قراءة في كتاب “خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ”

ذ. جعفر لعزيز – المغرب

I. مــــقـــــــدمـــــة:
يسعى الدكتور محمد مشبال – في كتابه الموسوم بــ”خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ: مقاربة بلاغية حجاجية”- إلى أطروحة رئيسة أسها تأكيد حجاجية وبلاغة النثر العربي القديم، وذلك بعد الاهتمام الذي وجه اتجاها واحدا، من قبل الدارسين والباحثين حول بلاغية وحجاجية الشعر العربي، تنظيرا وتطبيقا، فحاول الدكتور محمد مشبال أن يكسر هذا الإِلف الذي عهد عليه الدارسون، وربط الصلة وتجديد العلاقة بالنثر العربي، وإعادة الصلح معه، وملامسة ولو جزء من أغواره، والبحث في ثناياه وخباياه، فاختار لهذه الدراسة نموذجا ناضجا، وهي رسائل الجاحظ (-225هـ) ، ومعلوم أن للجاحظ تأليفات بديعية في الجانب النثري، وجوانب أخرى يشهد له بها بالبراعة والبداعة، وكان السؤال الذي قدمه محمد مشبال هو: كيف نقارب نصا نثريا عربيا قديما بالامتثال إلى طبيعته والاستجابة لأسئلته الخاصة وفق منظور بلاغي حجاجي؟.

II. وصـــــف الكتاب:
إن كتاب محمد مشبال كتاب تطبيقي حاول فيه أن يقارب مجموعة من رسائل الجاحظ مقاربة بلاغية حجاجية، مستثمرا الجانب الأسلوبي على الأخص، وقد قسمه إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول نظري صرف، عنونه بــ”بلاغة النص النثري العربي القديم: المكونات والمبادئ، وتحت هذا القسم ثلاثة فصول، أوله بلاغة النص الإطار النوعي، وثانيه الحوارية وحجاجية النص، وثالثه: الحجج، والقسم الثاني وسم بــ” البلاغة والأخلاق”، ضمنه ثلاثة فصول، فصل في: “الأخلاق بين الهوى والعقل”، وفصل في: “الأخلاق السياسية”، وفصل في: “ذم أخلاق الكتاب والعلماء”، وأما القسم الثالث والأخير فسماه بــــ”الأخلاق والهوية”، وذيله بأربعة فصول، الفصل الأول في: “الحجاج وهوية الأمكنة”، والثاني في: “مدح الهوية السوداء”، والثالث في: “مدح هوية الترك”، والرابع في: “الحوار مع الآخر وصيانة الهوية الإسلامية”، ثم الخاتمة، والقسمان الثاني والثالث، فصلا تطبيق، حاول فيهما محمد مشبال استثمار الفرش المعرفي النظري للقسم الأول، كي يسفر عن مناحي بلاغة الحجاج في نثر الجاحظ، ومدى انسياق رسائله مع مستجدات النظرية الحجاجية مذ أرسطو إلى البلاغة الجديدة – مع بيرلمان وغيرهم-، بشقيها الحجاجي التداولي “الإقناعي”، والحجاجي التخييلي، كشفا لطبيعة النصوص القديمة ووظائفها، “وإجراء تحليل بلاغي موسع يتجاوز حدود” الأسلوب والعبارة، إلى آفاق الدلالة والتداول ومشيراته المقامية.

