تقرير الملتقى الدراسي الدولي: قضايا في التصوّف

تقرير عن الملتقى الدراسي الدولي في موضوع قضايا في التصوّف الذي نظّمه فريق البحث في الفلسفة الإسلامية يومي 2-3 أكتوبر 2013 بقاعة نداء السلام بكلية الآداب، جامعة محمّد الأوّل وجدة.

************************

تميّزت الجلسة الافتتاحيّة التي ترأسّها محمد بنيعيش أوّلا بكلمة السيّد رئيس مصلحة الشؤون العلميّة والثقافية مصطفى السلوي نيابة عن السيّد عميد الكلية الذي تعذّر عليه الحضور ، لكنّه أبى إلا أن يحضر في اليوم الثاني في الجلسة الختاميّة. وتميّزت ثانيا بكلمة منسّق الملتقى سعيد البوسكلاوي الذي ذكّر ببعض حيثيات انعقاد هذا الملتقى كما نبّه على التوجّه العلمي للفريق مبرزا أهداف هذا الملتقى العلميّة والتربويّة ومستبعدا، في الآن نفسه، كلّ خوض ما-قبل علمي في موضوع التصوّف. في الجلسة الأولى، برئاسة طارق مدني وتقرير محسن أفطيط، وقف محمد مساعد (المدرسة العليا للأساتذة بمكناس) عند منزلة التصوّف عند ابن رشد. وقد أكّد على أنّ ابن رشد لم يكتب سوى بضعة أسطر عن التصوّف في ثلاث كتب وهي فصل المقال وكشف الأدلة وتهافت التهافت، مستنتجا تأرجح ابن رشد في هذه الكتب بين موقفين: موقف متسامح وموقف متّهم وموقف يعود إلى التسامح. والسؤال: هل هو تناقض أم تطور؟

ومن جهته حاول سعيد البوسكلاوي (كلية الآداب، وجدة) استثمار أهمّ التعريفات التي قدّمها الصوفية للإرادة من أجل رصد أهمّ الإشكالات التي يثيرها موضوع الإرادة تمهيدا لمشروع بحث يروم الوقوف على مفهوم الإرادة في الفكر الصوفي. ركّز على أربعة منها وهي: 1) الإرادة ترك الإرادة؛ 2) الإرادة ترك ما جرت عليه العادة؛ 3) الإرادة لوعة في القلب؛ 4) الإرادة معرفة. وأثار أسئلة عديدة مؤكّدا على أنّها تشكّل مباحث قائمة بذاتها من قبيل سؤال الإرادة بين الإثبات والنفي، بين الحرية والعبودية، بين الفعل والانفعال، بين الشهوة والنزوع، بين الفطرة والاكتساب وغيرها. ليخلص إلى أنّ مشكلة الإرادة هي مشكلة التصوّف بأكمله. أمّا هشام حجاج (كلّية الآداب، المحمدية) فقد حاول إلقاء الضوء على المشروع الإصلاحي لأبي إسحاق ابن عبيديس النفزي الغرناطي 659 ه. من خلال استحضار نصوص ابن عبيديس التي تجيب عن أسئلة تاريخية حارقة، إن على المستوى الجمالي أو السياسي –الإجتماعي أو الفلسفي والقيمي. لينتهي إلى القول بأنّ التجربة الوفيّة قائمة على تأصيل الفعل وتفعيل القول.

