مدارك القراءة الصوفية و تجلياتها في الشخصية الروائية “خلسات الكرى” لجمال الغيطاني أنموذجا

العنوان: مدارك القراءة الصوفية و تجلياتها في الشخصية الروائية “خلسات الكرى” لجمال الغيطاني أنموذجا
الأستاذ الدكتور : حفيظ ملواني – جامعة علي لونيسي /البليدة 2

النص
سأحاول تقديم قراءة اختبارية لمُنجز روائي ذاع صيته في مناحي الإبداع العربي المعاصر و أخص بالذكر “خِلسات الكرى” للكاتب المصري جمال الغيطاني (رحمه الله)، قصد النظر في مدى استجابته لعوالم الروحانية الصوفية المرتحِلة بين أفئدة شخصياته، في نطاق مسلك ،قد تتداخل فيه الأجناس و تتشابك فيما بينه الطروحات و التأملات، فيتجاوز بذلك الخطاب الصوفي حدود الشعر لتمتد شاعريتُه إلى قالب الرواية بالقدر الذي يجعل المُؤوِّل أمام أدوات قراءة جديدة ؛يستلمها من محض البنية التعبيرية ، إذ ترتسم لديه آليات قرائية منفتحة على كل الاحتمالات ،لاسيما أنها تشتغل على مضمار صورة الشخصية التي تنّم عن هذه الروح الصوفية المتراوحة بين الأمل و الحنين تارة و العبودية و الحرية تارة أخرى ،و هو ما ينكشف بصورة واضحة في مستوى المظهر و السلوك ،بل حتى بين ثنايا الخطاب الذي تحكيه،إنها بحق ورطة قد يقعُ فيها أي قارئ مُقبِل على النص من هذا الصنف ،بسبب هذه التداعيات الصوفية ،بالنظر إلى الإسقاطات النفسية و النفيسة التي قد يفرضها نسق إبداعية الرواية فتتحقق على ضوئها ملامح هذه الثقافة بطقوسها و أبعادها و مجرى فلسفتها الباطنة المُطّعمَة بالعقيدة الإيمانية التي تقوم عليها و من أجلها حتى يتحقق فعل ترجمتها على مستوى الممارسة التأويلية و لهذه الغاية ستنفتح هذه القراءة على الاعتبارات التالية :
1- مواصفات الشخصية الصوفية
لا ينبغي أن ننظر إلى الشخصية الروائية من موقع ضيق فاتر ، و إنما من الضرورة بما كان ؛أن نبعث فيها حركيتها و هويتها و فلسفتها انطلاقا ؛مما تقوله و ما تفعله ،و لعل القراءة التي نحن بصدد تقديمها ؛تريد أن تشرح الشخصية الصوفية على امتداد النص المستهدف؛ بمعزل عن الكاتب و عن النصوص الأخرى العالقة بها ؛و أقصد هنا منجزات جمال الغيطاني السابقة و اللاحقة؛ و هذا لا يعني على الإطلاق نفي الصلة و لا التنكر للبعد الروحاني الذي يحقق وجود الكاتب جمال الغيطاني من خلال النص ؛و لكن الغاية تتمثل في محاولة الإحاطة بالنص حتى لا يغيب كيانه؛ فنجد أنفسنا أمام نصوص أخرى زاحفة عليه كما قد نلمح سمات الشخصية الصوفية من خلال جملة من المعطيات حتى و إن سلمنا بأن المنطلق القاعدي يرتكز على مدلول الزهد الكلي في الدنيا و الإخلاص في العبودية ،إذ يتساوى لدى المتصوف الظاهر و الباطن، فتجده مطيعا لله و رسوله ،قاهرا لنفسه ،متصفا بالورع ،يملك زادا إيمانيا عميقا ،كل هذا يصب و ينم عن حب الله تعالى على ألا نحكم على المتصوّف بأن ينتمي إلى اتجاه يشبه المنظور الأيديولوجي الحزبي الضيق أو إلى مذهب محدد و مؤطّر ، ما يؤيد هذا المنحى ما ورد على لسان أحمد أمين في الجزء الرابع من كتابه “ظهر الإسلام” ؛ بقوله :«التصوف نزعة من النزعات لا فرقة مستقلة كالمعتزلة و الشيعة و أهل السنة و لذلك يصح أن يكون الرجل معتزليا وصوفيا، أو شيعيٍّا وصوفيٍّا، أو سنيٍّا وصوفيٍّا، بل قد يكون نصرانيٍّا أو يهوديٍّا أو بوذيٍّا وهو متصوّف » ما يفيد أيضا كون المتصوفة جميعا يملكون فيما بينهم نقاطا مشتركة توحّد وجودهم و تحقّق صورتهم “نجد بين الصوفية كلهم تشابها في المقاصد و الوسائل و السير تمكن الباحث من أن يقول :هذا صوفي و هذا غير صوفي ،و قد تيسر للناس في العصور المختلفة أن يعرفوا الصوفية و يسموهم بهذا الاسم ” و الصوفي لا يتصرف من محض العقل فهو أقرب لأن يكون من “أهل الوجدان و الكشف ” فالمبدأ هو معرفة الله انطلاقا من حقيقة الإيمان به ،الصادرة من القلب دون تقصير و لا إجحاف” قال أبوبكر الواسطي :من قال :”أنا مؤمن بالله حقا “قيل له :الحقيقة تشير إلى إشراف و إطلاع ،و إحاطة ،فمن فقده بطل دعواه فيها .