تقييد يوسف بن عمر أبي الحجاج الأنفاسي على رسالة ابن أبي زيد القيرواني

شهدت رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس- جامعة محمد بن عبد الله- صباح يوم الأربعاء 19 ربيع الثاني 1435هـ/الموافق لـ 19 فبراير 2014م مناقشةأطروحة الدكتوراه في الآداب أعدها الباحث: محمد الطريباق اليدري في موضوع: “تقييد يوسف بن عمر أبي الحجاج الأنفاسي (ت761هـ) على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: دراسة وتحقيق الجزء الأول: “من بداية الكتاب إلى كتاب الختان والخفاض” ضمن وحدة التكوين والبحث:“التراث الفقهي المالكي بالغرب الإسلامي: دراسة وإنقاذ” بشعبة الدراسات الإسلامية.

وتكونت اللجنة العلمية من السادة الأساتذة:

الدكتور  الجيلالي المريني: رئيسا

الدكتور  حميد لحمر: مشرفا ومقررا

الدكتور عبد الله السفياني: عضوا

الدكتور رشيد سلاوي: عضوا

ونال الباحث بعد المناقشة والمداولة ميزة “مشرف جدا” مع “التوصية بالطبع”.

نص التقريـــر:

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وبعد:

الموضوع الذي اشتغلت عليه الموسوم بـ: “تقييد يوسف بن عمر أبي الحجاج الأنفاسي (ت761هـ) على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: “دراسة وتحقيق الجزء الأول: من بداية الكتاب إلى كتاب الختان والخفاض” يندرج ضمن الشروح الفقهية، وتحديدا هو شرح فقهي مالكي مغربي فاسي لمتن فقهي مالكي قيرواني، أقصد الرسالة الفقهية القيروانية للإمام الفقيه أبي محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، وهو آخر طبقة المتقدمين وأول طبقة المتأخرين، وصاحب هذا الشرح إمام جامع القرويين بفاس والخطيب بها زمن المرينيين الفقيهُ أبو الحجاج يوسف بن عمر الأنفاسي.

والعمل فيه إبراز لأثر عالم من علماء المغرب، ومجهود علمي لأحد رواد المدرسة الفقهية المالكية المغربية الفاسية.

يعتبر كتاب “الرسالة” من أهم ما ألف في المذهب المالكي، ويعد من حيث التداول والأهمية الكتاب الثالث بعد الموطأ والمدونة، وقد رزق من القبول والانتشار وعناية الناس به وإقبالهم عليه وتأثرهم به، ما لم يحظ به أي مؤلف غيره، ولا يضاهيه في هذه المنزلة والحظوة إلا الموطأ والمدونة، فقد عظم شأن رسالة ابن أبي زيد القيرواني هذه وجل بالنفع والبركة والقبول. وتعددت شهرتها المغرب إلى المشرق، حتى غطت جميع بلاد الإسلام.

وأما شروحها فهي كثيرة جدا، فقد ذكر الشيخ حسن حَسني عبد الوهاب أن المفسرين تناولوها بأكثر من مائة شرح، والدكتور عمر الجيدي ذكر تسعة وخمسين شرحا لها في المحاضرة الثانية عشرة من كتابه. والدكتور حمزة أبو فارس صنفها ما بين المطبوع منها والمخطوط والمفقودإلى أربع ومائة شرح. كما أحصى الدكتور الحسن الزين الفيلالي أزيد من مائة وأربعة وثلاثين شرحا، ما بين الموجود منها والمفقود.

وفي هذا الإطار-أقصد جهود العلماء المالكية على الرسالة الفقهية القيروانية- يندرج شرح إمامنا الفقيه يوسف بن عمر الأنفاسي لها. وهو: يوسف بن عمر أبو الحجاج، السلاسي الأنفاسي، كما ذكر اليعلاني والغيلاني. ويشير الونشريسي إلى أنه يكنى بأبي المحاسن، وقد انفرد بهذا عن غيره ممن تعرضوا لترجمته. والأنفاسي –كما يذكر المرحوم الدكتور محمد حجي- أسرة فاسية تناقلت العلم والصلاح، “أصلها من قبيلة سلاس في جبال الريف المشرفة على منعرجات نهر ورغة، لا يعرف تاريخ انتقالها إلى فاس، إلا أنه اشتهر بها منهم عدد من العلماء والصالحين منذ القرن السابع الهجري”.

لم تتحدث كتب التراجم والطبقات عن تاريخ ولادته، لكننا نستفيد تاريخ ازدياده من تاريخ وفاته ومن مدة حياته، فقد ذكر مترجموه أنه عمَّر مائة سنة، وأجمعوا على أن وفاته كانت سنة 761هـ، وعلى هذا فتاريخ ولادته الافتراضي يكون هو سنة 661هـ.