III. مــــتـــن الــــكتاب وجوانبه التطبيقية:
بعد المقدمة الموضحة لأطروحة مشبال، والوصف المجمل لمواضيع الكتاب، سعينا أن نقدم مظاهر تطبيق الجانب الأسلوبي الحجاجي على رسائل الجاحظ، وبيانها منا يقتضي طرح تساؤل جوهري، يقوم مقام البيان والإيضاح، هو كيف استطاع الكاتب أن يستثمر نظرية الحجاج في جانبها الأسلوبي في مقاربة صنيع رسائل الجاحظ؟
وللإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا، بيان الإشارات والمحافل التي أشار إليها الدكتور محمد مشبال في القسم الأول، حيث حاول تطبيقها في القسم الثاني والثالث، ولكن مع تغير الهدف؛ إذ كان غرضه في القسم الأول، تحديد مبادئ وتجليات بلاغة النثر العربي، بالتركيز على نثر الجاحظ، معرفا بلاغة النص بأنها: “كل ما يسهم في خلق تأثيره سواء أكان مصدر هذا التأثير صورة أسلوبية مقننة، أم تقنية حجاجية محددة” .
أخذا بهذا التحديد المفهومي لبلاغة النص، فقد حدد مكونات صور الأسلوب المقننة، وتقنيات الحجاج المحددة في الرسائل ، على اعتبار أن القراءة البلاغية: “مقاربة كلية تروم وصف نسق أسلوبي تابث يسلك كل الأنواع دون أن يصيبه تغير” ، وأن النص جامع لتقنيات حجاجية ووجوه بلاغية، وعلاقات حجاجية، وآراء ومعتقدات ومواضع مشتركة، ومساقات تداولية، نبتغي مقاربتها ورصدها وبيانها بلاغة بشكل أوفى ، وههنا سر الجمع بين البلاغة والنص، فلكل ميزاته ومكوناته.
ووظف مشبال في مقاربة هذه الرسائل بأقسامها ، القراءة البلاغية العامة، التي تركز على الجانب الأسلوبي(العبارة)، والقراءة البلاغية النوعية، التي تركز على الإطار المرجعي والمقامي الذي انتج فيه الخطاب، وعن السمات المشتركة بين كافة الخطابات، مراعية للمقاصد والغايات.
وحدد المؤلف مكونات الوصية والمناظرة والمفاخرة، ومدى حضور الجانب الأسلوبي، المتعلق بالحجج الصريحة والمضمرة، والعقلية، والعاطفية والأخلاقية، الساعية إلى التأثير، وخلق تغيير، وحمل المتلقي على الإذعان، وتبيلغ القيم والمبادئ، التي يسعى المجتمع بلوغها، وهذه قراءة بلاغية نوعية، ومحددا للتفاعل والحوار الحاصل بين خطابات الجاحظ في رسائله الحجاجية، مع الخطابات الأخرى، إما تأييدا وتأكيدا، أو تقويضا وتفنيذا وردا، وبناء لخطاب جديد.
وبين حضور السرد والوصف بمزاياه كتقنية حجاجية غاياتها الإقناع والايحاء، والحجج بالقيم والمواضع المشتركة الحاضرة بقوة في رسائل الجاحظ، والاتفاق المسبق، في كونه “عماد الحجاج ونقطة انطلاقه” ، ونجد كذلك بيانه لحضور المثال الواقعي والمتخيل، الهادف للبرهنة وتأسيس الاعتقاد أو القاعدة، مخالفا للشاهد الذي يهدف التوضيح والتأكيد، وفي مساق بيان الجانب التطبيقي، فتحضر كذلك وبقوة حجاجية الوجوه الأسلوبية التي استخدمها مشبال لإيضاح بلاغية وحجاجية رسائل الجاحظ، ونقصد بها الجوانب اللغوية المرتبطة بمقامات تداولية وتواصلية أو جمالية، ويهدف الوجه الأسلوبي –كما أشار مشبال- إلى النظر في:
• نوع الخطاب وخصائصه الأسلوبية.
• وفي ارتباطه بالوظيفة الحجاجية والإقناعية.
وكل هذه الجوانب التي أشرنا إليها، والتي تحدث عنها مشبال في مؤلفه، هدفنا منها التأكيد على كيفية تطبيقها على رسائل الجاحظ، ليبزر لنا الغنى الذي تتمتع به، في جوانبها الأسلوبية، والتواصلية، والتداولية، والجمالية، وكيف أسعفته في فهم خطابات الجاحظ، وتحصيل نقط التقائها وتحاورها مع خطابات أخرى، إذ لم يركز على القراءة البلاغية العامة فقط، بل تجاوزها إلى أكثر من ذلك، وهي القراءة البلاغية النوعية، المستوعبة للجانب الداخلي والخارجي في النص من أجل خلق آفاق جديدة.
وفي القسم الثاني والثالث، أخذ مشبال نماذج من رسائل الجاحظ، فقاربها من وجهة حجاجية أسلوبية وتداولية، يهدف في القسم الأول إلى تأكيد العلاقة الجامعة بين البلاغة والأخلاق، بمعنى كيف نوظف البلاغة من أجل نشر القيم في المجتمع، وفيها قال: “فما البلاغة سوى العمل بالقيم الأخلاقية التي يحث المتكلم البيلغ مخاطبيه على الاقتناع بها في الحياة” .
يؤكد قوله هذا الغاية التي جاءت إليها البلاغة الجديدة مع (بيرلمان، وتيتيكاه)، فهي بلاغة قيم قبل أن تكون بلاغة أسلوب، وركز المؤلف على انتقاء نصوص يحضر فيها الجانب الأخلاقي الذي يدافع عنه الجاحظ، وذلك باستثمار الجوانب الأسلوبية، والغاية من القسم باثقة من غرض مشبال في كتابه، هو “إثبات أن إنتاج خطابات تأديبية لا ينفصل عن انتاج خطابات بليغة” .
وفي القسم الثالث، المعنون بالبلاغة والهوية، سعى مشبال إلى توظيف القراءة البلاغية العامة في رصد الجانب الأسلوبي، والقراءة البلاغية النوعية، في التأكيد على تسخير الجاحظ للبلاغة للدفاع عن الهوية العربية، وعن هوية السود وتفضيلهم على البيضان، واستقصى نماذج حية ونابضة بالروح القومية التي يتمتع بها الجاحظ، وكيف وظف مقوماته الحجاجية في التأكيد على الهوية العربية الإسلامية.
وعليه تبينت لدينا مبادئ ومكونات بلاغة النثر العربي القديم، وعلاقة البلاغة بالأخلاق، وأثرها في تأديب الناس وتدبير حياتهم، ونشر القيم الأخلاقية بينهم، وبأن البلاغة لا تتوقف عند هذا الحد فقط، بل تسعى إلى الدفاع عن الهوية، والمعتقدات، والأجناس، والسلوكات، وهذا كله تم استقراؤه من رسائل الجاحظ المصفوفة المرفوفة.

الكلمات المفتاحية: الأخلاق، والهوية، والتفاعل، والخطاب

اترك ردا