يريد بذلك ما قاله أهل السنة إن المؤمن الحقيقي من كان محكوما له بالجنة فمن لم يعلم ذلك من سر حكمة الله تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيحة ” تملك الشخصية الصوفية قناعتها من ضعفها إنها فقيرة إلى الله ؛ بالمقابل تستمد قوتها من روحانيتها، التي تسمو فوق كل مادة أو حاجز، إنها حالة نفسية تؤدي بصاحبها إلى تخطي المحسوسات إلى حدود الغيبيات ؛ما قد يجعل لهذه الشخصية مزايا تفوق قدرات الإنسان العادي “إن المرء يسعى بكل الوسائل لكي لا يلفت الأنظار إليه ، أي أنه يحاول أن يبدو كأنه مغموط القدر بدلا من أن يبدو معروفا و معترفا به .فإذا كان المرء يعتقد أنه أفضل من الآخرين فإنه سيرغب في أن يوحي للآخرين كما لو كان هو نفسه يعتقد بأنهم أفضل منه .أما إذا آمن بأن الآخرين دون منزلة من حيث مستواه الفكري و إخلاصه التعبدي فإنه سيبالغ فيما أمر به من عدم اللعنة و التسامح و العفو مبالغة مفرطة ،تدعو للقلق ،بحيث لا يعود يرى أخطاء أخيه و عيوبه بتاتا ” هذا التخطي الذي يتوقف على مقام الصالحين” اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات: أولاها: تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة، والثانية: تغلق باب العز وتفتح باب الذل، والثالثة:تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد، والرابعة: تغلق باب النوم وتفتح باب السهر، والخامسة: تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر، والسادسة: تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت.” ما هو إلا حركة استبطانية ذهنية تعكس حالة السفر ليس من نقطة فيزيائية لأخرى فحسب بل هو تحوّل من عالم مرئي إلى لا مرئي، من المحدود إلى اللامحدود، يقول أبو حامد الغزالي في هذا الصدد :«و منادي الإيمان ينادي :الرحيل الرحيل فلم يبق من العمر إلا قليل و بين يدي السفر الطويل و ما أنت فيه من العلم و العمل رياء و تخييل ،فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد و إن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية و يتجزم العزم على الهرب و الفرار » .الأمر الآخر الذي لا يمكن تجاوزه و يسمح بدوره هذا التخطي نجده مشروطا بفكرة الحب إنها قوة خارقة جاذبة يستحيل مقاومتها بأي شكل من الأشكال ، ففي منظور الشخصية الصوفية هو إخلاص كامل اتجاه المحبوب يترجم ذلك “اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب و على قدر المحبة يكون الشوق…الشوق يسكن باللقاء و الرؤية و الاشتياق لا يزول باللقاء ” و يبدو أن هذه الفلسفة النفسية قد تبدو غريبة نوعا ما؛ إذ أن بإمكان هذه الشخصية أن تصل إلى حق المعرفة في شأن هذا المحبوب بفضل هذا الحب الخالص ؛و خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمحبة الإلهية فينشرح قلبه و يزيد نوره فتنكشف له ما لا يمكن أن ينكشف في عالم الشهادة يقول أبوحامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال و هو حريص على دور القلب في جلب الحقيقة الإلهية بقوله :«تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى و مفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ،استغراق القلب بالكلية بذكر اللهو آخرها الفناء بالكلية في الله » ، و هذا ما يعد بالنسبة للشخصية الصوفية مسلكا مستعليا في أعلى المقامات الشريفة من خلال سلم تراتبي خاص فـ”من أول طريقة تبتدئ المشاهدات و المكاشفات حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء و يسمعون منهم أصواتا و يقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور و الأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظة على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه ” هكذا تتوق الشخصية الصوفية إلى الارتحال بقدر كبير من الشوق و المحبة المنقطعة النظير و هي مستعدة بأن تضحي بالنفس و النفيس لجل إرضاء المحبوب فكأن العامل النفسي في هذا السلوك هو البحث عن السعادة عن الطمأنينة و التي لن تكون إلا بالمجاهدة و المرارة و هذا ليس ببعيد عما قد نعاينه من الوجهة الأدبية ذو اللون الصوفي
2-الأدب الصوفي
لا أعتقد بأن الأدب يحتاج إلى انتماء أو إلى عصبية أو إلى فئوية حتى يسمى أدبا ؛بالرغم من كون هذا الأمر غير مستبعد ،فالأصل في ذلك هو أن نعتبر الإبداع أدبا باعتباره حالة فردية محضة؛ كما يمكن لنا أن نترصد في سياق ذلك الأفكار و القضايا التي توحي بوجود المعاني الكلية للصوفية و حيث يكون مصدرها الأولي هو المعطى الديني الصرف قبل أن يتلون هذا الخطاب بالبعد الفلسفي الذي تروّجه الصوفية ذاتها لنفسها و لعل النظام التطوري الذي كشف عنه أحمد أمين؛ يعلل هذا التصور من قبيل أن الطور الأول (ظهور الإسلام – منتصف ق 2 هـ) و الثاني(منتصف ق 2 هـ – ق 4 هـ) انطلق من الحكم و معاني الزهد ليصل إلى عمق الفكر اللاهوتي على أن يعكس في الطور الثالث (ق 4 هـ – منتصف ق 8 هـ)الفكر الفلسفي المحض الذي ينوط به و في المنظور ذاته يشير إلى أن حقيقة الأدب الصوفي متوقفة على فكرة أساسية مفادها ” وهو سلس واضح وإن غمض أحيانًا، وفلسفته من أعمق أنواع الفلسفة الإلهية وأدقها، ومعانيه في نهاية السمو، تقرؤها فتحسب أنك تقرأ معاني رقيقة عارية لا ثوب لها من الألفاظ، خياله رائع يسبح بك في عالم كله جمال، عواطفه صادقة يعرضها عليك كأنها كتاب إلهي تقلبه أنامل الملائكة، يقدّس الشعراء فيه الحب، ولا بد أن يكون الإنسان هائمًا أيضًا مسلحًا بكثير من الأذواق والمواجيد، والحالات التي يعتقدها المتصوفون حتى يسايرهم في الفهم.” إذا هناك ذوق و همة و مناجاة تسمو إلى أبعد الحدود و قد نلمس من المحافل الإبداعية التي تنبئ بفكرة الوجود و الاتحاد و الحلول مع قدر ما يعرف بالشطحات الشعرية يقول ابن عربي :

لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت * ركائبه فالحب ديني وإيماني
و نخلص في ذلك إلى أن خصوصية الكتابة الصوفية قائمة على البعد الغرضي مستخدمة “المعجم الصوفي في سياقه الملائم و متوخية المقاصد الصوفية في الربانيات و النبويات ” ما ينعكس ذلك على ثقافة الشخصية الصوفية في مستوى السلوك و الوجدان و التصور .
“و للصوفيين من الرمزية و الأدب الرمزي ما ليس لغيرهم ،رمزية في المذهب و في الأسلوب و في المعاني و في الأخيلة مما لا تصل إليها روائع الاستعارة و الكناية و التمثيل و التشبيب ،و مما يحار فيها الفهم و العقل و الوهم و الخيال و مذهبهم هو الغموض ،و لهم اصطلاحات تقوم مقام اللغة و نقرأ الكثير منها في اللمع الطوسي و الرسالة القشرية و الفتوحات المكية لابن عربي و الحكم لابن عطاء الله و قوت القلوب لأبي طالب المكي و غيرها و معانيهم الغامضة لا يكاد الفهم يصل إلى عتبتها و كما يقول ابن عربي مؤلف كتاب الفتوحات المكية
تركنا البحار الزاخرات وراءنا *فمن أين يدري الناس أين توجهنا ” ،أعتقد أن اكتشاف حقائق الخطاب الصوفي في سياق منجز القراءة ،قد يستدعي فصله عن صاحبه ؛ حتى تظهر آلية اشتغال التجربة الصوفية في ثنايا هذا الخطاب ؛فتعطيه إيقاعا جديدا و شعرية خاصة ؛ فمثلما يتم توظيف التاريخ و الأسطورة في المشهد الأدبي المعاصر يمكن استغلال البعد الصوفي و حقيقته الفلسفية و الثقافية في تمثّل هذه الأدبية الخارقة .