وفي الجلسة الثانية، برئاسة محمد الطلحاوي وتقرير جمال لخلوفي، افتتح القول توفيق فائزي عن “الخيال عند ابن عربي”. وتناول الخيال باعتباره استعارة والحياة حلم، وميّز بين الخيال المطلق (الإلهي) والخيال الإنساني الذي يتميّز بسياق المحسوسات، والقدرة الخلاقة كتجسيد لمفهوم مركّب، يتضمّن الخيال المتّصل وهو الخيال الذي نعرفه والذي يتّصل بالمحسوسات، والخيال المنفصل الذي له وجود موضوعي. وبينّ المتدخّل في النهاية محاولة ابن عربي الوصول في الخيالات إلى عين الحقّ. وتطرق محمد كنفودي لموضوع “إصلاح المملكة الإنسانية من منظور ابن عربي”. فالإصلاح عنده يرتبط بروح الإنسان، كما أنّ هذا الإصلاح يبدأ من تحت وليس من فوق. كما عرض لمميّزات المصلح عند ابن عربي والتي تتعلّق بالقدرة على التمييز بين الأفعال، والابتعاد عمن أسماهم علماء السلطان. وناقش شروط اختيار السلطان وضوابط إنفاق المال العام. ليخلص في النهاية إلى عدم ابتعاد ابن عربي عن النصّ الشرعي، وتجديده لهذا الفهم، والإصلاح يرتبط بالفرد والمجتمع. وتناول يوسف أشلحي “تأصيل الوجود في فلسفة صدر الدين الشيرازي”. وعرض فيه لإشكالية الماهية من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية. حيث تأخذ الماهية في الفلسفة اليونانية بعدا أنطلوجيا خاصّة مع أرسطو وأفلاطون. وقد استأنفت الفلسفة الإسلامية هذه الإشكالية مع إعطائها بعدا “أنطوثيولوجيا”. واختتمت الجلسة بمناقشة أهمّ المحاور والتساؤلات التي أثارتها الجلستان الصباحيتان.

وبعد الزوال التأم الجمع في جلسة ثالثة برئاسة مصطفى نشاط وتقرير محمد كنفودي. في البداية عمد محمد الطلحاوي (كلية الآداب، وجدة) إلى بيان موقف الفقهاء المغاربة من تصوّف الغزالي، وبالتحديد من مصنّفه إحياء علوم الدين، وهو ناتج عن الجمود وغياب الانفتاح. وبعده أبرز موسى فتاحي (جامعة خميس مليانة، الجزائر) العلاقة بين الذوق والعقل عند الغزالي، محاولا تحديد طبيعة العلاقة الجدلية بينهما. أمّا محمد لشقر (كلية الآداب، مكناس) فرام التدليل على أنّ الفكر الصوفي عند الغزالي له روافد كثيرة، قريبة وبعيدة، داخلية وخارجية وغيرها. وأخيرا ركّز مصطفى عارف على بيان أنّ تركيبة النصّ عند الغزالي متعدّدة المصادر ومتنوعة الرؤى والأطاريح.

أمّا الجلسة الرابعة من الملتقى، برئاسة عباس بوغالم وتقرير مراد جدي، فقد تميّزت بمداخلة  مصطفى نشاط (كلية الآداب، وجدة)، والذي تطرق لموضوع “سجن المتصوفة بالمغرب الوسيط، أبو يعزى أنموذجا”، حيث أوضح أنّ بدايات التصوّف كانت زهدية غير ميالة إلى الاهتمام بالشأن العام، لكن الظروف فرضت على المتصوفة دخول غمار العمل العام وهو أمر حوّلهم إلى قوّة مؤثّرة داخل المجتمع، وهذا أثار حفيظة السلطة التي قامت باتخاذ إجراءات عقابية ضد بعضهم ممن رفض سياسة الاحتواء، تراوحت ما بين القتل والنفي والإبعاد والسجن. وفي هذا الإطار تندرج حالة أبو يعزى الذي تعرض لنوع من الإقامة الجبرية في عهد عبد المومن الموحدي بجامع الكتبية. وتناول خالد صقلي (كلية الآداب-ظهر المهراز، فاس)، “نموذج متصوفة العصر السعدي: سيدي أحمد الشاوي”،  حيث قدم نظرة عن التصوّف والمتصوفة في العصر السعدي، ووقف عند سيدي أحمد الشاوي و تناول جوانب من سيرته وأعماله في المجال الخيري والاجتماعي. كما عالج عبد الباسط المستعين “دور الصوفيّة في الإنقاذ السياسي بتاريخ المغرب، نموذج الدولتان المرابطية والسعدية”، إذ أبرز دور التصوّف في تاريخ المغرب ووظائفه المتعدّدة، وقسّمها إلى وظائف تربوية ووظائف علمية ووظائف عسكرية (من خلال الرباطات)، وتناول الأصل الصوفي للدولتين المرابطية والسعدية، ودورهما في الإنقاذ السياسي للمغرب من خلال إعادة بناء الوحدة السياسية للمغرب، وصد الهجومات الخارجية، والتصدي للتحديات الداخلية.

