راهن البلاغة في جامعاتنا … ربيع عبد العزيز

دكتور ربيع عبد العزيز: كلية دار العلوم – جامعة الفيوم

ثمة أدواء عديدة تعاني منها البلاغة في جامعاتنا، يأتي على رأسها وصف الفنون البلاغية بكونها علوما، وهو وصف لا تقع فيه إلا الأمم التي تعجز عن مراجعة تراثها، وتقف أمامه مستكينة ولسان حالها يقول: ليس في الإمكان إبدع مما كان..
الوصف بالعلم لا يكون إلا للعلوم القائمة على تجارب معملية تحكمها قوانين بالغة الصرامة، ويصل فيها العالم إلى نتائج تتسم باليقين والثبات والكونية، وما أظن أن ناقدا مهما علا شأنه يستطيع أن يصل في تجاربه النقدية إلى نتائج يقينية لها صفة الثبات، وإلا لكان النقد قد قال، منذ زمن بعيد، كلمته الفاصلة وحكمه المؤبد في شعر امريء القيس وعمر بن أبي ربيعة وجميل بثينة والمتنبي وغيرهم من الشعراء..
إن إطلاق صفة العلم على المعاني والبيان والبديع أمر لا يليق بالكرامة العلمية إن لم ينل منها، وقد آن الأوان لكي نسمي الأشياء بأسمائها ونعيد الأمور إلى نصابها.
ومن أدواء البلاغة في جامعاتنا أننا مستسلمون أمام القسمة الثلاثية الضيزى للبلاغة إلى معان وبيان وبديع، مع أن ترسيم الحدود المصطلحية بين الثلاثة الأقسام تعتوره الثغرات، ولا يمكن أن يكون جامعا مانعا، بدليل أن فن الالتفات حائر بين المعاني والبديع؛ فقد أدرجه السكاكي في فنون المعاني، ثم ذكره في فنون البديع. هذا دليل. ودليل آخر أن المجاز قسموه إلى مجاز إسنادي ومجاز لغوي، وجعلوا الإسنادي من موضوعات المعاني، أما اللغوي فجعلوه من موضوعات البيان، وهكذا تفرق دمه على نحو يهز ثبات الفوارق المصطلحية التي تفرق بين ما هو من المعاني وما هو من البيان!
ومن أدواء البلاغة أن الفواصل القرآنية لا مكان لها في فنون المعاتي أو البيان أو البديع، وهكذا أخرجوا الفواصل من دائرة البحث البلاغي، وما زلنا ننأى عن تدريسها في محاضراتنا.
ومن أدواء البلاغة في جامعاتنا أنها قامت في الغالب على شواهد تخيرها القدماء واجتثوها من سياقاتها، ورضينا لأنفسنا أن نكون عالة على أوائلنا في الوقت الذي تمس فيه الحاجة إلى غربلة تراثنا. ولا تزال تشبيهات امريء القيس وذي الرمة تربي ذائقة أبنائنا ؛ لأن ابن سلام الجمحي قرر، في القرن الثالث الهجري، أن أحسن الجاهليين تشبيها امرؤ القيس، وأحسن الإسلاميين تشبيها ذو الرمة. ورغم مضي أكثر من ألف عام على رحيل الشاعرين، ورحيل ابن سلام الجمحي، فما زلنا نربي أذواق طلابنا بتشبيهات امريء وذي الرمة وغيرهما من الشعراء القدامى؛ الذين نجلهم ونثمن نتاجهم الشعري، ولكننا لا نرضى أن تزاحم تشبيهاتهم تشبيهات شعرائنا المحدثين، ولا يمكن أن تكون تشبيهاتهم المرتبطة بعصورهم بمنزلة العصابة التي تحول دون رؤية روعة التشبيه في مثل قول إبراهيم ناجي:
وإذا النـــــــور نذير طالع.
وإذا الفجر مطل كالحريق.
ومن أدواء البلاغة في جامعاتنا أنها تغض البصر عن الخلط الشائن بين المقدس والبشري في مبحث المبالغة بصفة خاصة، فلدى معالجة فن الغلو؛ الذي هو فرع من المبالغة، نحتكم في تحرير المصطلح إلى الحد الموروث عن أوائلنا ، والذي مفاده أن الغلو هو ما لم تجر به عادة ولا يقبله عقل، وحين نقف أمام قوله تعالى:( وبلغت القلوب الحناجر) يستبد بنا الحرج الديني؛ لأننا نجد – من ناحية- الحد الاصطلاحي ينطبق على الشاهد القرآني تماما، ولأننا نجد أنفسنا- من ناحية أخرى- في قمة االخجل والتناقض؛ لأن عقولنا كمسلمين تؤمن بالقرآن الكريم حرفا حرفا وكلمة كلمة، ولو أفردنا بلاغة القرآن الكريم بالدرس الذي يحفظ للمقدس قداسته لأنقذنا أنفسنا وطلابنا وديننا من الحرج والتناقض.
لقد قال أمين الخولي قبل نصف قرن: إن أول التجديد قتل القديم بحثا، ولكننا للأسف الشديد عاجزون عن قتل القديم بحثا، مكتفون – تارة- بالتوكؤ على عكاز أسلافنا بما فيه من مزالق ومآزق، وبالتوكؤ- تارة أخرى- على تمدنا به الحضارة الغربية من نظريات ومناهج.

اترك ردا