4-صوفية جمال الغيطاني
هل يحق لنا أن نعتبر جمال الغيطاني صوفيا بالمعنى الحقيقي ،أم أنه يعشق الصوفية فيستمد معالمها في ترتيب نصه الإبداعي ؟ لا نغامر إن قلنا بأن قراءة صوفية جمال الغيطاني هي قراءة في ذاتية الكاتب ،في عالمه الباطني ،في ذاكرته المتوهجة ما يبرر أننا أمام “إحساس عميق ومأسوي بمرور الزمن وتقادم السنين وفوات الأوان. وربما كان ذلك النزوع هو مصدر اهتمامه الملحّ بالتاريخ والأمم الخالية والعصور التي انصرمت. ثمة شعور داهم لديه بقصر الفرصة المتاحة للإنسان على الأرض وبتزاحم الأجيال وتدافعها بالمناكب. ومن هنا جاء مصدر حرصه الشديد على تدوين كل شاردة و وواردة في حياته الزاخرة بالرؤى والأسفار والفرح والمشقات. لكنه لا يأخذ في ما يكتب بطرف واحد من طرفي المعادلة ولا يريد أن يستسلم لنداءات الشقاء الأرضي وحدها. كأن حكمة العينين اللتين أعطيهما الإنسان تقتضي بأن يرى باتزان كلي مصدري الغبطة والعذاب على الأرض ” ألا نجد أثر ذلك في تشخيص اللسان الصوفي ؛بصوت السارد ضمن أقنعة جمال الغيطاني و هو يقول :«فلما رجعت بعد أن لم أستطع صبرا ،و كيف أصبر على ما لم أحط به علما ،لما اكتمل إيابي فرغت إلى نفسي أستعيد و أسترجع بينما زمن المحن يلوح و يبدو ،و صرت في بوار ،لا تطمئن بي دار و لا يستقر لقراري قرار ،صرت متحركا و ساكنا بعد أن كنت أشبه بطير ،أطير من غصن إلى غصن و الغصن الذي انطلقت منه هو الذي يطير عني ،عدت محدودا بعد أن كنت طليقا ،و كل محدود محصور و كل محصور عاجز رجعت بعد أن كنت الطالب و المطلوب و العاشق و المعشوق فلم يكن رحيلي إلا بحثا عني و لم تكن هجرتي إلا مكني و فيّ و إليّ » و من ثمة فتتأكد هذه القيم الصوفية المبجلة في تصميمها و منظورها؛ فلا يحملها مكانا و لا يحدها فضاء و ليس بمقدورها أن تتنازل عن غذاء الروح ،لا يكشف أدب الغيطاني بسبب لباسه الصوفي المتجذر عن جنسه فقد تحسبه رواية بالنظر إلى تشابك الأحداث و تعدد المغامرات و المناورة بلعبة الزمن و قد تراه سيرة ذاتية محضة مشتقة من يومياته و ذكرياته و ما يُفرح و يُقرح في سجل حياته من طفولته و بيئته الأزهرية و ارتحالاته و أسفاره قد تعدّ الحلقة المتينة من هذه العينة و لذلك تجد إبداعه يأخذ من مختلف أجناس الأدب و أنواعه بالمقدار الذي يريده ” فهناك مقدار لا بأس به من القص والإخبار والسرد، ومقدار موازٍ من السيرة الشخصية التي لا تنتظم في سياق محدد بل تتبعثر وقائعها على غير نسق ونظام. ثمة محاولة من المؤلف لمحاكاة مجرى الوعي الذي يمكن شاشته المضاءة باستمرار، حتى في الاحلام، أن تتنقل بين الأزمنة والأماكن وأن يخبط برقها الخاطف في كل ناحية واتجاه. وفي حين كان يمكنه أن يصنع من قصاصاته المدونة تلك سيرة ذاتية تشبه سائر السير والمذكرات، فقد آثر أن يترك ذلك الخليط الهائل من التجارب والاختبارات الحياتية على طزاجته الأولى وتشتته الزمني.” ما يجعل المتأمل فيه يقتنع فيما أورده سعيد توفيق بقوله :«نص الغيطاني –خاصة في دفاتر تدوينه الأخيرة نص خادع،إذ تراه يمعن النظر في وصف تجارب عادية مما نألفه في حياتنا اليومية و ذلك من قبيل خبرات الحواس على تنوعها،بل حتى لذة الأطعمة ذاتها فنظن عندئذ أن النص يريد أن يقف عند تجارب الحياة العادية و خبراتها البسيطة ، و لكن هذا المستوى البسيط خادع و من ثم فإن الوقوف عنده يعني أننا لم نعرف شيئا عن عالم الغيطاني الروائي » ما يبين أن مشروع الغيطاني يشتغل في مضمار التجريب الروائي ليس من أجل التجريب في حد ذاته باعتباره غاية و إنما الغيطاني بصدد البحث عن نمط جديد في الكتابة الروائية لا هي تاريخية محضة و لا هي استدعاء للمخيال الأدبي دون وجود الملامح التي تبعث على تفرده فـ”نص الغيطاني لا يستقدم الماضي إلى الحاضر ،و لا يرحل الحاضر إلى الماضي ،بل يتكون في زمن متغيّر و متنام خاصا به ،يتهم حداثة يعرفها ،و يبحث عن حداثة أخرى،يتعرف عليها دون انقطاع ” ،و عليه قد نكتشف أننا أمام تجربتين