وفي مداخلته “الزاوية الدرقاوية، المستعمر والمخزن”، أوضح قاسم الحادك أنّ الزاوية الدرقاوية شكّلت منذ ظهورها قوة دينية وسياسية كبيرة انفلتت من السيطرة المخزنية ونجت من عمليات الإخضاع والاحتواء التي نهجها المخزن، لذلك تميّزت بنوع من الاستقلالية النسبية عن المخزن بل ودخلت معه في صراعات وحفل تاريخها بمجموعة من التمردات والثورات، كما عملت على تأطير مختلف أشكال التمرد القبلي خاصة بالمناطق النائية والبعيدة عن المخزن المركزي. وهكذا شكل الدرقاويون جبهة قوية لمعارضة السلطة المخزنية وانتقادها عن وقف الزحف الاستعماري مستغلين ما راكموه من قدسية ورمزية. وانطلاقا من هذه المواقف المعارضة للسلطة المخزنية، كان من الطبيعي أن تنتقل الزاوية الدرقاوية من رفضها لتدخلات المخزن وسياساته إلى رفض كلّ أشكال حضور المحتلّ في المجتمع المغربي.

وضمن أشغال الجلسة الخامسة، وهي الأخيرة ضمن جدول اليوم الأول من الملتقى برئاسة جمال الدين السراج وتقرير ميمون عراص، قدّم محمد جحاح (كلية الآدب، مكناس) دراسة دقيقة لموضوع التصوّف وسؤال العودة وقدّم تفسيرات عدّة لهذه العودة المفترضة للتصوّف، وذلك بالبحث عميقا في أسبابها الظاهرة والكامنة وفي نتائجها وتداعياتها مع ربطها بالواقع المغربي. وقدطرح سؤال العودة في أبعاده التاريخية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية، بعيدا عن أي مقاربة أداتية. وتناولت نبيلة مسعودي طوبوغرافية التصوف في المحيط الحضري للناظور، ووقفت عند بعض الزوايا كالقادرية والعيساوية والدرقاوية بهذه المدينة والمدن المجاورة لها كالعروي وتيزطوطين، دون إغفال وصف أهمّ الأضرحة بها وذكر بعض الشعائر والطقوس المتعلقة بهذا الحقل المعرفي. وتطرّق جمال لخلوفي إلى موضوع التصوف في ارتباطه بالسياسة وطبيعة العلاقة بينهما، مع التأكيد على الدور الرائد للفكر الصوفي في تحقيق الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع، ومن جهة أخرى وفي نفس السياق تم التطرق إلى تَحَوُّل التصوف من علمي إلى طرقي مع  التركيز على أسس التربية الصوفية عند كل من ابن العربي وسيدي علي الدرقاوي، وكذا الحديث عن توظيف الرموز اللغوية في ميدان التصوف المغربي خاصة ًمع هذين المتصوِّفيْن. وأخيرا حاول مراد جدي رصد “بنية الكرامة الصوفيّة من خلال كتاب المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف”. هذه الظاهرة السوسيودينية التي يثير تقبلـُّها ردودَ فعل متباينة من لدن الباحثين بين رافض وقابل لها باعتبار أنّ الكرامة شكلٌ جديد من الخطاب الديني. وأخيرا أبرز اليماني قسوح نماذج ﻣﻦ ﺗﻮﺟﻬﺎت وﻃﺮق ﺻﻮﻓﻴﺔ بالريف اﻷوﺳﻂ واﻟﺸﺮﻗﻲ ﺧﻼل المرﺣﻠﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ اﻟﺘﻄﻮر اﻟﺘﺎريخي حرﻛﺔ اﻟﺼﻼح بالمنطقة. ووقف بالخصوص عند الملاماتيين، الغزاليين، والماجريين.

