تقرير الندوة الوطنية: ” التحولات القيمية في المغرب الراهن”

د. عبد الرحيم الغازوي – عضو مركز ابن خلدون للدراسات والابحاث حول القيم والمجتمع

نظم مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث في القيم والمجتمع يومه السبت 31 مارس 2018 على الساعة الثالثة بعد الزوال، ندوة وطنية تحمل عنوان ” التحولات القيمية في المغرب الراهن ” وذلك بدار الشباب عبد الكريم الخطابي مكناس، وقد تميزت الندوة بالحضور اللافت للمهتمين بالموضوع، معظمهم من الأساتذة الجامعيين والطلبة الباحثين من مختلف التخصصات والجامعات المغربية، والذين تابعوا بإمعان عروض قيمة في مواضيع ذات صلة مباشرة بموضوع الندوة.
استهلت أشغال هذا اللقاء العلمي بكلمة افتتاحية لرئيس الجلسة ومدير المركز الدكتور عبد الغني شفيق، الذي رحب بالأساتذة المحاضرين والحضور والمنظمين وبإدارة دار الشباب التي وفرت الفضاء المناسب لإقامة هذا العرس العلمي، كما أكد في كلمته على دواعي وأهمية تنظيم هذا اللقاء من طرف مركز ابن خلدون مبينا على أن ذلك يندرج في إطار تحقيق جملة من الأهداف التي سطرها المركز منذ تأسيسه، وموضوع الندوة واحد منها، لذلك، استدعى المركز أساتذة باحثين لهم خبرة وأبحاث في هذا الشأن.
وبعد بسط أرضية الندوة وإبراز مختلف الإشكالات الإبستمولوجية التي يطرحها التناول العلمي لمفهوم القيم في حقل العلوم الاجتماعية، قدم الدكتور محمد الخمسي مداخلة تحت عنوان ” بين قيم أساسية وقيم وظيفية: النسق والإطار” ركز في نطاقها على مركزية القيم وأولويتها في كل مشروع مجتمعي، مشددا بذلك على ما تمثله منظومة القيم من دور وظيفي في تحصين المجتمع وتعضيد لحمته وإعادة إحياء الذاكرة والمشترك الجماعي. فالقيم، على هذا النحو ، ليست مجرد ترف فكري بل هي الحاضن لهوية وتماسك الجماعات على اختلافها، وفي هذا السياق ركز المحاضر على نموذجين من القيم؛ نموذج يمثل قيما أساسية كالعدل والنظافة على سبيل المثال لا الحصر، وآخر ذو بعد وظيفي من مثيل: قيم المراقبة والعمل…غير أن جل هذه القيم يختلف تنزيلها وتحويلها إلى سلوك تبعا لثقافة المجتمع والتمثلات التي يبنيها الأفراد حولها.
و في المداخلة الثانية التي اختار لها الدكتور عبد الرحمان الزكريتي عنوان “قراءة في وحدة وتعدد مرجعيات القيم الثقافية بالمغرب” تم تناول القيم في ارتباط مع قضايا الثقافة والهوية. من خلال إبراز الطابع الروحي للقيم في كل المجتمعات. فهي تمثل منظومة من الأفكار المحايثة لتطور المجتمع ولما يخلق تميزه ويبرز خصوصياته إضافة إلى كونها تشكل لحظة محايثة لانتقال المجتمعات من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة. غير أنها وإن كانت تمثل الوعاء الذي يمتح منه كل أفراد المجتمع ممارساتهم ويوجهون فعلهم تبعا له، فإنها مع ذلك تطرح صعوبة في تصريفها إلى سلوك. وهذه من الصعوبات التي تظل جوهرية في كل تناول لمفهوم القيم. وهو ما يجعل القيم لا تكسب قوتها إلا بتعضيدها بمنظومة من القواعد والجزاءات التي تمثل قوة ضبط وردع. وبعد تساؤله عن مصدر القيم الثقافية في المجتمع المغربي، حاول الأستاذ المحاضر التأكيد على وجود مرجعيتين أساسيتين يمتح منهما المجتمع قيمه: مرجعية علوية للقيم تتشكل من أنماط التدين السائدة في المجتمع والذي يشكل الدين بتعاليمه النصية جزء منها. أما المصدر الثاني فهو عقلي دنيوي.