تلتحمان لتشكل إبداعا من صنف خاص لا يبدو أنه ذاك الشعر الصوفي الخالص و لا هو سرد تاريخي توثيقي محض مع استدعاء الحاضر و هو يسائل الماضي ،فالإشكال الفعلي برمته يتمحور حول طبيعة الصلة القائمة بين “تجربة ذاتية صوفية لها لغة خاصة بها تخفق في فضاء الروح و تجربة حياتية مشخصة قوامها التعدد و التنوع لها بدورها لغة توافقها و بين التجربتين اختلاف لا يقبل الإرجاع و الاختزال” ،ما يفيد أنه يوظف لغة صوفية بمحتواها في قالب تعبير واقعي تؤمّنه حركية الإنسان المعاصر، إنه بصدد بناء نص جديد بحيثيات تراثية و مادتها الأولى قبل أن تكون التاريخ فهي تدابير صوفية إن صح التعبير ؛ و لعل هذا ما يعلل أننا لا نستطيع أن نقرأ النص بمجرد الاعتماد على الحاسة الذوقية التي تشتهي النص بالمفهوم البارتي و إنما تستدعي من القارئ أن يقدم على قراءة فينومينولوجية تراعي بنية الظاهرة و هي في وضع النص من خلال “ثنائية أساسية هي الثنائية النمطية و المادية (الثابتة و المتغيرة)و إن علاقة الإدراك بهذه الثنائية ليست علاقة عشوائية و إنما هي منظمة على أسس لغوية و تركيبية و دلالية ..و يعني ذلك أن المعنى هو خلاصة تلك العملية :بنية الظاهرة و بنية الفهم ” ؛أي أنها تأخذ بعين الاعتبار منظار الذات وفلسفة الموضوع بل لحمة الذات بموضوعها بحيث سيكون مسلك القراءة عبارة عن ترحال لفهم الوجود من موقع الشخصية الصوفية ، مما يستدعي التعرف على أدق تفصيلاتها الممكنة”إن أهم ما يميز الفينومينولوجيا هي أنها طريقة ذاتية في تناول المشكلات الفلسفية و الطريقة الذاتية تدرس كل الأشياء بوصفها موضوعات للخبرة منظورا إليها في سياق الخبرة فقط ،الأمر الذي يسمح لنا بالقول :إنها طريقة لا ميتافيزيقية ،أو أنها تنبذ الافتراضات الميتافيزيقية المسبقة ” فذاك ما يمكن وصفه بالسبيل الوحيد وقد يكون الأوحد لدى أنصار هذا التوجّه لفك ألغاز هذا النص المكثف المُتشعِب الذي لا يراعي نظام الفكرة و لا أولوية التفكير في رسم المشاهد و صناعة الأحلام فتتوحد الرؤيا بالرؤية ،و لذلك فقد لا تهتدي هذه القراءة إلى منتهاها ما لم تعتمد على “رؤية مضاعفة ،تستهدف حالة الأشياء و تستهدف نفسها كأسئلة و في نفس الوقت أيضا تستهدف معنى الوجود ووجود المعنى في داخل الوجود ” قد يفسّر ذلك “انعكاس الذات على نفسها لتتأمل معاني الظواهر كما تتبدى لخبرة الذات و هذا الاتجاه في رؤية الأشياء و الظواهر يتمثل بوضوح في نصوص الغيطاني ” معنى ذلك أن قارئ نصوص جمال الغيطاني عليه أن يحاور ذاتا أخرى ،و قد نستقر عليها بوصفها الشخصية الساردة التي تبدو وكأنها تكتفي بالحكي ؛غير أن حقيقتها هي فاعلة و صانعة للحدث فتجدها تتفاعل معه حال تفاعل الذات بموضوعها في نطاق اندماجي واحد يخدم مسار القراءة الفينومينولوجية و يحقق مرامي الصوفية بكل تطلعاتها .
3-فضاء الشخصية الساردة في معمارية النص
يصل تعداد الفصول المشكلة لهذا النص الإبداعي المتميز الجامع بين روح السيرة الذاتية و بنية الخطاب الروائي في تفصيلاته و تعقيداته الموسوم بدفاتر التدوين و على وجه التحديد الدفتر الأول(خلسات الكرى ) ما يقارب اثنين و عشرين فصلا و عندما نتيح للشخصية الساردة أن تبوح بحكيها و هي توظّف الأنا ضمن مسالك و اعتبارات و مقامات؛ ما يوحي بأنها تريد الانفتاح تارة ثم تعاود الانغلاق على نفسها تارة أخرى ،تفيض بالخواطر و لكن سرعان ما تضيق بها الأرض بما رحبت ؛و قد نلتمس فيها روح التكامل و الاتزان و الحلم و الروية و أحيانا تتصرف بشكل عبثي لا يحكمها منطق و لا استدلال؛ و لأجل كونها شخصية صوفية فهي لا تحتاج إلى تبرير إزاء ما تقوله و ما تفعله لأن ذلك من صميم إيمانها الباطن ؛ ربما قد تمتاز هذه الشخصية الصوفية التي نستهدفها بالانجذاب فهي قابلة لأن تساق و لكن هي قابلة أيضا لأن يساق إليها؛ و قد تعيش حالة الاغتراب و هي تريد أن تعبّر عن ذاتها؛ و لنقل بشكل أو بآخر هو “تعبير عن اغتراب لا هروب منه ؛ذلك أن وعي الاغتراب لا ينفصل عن وعي الفردية المتميزة التي تعيشه ” ؛ و قد تحتكم إلى مبدأ التبعية من المركز إلى المحيط أو العكس ،عنفوانها في تأملها فلا مجال للفصل بين الحلم و اليقظة؛ فكلاهما يشكلان واحدا ،قد تجد فيها صدق النضج و الحكمة البارعة و لكن تجد فيها أنين الطفولة البريئة بكل مواصفاتها ،و لعل تفكيك هذا الفضاء الذي تعيش فيه هذه الشخصية و تتحرك في فلكه و تقتات من أسراره هي معالم نستأنس بها عبر جملة من النقاط التي نراها محورية في النص:
1.3- الرحيل والحنين
إنها مستعدة للرحيل بالقدر الذي يولد في ذاتها أسى المغادرة وفي الوقت نفسه .يزداد شوقها لكي تصل إلى منتهاها أي مقصد السفر ؛ بالرغم من أن الالتفاتة الأولى هي ارتحال عبر الزمن و ما يعنيه لدى الإنسان وهو مقبل على مغادرة الدنيا “و بعد فقد الأحبة ،يكون إدراك الفوت .حتى إذا حلت الخمسون و أوصدت أبواب و أيقنت أن ما تبقى سينقضي كندف الغمام إذ تذروها الرياح ” و التحنين يتحقق حيث يكون الشوق لرؤية عزيز غال و لك أن تدرك هذه المقولة الصوفية السحرية إن صح التعبير “التحنين كما أفهم فهو الحض على الشوق ،و التشجيع على الميل و كلاهما لا يكون إلا من اجل عزيز غال بعيد و هل هناك أعز على المرء من عمره ؟”
الشخصية و هي تروي، فهي تغترف من ذاكرتها ،هذا الاشتياق هو اشتياق لذات أخرى كالحبيبة في موضع الصاحبة أو الأم و قبل هذا و ذاك يبقى التوسّل إلى الجمال الأنثوي بكل تفاصيله فيحكي عن عاشقاته اللواتي لم يسعفنه فلم يلق أي حظ منهن كي يرتوي من شفق المحبة و هو يقول :«بل أصرح فأقر أنهن لا يتجاوزن أصابع اليد الواحدة ،منهن الباسقة و النغمية و الرّويّة و الأنثى الشهابية » و سرعان ما تريد هذه الشخصية أن تعوض فقدانها الملموس؛ بحلم تقتات منه أبهى صفات المحبة ،من جمال هذه الأنثى المعشوقة “عرفت الوافدات علي من حيث لا ادري، من لم يسعين قط عالم الحس .أني من وفدن إلى أحلامي فائتنست بملامحهن و فضت بوجودهن ،و بعثن عندي بهجة غامضة شرحت صدري و فاضى مائي أثناء ضجعتي و صحوت على نشوة غيبية حسية ” إنها رحلة التي تسعى من خلالها الذات الساردة ؛الشخصية الصوفية إلى مغادرة الماضي أو الواقع الحسي المؤلم إلى عالم مستقبلي آخر ، تعتقد فيه أنه أفضل مما سبق حتما عبر مقولة “و كثيرا ما يقص المرء ما تمنى أن يكون لا لما كان بالفعل ،و الأكثر أنه يرى بالتمني ؛ما يمكن أن يكون بدلا من ذلك الذي كان ” إنه بمثابة الطريق الحتمي لانفتاح العقل و توسع المدارك و تفاعل المعارف المتجددة و التعمق في الحقائق للوصول في نهاية المطاف إلى الحكمة المطلوبة .
2.3- التعلق بالجمال الأنثوي
يصف لنا السارد بلغة واقعية معاصرة المرأة التي التقى بها من غير موعد و لا لقاء فسماها بالألف لأن صورتها أشبه بالحرف” أ” بأبهى المزايا و يعطي لنا صفاتها الأنثوية الرقيقة “عيناها خضراوان ،بشرتها سمراء وجهها متسق مع قوامها المبدئي ” إن عشق الأنثى هو مصدر المحبة و مبتغاه فعلى قدر ارتباط العاشق بالمعشوق ،يزداد وثاق الصلة المترامي الأطراف فلا تدري إن كنت حالما أم أنك في عالم اليقظة ؛ فتكتشف على حد تعبير سعيد توفيق “المطلق و اللامتناهي يتجلى و يتجمع و يتألق في لحظة عابرة ،ليغيب و يتوارى عنا بعد ذلك كما لو كان يفلت من بين أيدينا باستمرار و كما لو كنا في ملاحقته و سعينا نحو الاستحواذ عليه ،إنما نسعى بذلك نحو المستحيل ،و هو تثبيت اللحظة و الاستحواذ على اللامتناهي و على المطلق في النسبي و العرض الزائل ” يتأكد هذا الطرح إذ سرعان ما تنفلت منه من غير قصد بل ضاعت منه و هو يقول :«افترقت خطانا هذا حتمي ،قدرت أنها متجهة شرقا من هنا يبدأ عبور المحيط الهندي ثم الهادي لم افكر في القارات غير انني رايت مياه المحيطات و الطيران فوقها ساعات طوالا ،سنحلق عبر الفضاءات العلى مودعة أثرا خفيا لا يبدو إلا لمن أدرك و استوعب آخر ما لمحته منها الهامة المؤطرة بشعر غزير ناعم » يا لها من حسرة تثبت صدق ألم الواقع