وجاء اليوم الثاني من الملتقى غنيّا بمداخلات متنوّعة في موضوعات شتّى غلب عليها الأدب والسياسة عموما. هكذا، توقّف بدر المقري، في الجلسة السادسة برئاسة موسى فتاحين وتقرير يوسف أشلحي، عند المعرفة الصوفية ومحددات القراءة الاستشراقية والاستعرابية. فسلط الضوء على بعض النقاط التي طبعت الدراسات الاستشراقية في مقاربتها للنصوص الصوفية. وكان أهمها: أ) القراءة وإعادة القراءة. ب) إشكال الترجمة.ج) البعد الإنتقائي في قراءة نصوص المتصوفة. ليخلص إلى أنّ الغاية من هذه القراءة وإعادة القراءة كات هي تثبيت المركزية الغربية (محاولة ربط النصوص الصوفية مع ما جاء في العهدين القديم والجديد). كما ألقى مبروك كواري (جامعة بشار، الجزائر) مداخلة متميّزة في موضوع اللغة الصوفية وتشظي الدلالة، ركّز فيها على طبيعة اللغة الصوفية وطرق تشكلها وسياقات إستعمالها، وكيف تمكنت النصوص التصوفية من تطويع القاموس اللغوي المتداول، من أجل خلق سبك لغوي جديد. وقد ضرب أمثلة عن أوجه الدلالة المزدوجة للمصطلح الصوفي من خلال إنتقاء مفاهيم الحب، الجوع، والسكر.ومن جهته، حاول مومن الصوفي (كلية الآداب، وجدة)، في مداخلة دقيقة، إبراز البعد الصوفي في الرواية المغربية المعاصرة، مركّزا على ثلاث روايات أساسية (جارات أبي موسى لأحمد التوفيق، عبد الرحمن والبحر لخالد حجي، وآخر الفرسان لفريد الأنصاري). ليخلص من خلال هذه النماذج إلى أنّ الشخص المتصوّف ليس ذلك العابد الزاهد المنعزل، بقدر ما هو فرد مندمج  في هموم الناس ومنخرط في الوسط الاجتماعي، من خلال الإسهام التربوي. وفي نفس المنحى الرامي إلى الكشف عن توظيف المكوّن الصوفي في الأدب المغربي، وتخصيصا في الشعر، ركّز يحيى عمارة (كلّية الناظور ) في مداخلته عن “المحبة الصوفية وآثرها في الشعر المغربي المعاصر” على مركزية مفهوم الحب في متن المتصوفة، ليمضي بعد ذلك لبيان أوجه استثمار المعجم الصوفي في بعض التجارب الشعرية المغربية المعاصرة (محمد السرغيني، أحمد الطريبق، أحمد بلحاج آيت ورهام وغيرهم). أما مصطفى الدزيري فقد أضاء معالم تلقي التراث الصوفي في المتن النقدي (الدراسات النقدية) والأدبي المعاصر (الشعر، الرواية، المسرح). وبسط الحديث في القراءات التي انصبت على النص الصوفي، وقد حصرها في ثلاث: 1) القراءة الإقصائية (كما تم التأسيس لها من خلال معايير الشعر المقبول في المتن النقدي القديم)؛ 2) القراءة المغرضة(التي كرسها الفقهاء، من أمثال ابن تيمية وابن حزم)؛ 3) القراءة المحايدة(كما نمت على ذلك مقاربة ابن خلدون).