أما عن نشأته فقد نشأ –كما سبقت الإشارة- في بيت علم وصلاح وزهد، إذ أسرته اشتهرت بالفقه والصلاح، ولم تذكر كتب التراجم شيئا عن أسرته أكثر، إذ شحَّت علينا بأمور كثيرة تتعلق بطفولته ومراحل حياته الأولى، وطلبه للعلم.

وعن نشاطه العلمي والوظائف التي أسندت إليه فقد تقلد الإمام رحمه الله عدة وظائف، ومارس مختلف الخِطط الشرعية، نستفيد هذا ممن ترجم له، ومن هذه الأنشطة والمسؤوليات: توليه الإمامة والخطابة بجامع القرويين، قيامه بمهمة التدريس، ممارسته لخطة الإفتاء، قيامه بالتأليف والكتابة.

أما عن شيوخه فقد ذكر مترجموه أنه تفقه بمذهب مالك بن أنس رضي الله عنه. لكنهم لم يشيروا إلى شيوخه الذين تتلمذ عليهم إلا شيخا واحدا ألا وهو: الشيخ عبد الرحمان بن عفان الجزولي (ت741هـ): وهو الفقيه الحافظ، شيخ المدونة، كان أعلم الناس بمذهب مالك وأصلح الناس وأورعهم. كان يحضر مجلسه أكثر من ألف فقيه معظمهم يستظهر المدونة. أخذ عن راشد بن أبي راشد الوليدي وأبي زيد الرجراجي، وأبي عمران الجورائي، ويوسف الغساني السبتي. كما أخذ عنه موسى العبدوسي، ومحمد الكرسوطي، وأبو الحسن الصغير الزرويلي. عمَّر أكثر من مائة وعشرين سنة وما انقطع عن التدريس.

    كما لم تذكر المصادر شيوخ الأنفاسي، كذلك لم تتحدث عن تلامذته، إلا ابنه سليمان بن يوسف بن عمر الأنفاسي (ت779هـ): ويكنى بأبي الربيع، كان خطيبا بالقرويين، عارفا بالفقه والفرائض والحساب، آخذا بطرق من أصول الفقه والدين، أخذ عن والده ولازمه كثيرا، كما أخذ عن أبي العباس القباب والشيخ أبي عبد الله بن حجاج، ولقي شهاب الدين أبا العباس أحمد بن ظهيرة، وأجازه إجازة عامة.

كان الإمام يوسف بن عمر علَما بارزا في المذهب المالكي بفاس المرينية، وحاز من أوصاف الصلاح ونعوت الخير ممن عرف به الشيء الكثير. أما مكانته العلمية فقد وصف بأوصاف ونعوت تدل على سعة علمه وتصدره للفتيا، وقيامه بالتدريس والإمامة والخطابة. كما تبدو هذه المكانة في استفادة العلماء من بعده على ما خلفه من معارف ضمَّنها في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيرواني.

   وقد توفي الشيخ يوسف بن عمر الأنفاسي– رحمه الله –  في يوم الأحد 13 من شعبان سنة 761هـ، وصلي عليه بعقب صلاة الجمعة، وحمل، ولم يبلغ إلى قبره من كثرة الازدحام عليه إلا قرب غروب الشمس، ودفن خارج باب الجيسة، بين الحارتين، على قرب من مقابلة برج الكوكب.

المؤَلَّف: كتاب التقييد على الرسالة

كان تحقيقي لمخطوطة: “تقييد أبي الحجاج يوسف بن عمر على رسالة ابن أبي زيد القيرواني” عن أربع نسخ خطية، وهي:

ـ النسخة الأم، وهي نسخة خزانة المسجد الأعظم بوزان، رقم حفظها 978، ورقم ترتيبها 554، رمزت لها بحرف “ز”، كتبت بتاريخ: بعد العصر من يوم الأربعاء الوافي سبعة وعشرين خلت من ذي القعدة عام 894هـ. بقلم الحسن بن عثمان بن محمد الجزولي.

ـ نسخة الخزانة الحسنية بالرباط تحت رقم: 5382، كتبت عام 945هـ رمزت لها بحرف “ح”، وهي نسخة جيدة، بخط مغربي مقروء، محلى بالحمرة.

ـ نسخة المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط تحت رقم: 665 ك، وهي نسخة كاملة تامة. خالية من ذكر للناسخ أو تاريخ النسخ.