ما يولّد لدى هذه الشخصية الساردة الصوفية قدرا من النفور و حب الاستغناء عنه لأن الطبيعة المادية للواقع عاجزة لأن تحقق النشوة النفسية الأنثوية بجميع شحناتها الدلالية التي يبتغيها السادر الصوفي لأنها تحت وطأة البعد الفيزيائي الذي يفصل الذات عن أنسها ،تستقر ملاح هذه الشخصية الصوفية الساردة التي تريد العزلة باعتبارها مكمن القوة و هي فضاء التشبع الذاتي و التأمل الاستبطاني حيث يجد في البحر ضالته ،يقول السارد :«يوم قصدت فيه البحر كنت بحاجة إلى الانفراد ،إلى مواجهة الأفق غير المحدود ،المتجدد إلى تتابع موجه إلى صفائه إلى أبديته » قبلة العاشق معشوقته دون منازع هي المركز الذي لا يمكن أن يحيد المناجي “حضورها يؤنث المكان معها لا يمكن النظر إلى أرض أو سماء أو جدار أو عتبة لشدة بثها لا يمكن الشخوص إليها؛إنما يضطر الإنسان إلى الحيدة بعينه ” يمكن أن تجعل هذه الأنثى من الشخصية الصوفية تمارس طقوسا فـ” لحيظات دام اللقاء ،خلالها عمق إيماني و ثبت قلبي ،لكن أحزاني المبكرة سلكت طرقا مستحدثة عليّ ،لكم فاجأتني في أوقات انفرادي ،خاصة في أسفاري أو عند جلوسي أمام البحر ” فالشخصية الصوفية تملك من الخيال و القدرة على التصوير في غمار النزعة البشرية فتترجمه عبر عنوان واحد إنه العشق الصوفي فيكون بذلك الحب الإنساني مطية إلى هذا العشق الإلهي فتكون المحبوبة حينئذ رمزا لهف أسمى متعال هو الفوز بالجمال الأزلي
3.3-استدعاء الشخصيات الصوفية الرائدة في التقوى و البصيرة
يتحقق المعنى الصوفي في أصالة الفقيه العابد فتزار أبراحهم و تقدّس مكارمهم في ثناء غير مسبوق ،هذه القداسة نراها في قول السارد :«أويت إلى قبة الإمام الشافعي المصوغة من خشب عطر عطر..قبة مولانا و سيدنا الحسين و لزمت قبة سيدي عمر بن الفارض المتقشفة ،الزاهدة » يخبرنا السارد بأنه عندما حلّ بمدينة مراكش نزل ضيفا “على واددية سيدي بن سليمان الجزولي صاحب دلائل الخيرات أما المناسبة فاحتفالية ثقافية شعبية دينية بسيدي أبي العباس السبتي و كلاهما من السبعة الرجال حماة المدينة و أركان فضاءاتها ” ما يجعل الصوفي يتحرك بالقدوة التي يتصف بها النموذج التشخيصي الأمثل بالنسبة إليه باعتباره عنصرا حيويا في بيئته الحاضنة له ؛فهو الذي يلقّنه مسالك تهذيب النفس و محاسبتها و التفاني و الإخلاص في العبادات؛ كما يترجم له معنى السمو بالكشف و المشاهدة فشخصية سليمان الجزولي (أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن سليمان الجزولي الحسني )صاحب الطريقة الجزولية الذي يدعي أن نسبه ينتمي إلى رسولنا الكريم محمد( صلى الله عليه و سلم ) من قوله :«ليس العزيز من تعزز بالقبيلة و حب الجاه ،و إنما العزيز من تعزز بالشرف و النسب ،و أنا شريف في النسب جدي رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) و أنا أقرب إليه من كل خلق الله » و يضيف في هذا السياق الباحث الحسن شاهدي “و الصفات التي ذكرها التنبكتي في تحليته ،عناصر هامة في تكوين شخصية الجزولي ،فهو مشهود له بالعلم و الفقه من جانب ،و المشيخة الصوفية و الولاية و الصلاح من جانب آخر أي أنه جمع بين علمي الظاهر و الباطن ” فاعتمد على مسلك الترغيب و الترهيب مما قوى أتباعه و هو يقول :«يا من أراد الذهب و الفضة ،فعليك باتباعنا و من تبعنا يسكن في أعلى عليين في الدار الدنيا و الآخرة…فمن تبعني فهو متبع له –الرسول –و من لم يتبعني فليس بمتبع له » فنفوذ الشخصية الصوفية الرائدة الموجّهة ؛الحريصة على تقوية أتباعها ؛يفترض أنها تملك قوة التمكين وحب السيطرة و ضمان الولاء لشخصها؛ خصوصا بعد إدعائهاو هنا الأمر يتعلق بالجزولي بحسب بعض الروايات غير المؤكدة أنه “يرى النبي( صلى الله عليه و سلم ) و يسمعه و هو الذي قال له أنت زين الأولياء ،و كان قريبا منه ،و أنه خوطب إلهاما مباشرا من الحضرة العلية ،و أنه وصل إلى مقام لا يصل إليه أحد من الواصلين ” ما يفيد أن التصوّف نابع من التأثير الروحي للشيخ الذي يأخذ الطريقة من قدوته و هكذا دواليك