لكن ما يلفت الانتباه هنا، هو بروز نموذج للسلوك يتبدى فيه الطابع الازداوجي للقيم الذي يعمد إلى التركيب بين ثنائيات متضاربة (تقليدي وحداثي،كوني وخصوصي…) بيد أن ذلك كله يمكن أن يؤسس لوحدة في إطار التعدد، أو لتعدد في إطار الوحدة. وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا بجعل المواطنة عنوانا عريضا يتمظهر فيه الاختلاف وتتجسد فيه قيم الاعتراف والتسامح. وهي قيم، تمثل الثقة في الأفراد والمؤسسات قطب رحاها.
وانطلاقا من القيمة الأخيرة هذه، صاغ الدكتور محمد بن المقدم محاضرته التي وسمها بـــــ”قيمة الثقة: تجليات الحضور والغياب في المجتمع المغربي” والتي حاول أن يكشف عن مركزيتها في علاقة الأفراد بعضهم ببعض وفي علاقتهم بالدولة والمؤسسات. لافتا الانتباه إلى صعوبة فهم التحولات القيمية بالمغرب في انفصال عن تحولات الغرب في العصر الحديث، وهي تحولات مست المرجعيات في تاريخ الفكر الأوربي بالانتقال عبر أربع مراحل: من الكوسموس مرورا باللاهوت وبالعقلانية وصولا إلى لحظة تفكك المرجعيات وبروز الاختلاف والتنوع.
سؤال الثقة، الذي ركز عليه المحاضر من خلال نموذج المجتمع المغربي ، يقترن في نظره، بتجليات الحضور والغياب، ذلك أننا انتقلنا من الثقة باعتبارها إيمانا بالإنسان والمؤسسات- بغض النظر عن مدى استحقاق هذا الإنسان وهذه المؤسسات- إلى ثقة من نوع مغاير. ثقة ممأسسة على التعاقدات التي تحيل في النهاية على استحالة الثقة وغيابها. ما يكشف في النهاية على أن كل ثقة تحمل في بذرتها خيانة وهي خيانة من طبيعة الإنسان. غير أن المحاضر قد نبّه، في هذا السياق، إلى أن غياب الثقة، كقيمة اجتماعية، قد ينجم عنه بداية انهيار للمجتمع برمته.
وفي هذا السياق، عاد الدكتور بن المقدم إلى التذكير بسياقات تاريخية طبعت علاقة الدولة بالأفراد في المغرب. فقد أدى تفكيك المؤسسات التقليدية واستبدالها بمؤسسات عصرية للسيطرة على مفاصل الحياة بالمغرب إلى توسع دائرة اللاثقة بينها وبين الأفراد وسيزداد منسوب عدم اليقين والارتياب من مؤسسات الدولة بدخول الفاعل السياسي(خاصة المنتمي للمعارضة) الذي كان موثوقا به إلى دائرة السلطة. وهو ما نجم عنه بروز أزمة وساطة بين الدولة ومواطنيها، أدى في النهاية إلى نزوع ديماغوجي- بالمعنى الأرسطي- كرس سمو الجماعات على القانون وتكريس ممارسات من الاستزلام والتملق في مجالات مختلفة، وخلص الباحث في نهاية محاضرته إلى إبراز العواقب الوخيمة والكلفة الباهضة لانعدام الثقة، كقيمة، على الأفراد وعلى المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وفي المداخلة الرابعة والأخيرة، تناول الدكتور محمد شكري سلام موضوع ” استراتيجية التفاوض القيمي بين التكامل والصراع” مستعيدا بذلك أطروحة بول باسكون حول