ـ نسخة توجد ضمن محفوظات خزانة الأسكوريال بمدريد تحت رقم: 1059، بها تمليك للشريف الحسن أحمد بن محمد بالسراج عام 971هـ. لكن ليس بها تاريخ النسخ ولا اسم الناسخ.

ومما يمبز شرح الأنفاسي أنه:

ـ من الشروح المبكرة المغربية التي وضعت على رسالة ابن أبي زيد القيرواني

ـ تعرضه لشرح الرسالة كلها من مقدمة العقيدة إلى كتاب الجامع.

ـ تعدد نسخ الكتاب وانتشاره في كثير من الخزائن الوطنية، ومكتبات الدول العربية والأجنبية، مما يدل على أهميته وتداوله بين الناس، وانتشاره على نطاق واسع.

ـ يحتوي على مادة مصدرية ومرجعية كثيرة ومتنوعة (كتاب الله تعالى، السنة النبوية الشريفة، كتب اللغة والمعاجم، كتب الفقه المالكي، كتب الفقه على المذاهب الأخرى، كتب شروح الرسالة قبله…).

ـ تسجيله تعقيبات وتعاليق على ابن أبي زيد القيرواني في كثير من ألفاظه المستعملة وعباراته، وعلى منهجه كذلك، لكنه يقوم في كثير من الأحيان بتوجيه هذا التعليقات، وإيجاده المخارج لها.

كما نلمس قيمة الكتاب من خلال كتب فروع الفقه المالكي وكتب شروح الرسالة المتأخرة عنه، والتي ينقل أصحابها عنه كثيرا، معبرين فيها ب “قال يوسف بن عمر” أو “قال الشيخ يوسف بن عمر في شرح الرسالة”. كالشيخ أحمد زروق في شرحه للرسالة،  والحافظ أحمد بن الصديق الغماري في “مسالك الدلالة”، والحطاب في “مواهب الجليل”، وحاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، وشرح مختصر خليل للخرشي، وشرح جسوس، والفواكه الدواني لأحمد بن غنيم النفراوي. وتنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة لمحمد بن إبراهيم التتائي… وغيرهم كثير.

خطة الإنجاز:

لطبيعة الاشتغال بالنص والتحقيق، فقد كان العمل يفرض علي أن أتناوله في قسمين: قسم الدراسة وقسم التحقيق.

قسم الدراسة تناولته في فصول ثلاثة: خصصت الأول منها لصاحب متن الرسالة الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد من خلال مباحث ثلاث مرتبطة بعصر ابن أبي زيد وحياته، والحديث عن رسالته الفقهية وشروحها واهتمام العلماء بها. بينما الفصل الثاني فقد أفردته لصاحب الشرح الفقيه يوسف بن عمر الأنفاسي من خلال مبحثين الأول عن الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية زمن الرجل، والأول عن حياته. ليكون الفصل الثالث مخصصا للحديث عن الكتاب –أقصد شرح الأنفاسي على الرسالة- فجاء في خمسة مباحث: وصف نسخ المخطوط ومنهج التحقيق، موضوع الكتاب ومحتواه، منهج الأنفاسي ومكانة شرحه بين شروح الرسالة، ومصادره المختلفة في شرحه.

أما القسم الثاني قسم التحقيق فقد أقمت النص عبر مقارنة النسخ وإثبات الفروق بينها، وأغنيت الكتاب بالتعليقات، إذ كان لزاما علي تخريج الآيات والأحاديث والتعربف بالأعلام والأماكن والمصطلحات الفقهية وغيرها. كما وضعت عناوين فرعية للموضوعات الفقهية التي تناولها المؤلف لتسهيل عملية القراءة والاستفادة، وللفصل بين الفقرات.

وفي الأخير أرجو القبول من الله تعالى، وأتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساعدني على إنجاز هذا العمل، وشجعني على إتمامه، وفي مقدمتهم صاحب الفضل علي الدكتور حميد لحمر، والأساتذة الكرام أعضاء اللجنة العلمية الذين تجشموا عناء فحص هذه الأطروحة وإهداءهم عيوبها إلي.

.والحمد لله رب العالمين

تعليقان (2) على “تقييد يوسف بن عمر أبي الحجاج الأنفاسي على رسالة ابن أبي زيد القيرواني”

  1. بارك الله للدكتور محمد الطريباق، بدابة موفقة قي البحث العلمي الرصين إن شاؤ الله

  2. عمل مشكور فيه احياء للتراث العربي الاسلامي نترجئ من العليم الحكيم ان يجعله في ميزان حسناتك ويكون حافزا لك علئ المزيد من الجد والعطاءفي مجال البحث العلمي الرصين وفقكم الله وسدد خطاكم اخوكم الدكتور يوسف كرواوي تازة

شارك برأيك