4.3–نورانية العرفان وسلوك الشفاء
هي حالة تعكسها الشخصية الساردة بقوة ؛عزما منها أن ذلك ما يخلف السمو و الخلود و الرفعة التي لا ينالها إلا الصالحون التقاة؛ يرمّزها السارد بعلامة ضوئية أنثوية خارقة فيقول :« كنيتها الأنثى الضوء؛ لظهورها توقيت معلوم لا يحتجب إلا عند فتور الهمة و حلول الغم و نوء الكد » كما لنا أن نتصور وضع الحلول بين الذات و المكان “مدينة سمرقند” فتصير تشكل انتماء واحدا و ساحرا يتجلى هذا المظهر في قول السارد :«احتوى سمرقندي داخلي ،تلك الخاصة بي ،المنبعثة مني ،المتصلة بخططي و دقائق أشواقي .ماتبثه مخيلتي من تلك الناحية أعتبر نفسي عالما ملما » كما يتكرر هذا المشهد الاحتوائي مع “مدينة طليطلة” الراسخة في تاريخ الفتح الإسلامي لتكتشف أن السحر الأندلسي يعمّ بدوره أناة الشخصية الصوفية”طليطلة شبقة تحنو على كل ساع فيها ،لست استثناء ،دفق بدأ يسري عبر أوردتي و حنايا روحي ” فعندما تتحقق المحبة تتحقق المعرفة و هذه هي النورانية الحقّة ، و هذا ما يبرر قول السارد :«إذا عمقت الصلات و امتدت المودة و اكتمل النفوذ تيسرت الإحاطة …و به تتضح المعرفة و تتم » فهو مكمن البصيرة في نظر الشخصية الصوفية ،ما دامت ملازمة لأمرين أساسيين و هما حدود المقامات و طبيعة الأحوال، يقول السارد الصوفي بهذا الصدد :«إنه الضوء يجب أن أتهيأ به ، أن أتطهر و أتدثر ،هكذا بدأت أتوضأ بالنور ،ليس ذلك ما أبصر به و لا أراه ÷إنه القادم إلي ،المنبعث مني ،المبدد كل عتمة ،البالغ كل فج» فتجد في ذلك أثرا للذكر و الابتهال و زيادة في حدة التأمل في الملكوت ؛و هو بمثابة إرساء العلاقة بين العبد و ربه ليس بمنطق تحليل و لا دراية بقدر ما هو إحساس صادر من قلب العابد يفرضه مقوم الذوق فيتحرك نحو العلى فتتحقق سعادته الروحية فينكشف له؛ ما لم تكشفه التجارب العقلية الإنسانية و لذلك فالشخصية الصوفية تتوق دائما لأن تتحسس مواطن الداء؛ فإن عجزت فيأتي صاحب الشفاء العالم الفقيه الذي بيده الكرامات و هذا ليس ببعيد عما أفصح عنه السارد في شأن الأطباء المتخصصين في أمراض الطيور و هم يساهمون في شفاء النفوس العليلة “أدهشني قدرتهم على تحويل الحروف البشرية إلى مرادف لأصوات الطير …أعد مجلس الطير في إيوان القبلة ،حيث المحراب المؤطر بزخارف جصية تنمنم اليابس و تحول الجماد إلى أطياف تستعصي على الإدراك ” ففي تصوّر الشخصية الصوفية و جود لدى الأولياء و المشايخ و هم في موقع القدوة قوة تفضي إلى شفاء المريض من الأسقام المادية و المعنوية نتيجة الإخلاص في الدعاء فلا ينسجم واقعه ما لم يتحقق فضل العرفان فكلاهما متلازمان و إلا ما معنى هذا الخطاب الذي ورد على لسان أبي حامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال و هو يقول :« فلما خطرت لي هذه الخواطر و انقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجاً، فلم یتیسر إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل. فأعضل هذا الداء ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال ، حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين ؛ ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف » فالسلوك السوي عند الشخصية الصوفية يتوقف على مدى صفاء قلبه و قوة إيمانه و هجرانه أفعال الموبقات و ذكر الله و الاقتصار عليه دون سواه جلّ جلاله و الثناء على الحبيب المصطفى محمد (صلى الله عليه و سلم) في كل وقت و حين .
خاتمة الدراسة
هكذا من صميم الشخصيات الفاعلة في هذا النص (الأسطورة المعاصرة )تلتقي اليقينيات بالشكوك و تنكشف الطلاسم و ترتفع الأصوات و تشتد الأشواق فتتحول خيوط السرد من حكي عن الآخر إلى حكي من صميم الأنا، فتستوي المسافات فلم يعد البعيد بعيد و لا القريب قريبا فتتوحد بذلك المتناقضات ،إنه منطق يرفضه العقل و يستسيغه القلب ،صدِقْ أو لا تصدِقْ أيها القارئ الفاضل

اترك ردا