المجتمع المركب La société Composite ليبرز السمة المزيجة التي تطبع سلوك الإنسان المغربي. وبعد وقوفه عند بعض الأمثلة التي تتمظهر فيها القيم كرابط بين الأفراد( قيمة المسكنة نموذجا)، عاد ليذكر بأسبقية القيم على الدين، لافتا الانتباه إلى أن منظومة القيم متأصلة في العقل البشري بغض النظر عن التشريعات والممارسات الاعتقادية. وفي هذا السياق، تناول المحاضر موضوعه انطلاقا من ثلاثة عناصر كبرى: صراع القيم، تراكب القيم واستراتيجية التفاوض القيمي.
انطلق، في المستوى الأول من إبراز الأبعاد الفكرية والقيمية المتوارية خلف الصراعات التي يدور رحاها بين المجتمعات والأفراد، باسطا بذلك، نماذج وأمثلة من تاريخ الصراع سواء في الحضارة الإسلامية بين الشيعة والسنة أو صراع المنظومات الكبرى في القرن العشرين كما هو الحال بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي أو صراع المنظومات الغربية ذات المنحى المسيحي وتلك التي تتخذ طابعا شرقيا، كالبوذية والاسلام…فخلف كل هذه النماذج ينكشف وجود نماذج من الأفكار والأيديولوجيات تشكل منظومة قيمية معيارية يتم الدفاع عنها وباسمها.
إن القيم، كما شدد على ذلك الدكتور شكري سلام، تتشكل وتتفكك ويعاد تشكيلها من جديد. وهذه الدينامية المتواصلة للمنظومة القيمية تتم في نطاق تحولات كبرى ومنعطفات تسم تاريخ المجتمعات وتؤثر في بناها. وقد ترتبط بلحظات قطائع ورجّات لصيقة بتحولات إكراهية (مثال: وفاة الذكور في الحرب العالمية الثانية وتحول المرأة إلى قوة عمل مما ساهم في اقتحامها الفضاء العام بشكل ملفت للانتباه). لكن تشكل الجديد ضمن النسق القيمي الموجه للمجتمعات قد يصطدم بترسخ السلوك والممارسات التي تدعمها وتوجهها قيم موغلة في التقليدانية كما هو حال المغرب. قيم تتمظهر في السلوكات والممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتعبر عن ترسّب قيمي.
في ختام محاضرته، حاول الدكتور شكري سلام إبراز تأثير القيم الحقوقية الكونية على تغير الكثير من القيم وتشكل قيم جديدة أصبحت تترسخ شيئا فشيئا في زمن السيولة التي تؤمنها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الجديدة التي حولت العالم إلى فضاء معولم . الأمر الذي ساهم في خلق استراتيجية تفاوض قيمي يكشف عنه الخطاب والممارسة اليومية للفاعلين في مختلف المجالات .
وقد تواصلت أشغال الندوة العلمية إلى حدود الساعة السابعة مساء، بفتح باب المناقشات أمام الحضور، و الذي أبان عن تتبع دقيق للمداخلات وعن اهتمام كبير بموضوع القيم من خلال تفاعلات المتدخلين وأسئلتهم الرصينة، كما خلصت الندوة، التي لقيت استحسان الحضور، إلى طرح مجموعة من المقترحات والتوصيات المرتبطة بتفعيل النقاش والبحث في موضوع القيم والتفكير في برمجة ندوات في الموضوع في القريب العاجل.

One thought on “تقرير الندوة الوطنية: ” التحولات القيمية في المغرب الراهن””

  1. هنيئا لمركزكم بهذا النشاط. وهنيئا للحقل العلمي وللمغرب بمركز كهذا يهتم بالقيم وبدراسة التغيرات التي تطال هذا الجانب.

اترك ردا