسب الإستعمار ومخلفاته الفكرية والإيديولوجية، فما أجمل الأمازيغية حين تلبس حلة جزائرية مغاربية بهية، لا شرقية ولا غربية، إننا نحب للأمازيغية أن تمثل رافدا حيويا للمجتمع الجزائري يساهم في غناه الثقافي والمعرفي الأصيل، وليس مدخلا للإختراق الثقافي والإنهزام النفسي والاستلحاق الفكري بالثقافة الفرنسية، وهذا ما تشتغل عليه مخابر فكرية غربية متخصصة في جغرافيا الإثنيات اللغوية والعرقية للدول واستراتيجيات إدارة الصراع الفكري بها. إن اللغة الأمازيغية لا تحتاج إلى ثورة دموية أو تعطيل لمسارات الحياة أو انتفاضة شعبية، بقدر ما تحتاج إلى شيء من التعقل واتباع السنن الكونية واللسانية والمنهجية العلمية في توطين وتطبيع وتطويع اللغة على اللسان والفكر، كما هي بحاجة إلى أن يمثلها أهلها أحسن تمثيل أدبيا وعلميا وحضاريا وإبداعيا لتسمو إلى مصاف اللغات الحية المتداولة.
وفي هذا السياق يجدر بنا التأكيد على حقيقة تاريخية بلجاء، وهي أن الحضارة الإسلامية عبر فتوحاتها لم تفرض اللغة العربية على أي إقليم من الأقاليم التي فتحتها، فتركيا وماليزيا وأندونيسيا وإيران ومسلمي الهند والصين وإفريقيا وغيرهم مازالوا على لغاتهم الأم ليومنا هذا، أما عن حالة المغرب الاسلامي فقد كان للأمازيغ أنفسهم قصب السبق في تعريب المغرب وخدمة اللغة العربية خدمة عز نظيرها، ناهيك عن دور الوفود العربية …أما عن أكذوبة فرضها بالقوة فهي أوهي من بيت العنكبوت، لأن كل من يعرف طبيعة الأمازيغ وأنفتهم وعزتهم يدرك يقينا أنهم لا يقبلون فكرة أو لغة أو دينا إلا باقنتاع عميق ولا يرضون بالقهر والإذلال والإكراه البتة، فإذا قنعوا بذلك كانوا من أخلص وأصدق الدعاة إليها بل وحتى أفضل من بعض العرب والمسلمين. إن وفود العربية والاسلام إلى أرض المغرب كان بجهد الفاتحين الأولين، أما المحافظة عليهما وترسيخهما وتجذيرهما في هوية وشعور الشعوب المغاربة فالفضل يرجع – بعد الله عزوجل- إلى الأمازيغ المغاربة وجهادهم ومؤلفاتهم العظيمة وما أسسوه من زوايا وحواضر علمية تعلم القرآن والعربية معا.
فاللغة لا تنتشر بين أي مجتمع لغوي بمجرد الإكراه السلطوي أو التقنين الدستوري وغيره من الطرق الرسمية، بل تنتشر بإبداعات أهلها و بطريقة عرضها و تسويقها وبما تكتنزه بين جنباتها من بلاغة وأدب إنساني وأدوات للتواصل و التأثير في المتلقي … وهذا ما كان للغة العربية دون الأمازيغية التي لا تزال بحاجة إلى آليات فعالة للترويج لها بالطرق العلمية والتعليمية الحديثة عبر الترجمة وتأليف الكتب وإعداد برامج تعليم اللغة المصممة بالطرق الحديثة على غرار بقية اللغات التي تعرض بمقاربات تعليمية هادفة وفعالة وميسرة.
إن الحديث عن اللغة الأمازيغية، لابد أن ينطلق من تحليل علمي مؤسس، ويكون نابعا من المقاربات الإبستيمولوجية والنظريات اللسانية في أصل تكوين اللغات وعوامل انتشارها، وأن ننقل الأمازيغية من ساحة التجاذبات السياسوية والمزايدات الشعبوية إلى الأطروحات الفكرية والمعرفية المؤصلة، إذا ما أردنا أن نحتفي فعلا باللغة الأمازيغية كتراث تواصلي وحضاري وكظاهرة لغوية تستحق البحث و الدراسة و التطوير و ليس كآلية للتشويش على العربية، أو كمدخل فرونكوفيلي يتسور محراب اللغة العربية بدعوى الدفاع عن الامازيغية، أو حتى من باب المكابرة و الندية لفرض اللغة الأمازيغية فرضا لازما كمنازع للعربية لا كرديف لها… فإن كل هذه الطرق العرجاء لن تجدي نفعا في خدمة الأمازيغية و النهوض بها، بالقدر الذي تفيده الطرق العلمية المدروسة والمنطلقة من المداخل و المقاربات والنظريات اللغوية والتواصلية، ومن خلال ترقيتها لتكون لغة منتجة للأفكار و الآداب ومتساوقة مع روح العلم وتقنيات المعرفة الحديثة، وهذه السنّة كما تنطبق على اللغة الأمازيغية فإنها تسري على اللغة العربية بنفس القدر، فعندما لا تجد اللغة من بنيها تداولا سليما وتوظيفا قويما و.تسويقا علميا و أدبيا وفكريا راقيا ورصينا، فإن مآلها حينئذ سيكون الضمور و الأفول وراء غياهب التفريط والإهمال و التجني.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.” سورة الحجرات، الآية 13.

One thought on “اللغة العربية والأمازيغية: بين المقاربة الابستيمولوجية والصراع الوهمي … حرزالله محمد لخضر”

  1. جمعت فأوعيت يا استاذ، كم كنت أطمح أن أقرأ قبل أن أكتب عن موضوع كهذا، فهاهو اليوم الذي يتحفنا به الكاتب حرز ويا لها من تعبير ،فلا أقول إلا لا فُض فوك

    وكظاهرة لغوية تستحق البحث و الدراسة و التطوير و ليس كآلية للتشويش على العربية، أو كمدخل فرونكوفيلي يتسور محراب اللغة العربية بدعوى الدفاع عن الامازيغية، أو حتى من باب المكابرة و الندية لفرض اللغة الأمازيغية فرضا لازما كمنازع للعربية لا كرديف لها… فإن كل هذه الطرق العرجاء لن تجدي نفعا في خدمة الأمازيغية و النهوض بها

اترك ردا