أما في الجلسة السابعة برئاسة محمد جحاح وتقرير جمال لخلوفي، فقد حاول فريد أمعضشو إبراز أهمّ ملامح المنهج الذي اعتمده ابن الخطيب في ترتيب عناصر كتابه روضة التعريف بالحب الشريف وأجزائه، وفي تناول موضوع الحب الإلهي وقد أجملها في أربع عناصر أساسية. ثمّ تناولت إلهام ستة موضوع تصوّف ابن الخطيب من خلال الكتاب نفسه، حيث عرضت لفصول الكتاب وموقف صاحبه من المظاهر والأنواع المختلفة للتصوّف، والتي تتضمّن من بين محاورها رفضه لبعض هذه الأشكال التي يعتبرها مخالفة للدين الصحيح. وأخيرا قارب المحجوب المحجوبي (كلية الحقوق، وجدة) ملامح الخطاب الصوفي في شعر المديح الديني من خلال مدونة حمدون بلحاج. وقدّر أنّ تاريخ المغرب قد أثّر على المديح من حيث دخول ذوي اختصاصات متنوعة (الفنان والأديب…)، فانحرف المديح عن إطار التخصّص. كما ناقش بعض شروط المديح النبوي، حيث لم تكن هناك الحرية الكاملة في المجال الرمزي، كما ناقش تغزّل المتصوفة بالأماكن المقدّسة.

استهلّ أحمد الصديقي الجلسة الثامنة، برئاسة محمد لشقر وتقرير إلهام ستة، بالتأكيد على أثر قراءة الكتب في ذهنية المتصوفة خلال العصر الوسيط في الغرب الإسلامي، كما تعرّض إلى موقف المتصوفة من إمكانية تعويض الكتاب للمورد الذي انقسم بين مؤيد ورافض؛ فالله تعالى لا يعبد عن جهل، وإن كثيرا من المتصوفة من انتحل التصوف بعد مطالعتهم لمجموعة من الكتب وإن كانت ذات أصل مشرقي. وتساءل عبد العزيز الحفياني في مداخلته  “التصوف السني وأهم مقاصده العقدية عند المغاربة” عما إن كان هناك تلاقح بين العقيدة والتصوف الديني في المغرب، وبصيغة أخرى هل العلاقة بين التصوف الجنيدي والعقيدة السنية الأشعرية علاقة ائتلاف أم علاقة اختلاف. ويخلص إلى نتيجة أنها علاقة ائتلاف لتأكيد المذهبين معا على توحيد الله تعالى ووجوده وطرق تعرفه. ومن جهته، تطرّق يوسف الوكيلي إلى أهمية العمل الاجتماعي من حيث كونه سابق في الوجود وفطري مرتبط بالوجود الروحي للإنسان ومتقدم في وجوده على التشريعات الإلهية وأن الجانب التطوعي طريق من طرق معرفة الله عز وجل. ومن ثم، فالعلاقة بين القلب والعمل علاقة تكامل. وعن “التصوف والمجتمع المغربي” تحدث طارق العلمي عن المجالات التي خدمها التصوف في المجتمع من دور دعوي وتربوي وتضامني، وكان يخضع ذلك لا محالة إلى الظروف التي عاش فيها المجتمع المغربي.

وفي الجلسة الأخيرة، برئاسة مصطفى ادزيري وتقرير محمد الهيسوفي، راهن حسن السّمان على مقاربة الظاهرة الصّوفية من زاوية اعتبارها خطابا ووعيا كونيّا، محاولا البحث عن السّمات المشتركة بين كلّ الأنماط الصّوفيّة، منتهيا إلى أنّ هناك منطقا كونيّا ورؤية عقلانيّة تحكم هذا النّوع من الخطاب. أمّا الرّشيد حمزة فقد ركّز على مفهمة الصّحّة النّفسيّة من منظور علم النفس وعلم التّزكيّة، ليعرّج بعد ذلك على مراتب الصّحّة النّفسيّة ومراتب الأمراض النّفسيّة، مركّزا على كيفيّة معالجة أهل الأخلاق والتّزكيّة للأمراض النفسيّة، مُبرزا أهمّية اتّزان الصّحة والنّفس في تحقيق السّعادة وجودة الحياة. وفي موضوع “الإلهام في الكتابات الصّوفيّة” استعرض خالد التوزاني روافد هذا الإلهام وحدّد بعض إشكالاته وتجلّياته في النّسق الصّوفي، مقدّما بعض النّماذج كتجربة ابن عربي الذي جعل الإلهام مصدرا لكتاباته، مميّزا بين إلهام العارفين باعتباره فتوح فهم في الوحي، وإلهام الأنبياء ذي البعد التّشريعي. أمّا محمّد بنيعيش (كلية الآداب، وجدة) فقد استهلّ مداخلته، بعنوان “تصوّف وتطرّف، تمانع أم تقاطع؟”، بالفصل بين مفهومي التّصوّف وما تفرّع عنه، والصّوفي وما اشتبه به، وذلك لغاية وضع حدّ للتّصوف كعمليّة ديناميّة حركيّة، كما كانت المداخلة مناسبة للحديث عن كيفية الارتقاء للوصول إلى درجة الإشراق في إطار المنظومة الصّوفيّة. وحاول مصطفى بوزغيبة إبراز جهود أهل التّصوّف في تحقيق في تحقيق الوحدة الوطنيّة، والأمن الغذائي، والسّلم الاجتماعي، وحلّ النّزاعات، وتثبيت دعائم السّلطة الشرعيّة، ومحاربة التّمرّدات، ومقاومة الاستعمار. في حين تناول محسن أفطيط الأبعاد الاجتماعيّة والتّاريخية والأنثروبولوجيّة للإرث الصّوفي في المغرب السّياسي، وركّز خصوصا على جدليّة العلاقة بين مؤسّسة الزوايا والسّياسة من خلال دراسات حديثة. وفي السّياق نفسه، درس عبّاس بوغالم التنظيمات الصّوفيّة باعتبارها تنظيمات سياسيّة، واستعرض المعايير والقيم التي تحكم الظواهر السياسية في علاقتها بالحركة الصّوفيّة.

وقد خُصّص الحيّز الزّمني الأكبر من الجلسة الختاميّة، برئاسة توفيق فائزي وتقرير محمد الهيسوفي، لمناقشة العروض المقدّمة. بعد ذلك أخذ الكلمة سعيد البوسكلاوي، منسّق فريق البحث في الفلسفة الإسلامية، حيث ذكّر بالفائدة العلميّة لهذا الملتقى الفكري، والخالي من أيّ خلفيّات عقديّة أو سيّاسيّة أو إيديولوجيّة، مبرزا أهمّية البحث في هذه الأمور مع ضرورة احترام التّقاليد والشّروط العلميّة، والأخذ من المصادر عوض التّسليم بما يُروى، آملا في أن يصبح الملتقى تقليدا سنويّا، مُعلنا استعداد العمادة لنشر المقالات المترتّبة عن أعمال الملتقى والتي تتوفّر فيها شروط النّشر شكلا ومضمونا. وقد ختم كلمته بالتذكير ببعض أنشطة فريق البحث في الفلسفة الإسلامية وببرنامجه السّنوي. وفي ختام الملتقى، تقدّم السّيد عميد كلّية الآداب بوجدة بكلمة شكر، رحّب فيها بالمشاركين في أشغال الملتقى، كما أثنى على فريق البحث في الفلسفة الإسلاميّة معتبرا إيّاه من أهمّ الفرق برحاب الكلّية، متمنّيا أن يصبح في المستقبل القريب مختبرا فمركزا للدّراسة في العلوم والفلسفة الإسلاميّة، معلنا عزم العمادة نشر الأعمال المتعلّقة بالملتقى فور التّوصّل بها.

منسّق الملتقى: سعيد البوسكلاوي

شارك برأيك